د.بهيجة مصري إدلبي: الشعرُ تأويلٌ لعتمةِ الذات

د.بهيجة مصري إدلبي: الشعرُ تأويلٌ لعتمةِ الذات

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 12-6-2015
-
-

حاورها: جمال عقل

مبدعة توقظ الحرف والمعنى كما يوقظ الفجر حبات الندى على أحرف الوجود، فمنذ انتبهت في ساعة متأخرة من الحلم حتى أقامت وجدها في محراب الذات، أيقنت أنها تبتكر لوجودها وجودا مختلفا، وتخط على لوح الذات أسرارها ما لا يُخط من قبل على لوح الأسرار.
أبدعت في الشعر فاصّاعدت به إلى بصيرة اللغة، فكأن اللغة الشعرية لديها لا تستوي إلا في استبصار الرؤى الغائبة، وفي استدراج المجهول إلى مقام كشفها.
استدرجت السرد في أعمالها الروائية فكان أكثر جدلا من الشعر، وحين نبّهت الطفل في وجودها قالت ذاتها وهي في مقام الفطرة الأولى ليكون له في النقد بصيرة أخرى في تفكيك النص وتركيبه وتحريض الغائب فيه ليحضر في رؤاها النقدية.
تالياً حوار مع د.بهيجة مصري أدلبي يحرّض إصغاءنا ويحرّض سؤالنا ويحرّض جدلنا.

* كيف توقظين لحظتك الشعرية، في الذات وفي النص؟

- أغيبُ في الحرف حين السرُّ يتبعُهُ
سرٌ وحرف سعى فيه تضرعُهُ
وأستعير من الرؤيا نوافذها
 فيستوي في شغاف النور مطلعُهُ
للشعر هسهسةٌ في الروح نسمعها
تطفو على دمنا نبضاً فنسمعُهُ.
الشعر (أنا) في لحظة مجهولة عني، وهذه (الأنا) هي التي تتمدد لتحتضن العالم بأناه لتغيب عن نرجسيتها فتدخل في أسرارها المجهولة. وإذا غاب الشعر عن الوجود فهذا يعني انحسار كل شيء له صلة بالحياة، لأن ذلك يعني أن ثمة موتا ينتظرنا قرب أحلامنا.. فالشعر تأويل لقلق الكائن فينا، يستدرجنا إلى عتمة الذات، فنبصر عتمة اللغة.

* في شعرك شغل واضح على اللغة، ما أهمية اللغة في تجربتك الشعرية؟
- لقد اتخذت من القصيدة كشفا للذات وللعالم وفتحا في اللغة، لا بد أن أستمر في المساهمة في تشكيل العالم الجمالي، وفي إحالة العالم إلى قصيدة، وفي التأسيس لقصيدة شعرية يخطف بريقها ما يفرزه العصر الاستهلاكي، حتى تضيء الطريق إلى المعنى، لينهض الإبداع لغة وفلسفة وتأملا في مقام الإشراق الذي لا يخفت نوره أبدا.
فالشاعر كما يكتشفُ اللغةَ تكتشفهُ اللغةُ، لأنه يتعلق معها بشكل وجودي، لذلك لم تعد اللغة وسيلة لاكتشاف الذات والعالم في القصيدة، وإنما أصبحت أيضا موضوعا يستبصره الشاعر، ويدرك كنهه.
وكما يرى إليوت، فإن من واجب الشاعر تجاه لغته أن يحافظ وأن يتوسع ويحسن، وذلك هو الفارق بين الشاعر الذي هو مجرد شخص غريب الأطوار أو مجنون وبين الشاعر الأصيل. فبينما الأول لا يدرك العلاقة بين الذاكرة الجمعية وبين المتعة الشعرية، فيكتب ما لا يحرك إحساس الأمة المستمر، يستطيع الثاني أن يكشف تلاوين جديدة للإحساس ويستطيع أن ينهض بذاته وباللغة وبالوجود من خلال التماهي في الرؤيا الشعرية التي تنهض كحلم في ذا كرة الأمة.
فالشعر شغلٌ في اللغة وحفر في ماهيتها، وإعادة لتشكيل معناها، لأن اللغة كأي كائن حي، إذا لم نحفّز النبض داخله قد يصاب بالخمول والركود وبالتالي الموت. وهنا لا بد من الفصل بين اللغة كلغة وبين لغة هذا الكاتب أو ذاك، لأن الأسطورة الذاتية للكاتب هي بصمته التي يمتاز بها من غيره، ولأن مفهوم النص الشعري لدي مفهوم لا ينحاز إلى الفهم المباشر والشرح والتفسير، فإني أنحاز إلى تلك الكثافة التي تفعّل حالة التلقي أكثر من غيرها، وبالتالي تجعل النص منفتحا على تأويلات المعنى دون أن ينغلق على معنى محدد مباشر، وبذلك يضمن استمراريته ويضمن خلوده وبقاءه، في سيرورة الزمن كمعنى متجدد.
هكذا تصبح اللغة لدي هي الوجود والذات، وهي الرؤيا والكشف والبصيرة، وهي السر الذي يحرّض طاقة الإبداع، وهي الهوية التي تستوي في مقامها كينونة الشاعر، وبالتالي كينونة الأمة.

