أبواب- سامح المحاريقالتعويل الزائد على تناقل المعرفة والتاريخ بصورة شفهية، وانتفاء وجود ما هو موثق كتابة، كان أحد أبرز التحديات التي واجهها المسلمون وهم يبنون حضارتهم، فالتعامل أساسا كان مع روايات شفهية تنطوي على عامل بشري للخطأ اللغوي أو البنيوي وبما يمكن ألا يعكس صورة دقيقة عن الحقيقة، كما أن الروايات الشفهية كانت دائما عرضة لصعوبات جوهرية في التوثق من صحتها، فالإمام البخاري ومن تبعه في جمع الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم تكبدوا مشاق هائلة من أجل الوقوف على صحة الأحاديث، وكانت المسألة تتطلب كثيرا من التحري حول الأسماء التي ترد في سند الأحاديث، وبحيث عمدوا إلى البحث في تاريخ هؤلاء الأشخاص للتأكد من مصداقيتهم، وربما تزايدت أهمية هذه العملية لتتحول إلى ضرورة وخطوة جوهرية في العمل على جمع الحديث في زمن الصراع السياسي، حيث لجأت كل فئة لاصطناع بعض الأحاديث للاستناد عليها في تعزيز مواقفها في صراع كان يتقصد الدنيا ويبتعد عن الدين كثيرا. أسد الغابة من الكتب التي اهتمت برصد حياة الرجال الذين أحاطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا المرجع الأساسي لنقل الحديث والسيرة لغيرهم من التابعين الذين تشكلت منهم أولى الحلقات الخاصة بالمعرفة الشرعية والدينية في الإسلام، ولذلك كان التأريخ للصحابة مهما، وذلك لتجنب الزج بأسمائهم لتعزيز الروايات الموجهة لمصالح جهة أو أخرى، فكان الاستبعاد يجري أساسا على تاريخ الدخول في الإسلام، والفترة التي عايشها بصحبة الرسول الكريم، ووجوده أو عدم وجوده في بعض المواقف والغزوات، وتاريخ وفاته، ومن تواصل معه، ليدخل ذلك في عملية معقدة من ضبط علاقات الصحابة بالتابعين، ووجه الصعوبة أتى من اتساع الرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية ودخولها في أقاليم جديدة، وكان ذلك يتطلب منهجا للتعرف حول تواجد الصحابة في الفتوحات وإقامتهم في البلدان المفتوحة. المنهجية التي قام على أساسها علم الرجال جعلت التفرغ للعمل على جمع الأحاديث وتصنيفها فرصة متاحة للقلة من العلماء، فتوثيق الحديث والسيرة مسألة لا تحتمل أن تشترك مع أي من المسائل أو المجالات الأخرى، ولكن هذه الحلقة من الرجال المخلصين الذين نهضوا بمهمة جليلة انبنت على أساسها مجموعة واسعة من المعارف الفقهية التي كانت تشكل جوهر الحراك الفكري والثقافي في المجتمع الإسلامي. كتاب أسد الغابة من الكتب المهمة في هذا السياق، على الرغم من أنه من الصعب أن يعتبر كتابا كاملا لتغيب الحس النقدي في ثناياه، إلا أنه يعتبر ضرورة للمواصلة في عمليات التحقق والتأمل في المصادر، كما أنه يقدم أيضا للصحابة من غير من حظوا بدور كبير في عصر الرسول الكريم وكانوا يمثلون نخبة الصحابة بناء على إسهاماتهم الكبيرة في الوقوف خلف الرسول وحوله.ابن الأثير عز الدين أبي الحسن الجزري الموصلي ولد في شمال منطقة الجزيرة في الشام سنة 555 هـ لأسرة تنتمي لقبيلة شيبان العربية، انخرط في التعليم منذ طفولته وتعززت ثقافته ومعارفه مع انتقاله إلى مدينة الموصل المزدهرة في ذلك العصر ليتمكن من الالتقاء مع مشايخها ومعلميها، وعلى الرغم من اشتغاله في الفقه والحديث، إلا أن إسهامه الواسع أتى في مجال التاريخ. يعتبر صاحب منهج خاص في التأريخ، وله كتاب الكامل في التاريخ الذي يعتبر من أوسع الكتب في مجال التاريخ في العصور الإسلامية المختلفة، وتأتي أهمية الكامل في التاريخ من إدخال أسلوب التحليل والنقد للروايات التاريخية وعدم المبالغة في النقل وايراد القصص والروايات. توفي ابن الأثير في الموصل سنة 630 هـ.مقتطفات من الكتاب الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي. وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبو محمد. وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، أخت ميمونة بنت الحارث زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهو أكبر ولد العباس وبه كان العباس، يكنى.غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم الفتح، وحنيناً، وثبت معه حين انهزم الناس، وشهد معه حجة الوداع، وكان رديفه يومئذ. وكان من أجمل الناس، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم.أخبرنا إسماعيل وإبراهيم وغيرهما بإسنادهم إلى أبي عيسى الترمذي: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس قال: أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم من جمع إلى منى، فلم نزل نلبي حتى رمى الجمرة.وشهد الفضل غسل النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يصب الماء على علي بن أبي طالب.وقتل يوم مرد الصفر، وقيل: يوم أجنادين، وكلاهما سنة ثلاث عشرة في قول، وقيل بل مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة بالشام، وقيل بل استشهد يوم اليرموك سنة خمس عشرة، ولم يترك ولداً إلا أم كلثوم، تزوجها الحسن بن علي ثم فارقها. فتزوجها أبو موسى الأشعري.* * * * سهل بن أبي حثمة. اختلف في اسم أبيه، فقيل: عبد الله، وعبيد الله، وقيل: عامر بن ساعدة بن عامر بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن عمرو، وهو النبيت، بن مالك ابن الأوس الأنصاري الأوسي.ولد سنة ثلاث من الهجرة، قال الواقدي: قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن ثماني سنين، ولكنه حفظ عنه.وذكر ابن أبي حاتم الرازي أنه سمع رجلاً من ولده، يقول: كان ممن بايع نحت الشجرة، وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد، وشهد ما بعدها من المشاهد. وقول الواقدي أصح. وأمه أم الربيع بنت سالم بن عبدي بن مجدعة.توفي أول أيام معاوية، روى عنه نافع بن جبير، وعبد الرحمن بن سمعود، وبشير بن يسار، وصالح بن خوات بن جبير. وحديثه في صلاة الخوف صحيح مشهور.أخبرنا إسماعيل بن علي بن عبيد الله، وغيره، بإسنادهم إلى محمد بن عيسى السلمي، قال: حدثنا محمد بن بشار، أخبرنا يحيى القطان، أخبرنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن القاسم بن محمد، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة أنه قال في صلاة الخوف، قال: يقوم الإمام مستقبل القبلة، وتقوم طائفة منهم معه، وطائفة قبل العدو، وجوههم إلى العدو، فيركع بهم ركعة، وذكر الحديث.**** نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، يكنى أبا الحارث. وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان أسن من إخوته ومن سائر من أسلم، من بني هاشم، من حمزة، والعباس رضي الله عن الجميع.أسر يوم بدر كافراً، وفداه عمه العباس، ولما فداه أسلم. وقيل: أسلم وهاجر أيام الخندق وقيل: بل هو فدى نفسه برماح كانت له. وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين العباس، وكانا شريكين في الجاهلية متفاوضين متحابين.وشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، وحنينا، والطائف. وكان ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى رماحك تقصف أصلاب المشركين.روى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: لما أسر نوفل بن الحارث ببدر، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: افد نفسك. قال: مالي مال أفتدي به. قال: افد نفسك برماحك التي بجدة. فقال: والله ما علم أحد أن لي بجدة رماحاً بعد الله غيري، أشهد أنك رسول الله. ففدى نفسه بها. وكانت ألف رمح.وأخبرنا أبو جعفر بإسناده عن يونس، عن ابن إسحاق قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس بن عبد المطلب: فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحارث وعقيل بن أبي طالب.وروى عكرمة عن ابن عباس أن نوفل بن الحارث قال لابنيه: انطلقا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لعله يستعملكما على الصدقات، فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجل لكم أهل البيت من الصدقات شيئاً ولا غسالة الأيدي، إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم، أو: يغنيكم.وتوفي نوفل بالمدينة، سنة خمس عشرة.يمنع الاقتباس او اعادة النشر الا بأذن خطي مسبق من المؤسسة الصحفية الاردنية - الرأي .
أسد الغابة في معرفة الصحابة
12:00 27-6-2015
آخر تعديل :
السبت