* ولكن ألا ترين أن التعمق في اللغة الشعرية قد يفضي إلى حالة من الغموض؟! كيف تنظرين إلى قضية الغموض والوضوح في الشعر؟!
- الغموض هو صبغة الشعر وكنهه، شأنه شأن الوضوح حين تكون القصيدة مخلصة لوعيها الفني، أما الإبهام فهو نوع من التعالي على القارئ وعلى المتلقي، ولعل من أهم أسبابه هو عدم وضوح الرؤية الشعرية لدى الشاعر فيلجأ إلى هذا الإبهام الذي قد يبدو مغلقا حتى عليه نفسه، فالغموض ربما يساهم في فتح معانٍ مجهولة للنص، دون أن يغلق أبواب التأويل، فهو يحيل القصيدة إلى حالة من الشفافية التي تكشف عن رؤى عميقة، وتكشف عن فهم جديد للعالم، وكذلك الأمر في عملية الوضوح، إذ إن للغموض شعريته وللوضوح شعريته، والمعيار هو مدى مقدرة الشاعر على الإخلاص لأدواته الفنية ومدى تحريض طاقته الكامنة في فهم الذات والوجود، سواء عبر الغموض أو عبر الوضوح، وإن كنت أميل إلى الغموض الشاف، لأنه يكشف عن ماهية الذات الغامضة، وبالتالي يكون أكثر تحريضا للعروج إلى المعنى وما وراء المعنى.

* ما العلاقة بين الثقافة والشعر؟
- إذا أخذنا بتعريف إدوارد هيريوت للثقافة بأنها «ما يبقى عندما ننسى كل شيء»، تصبح الثقافة أكثر اتصالا بالفعل المستمر، والفعل الوجودي، الذي يحقق من خلاله الكائن وجوده الإنساني، وإذا كان الشعراء يتحدثون على «عتبة الوجود» بحسب باشلار، فإن الشعر تأويل لوجودنا، يدفعنا للبحث عن «كائننا المجهول»، وبالتالي فإن العلاقة بين الثقافة والشعر علاقة وجودية، علاقة اختبار لطاقة الكائن الكامنة فيه، ولطاقة القصيدة المنبثقة عن ذاته عبر تحولاتها في العالم، فلا شعر من دون ثقافة، ولا أعتقد أن ثمة قصيدة تثبت أمام اختبار الزمن إذا لم يكن لها طاقة ثقافية تتكئ عليها وتنبثق منها، وهذه الطاقة هي التي تكشف عن التفاوت بين شاعر وشاعر، وهي التي تجعل مساحة الخيال التي تختبر فيها القصيدة أكثر شساعة، وأكثر استجابة لتحولات الذات الشاعرة في استبصار الوجود.
حينها يعني الشعر أن تستفز حضورك في بالغياب، وغيابك بالحضور، لتستوي كالبرق ما بين السحاب.. أن تقف بين هاويتين متكئا على معناك، تشير إلى العالم كي يهيئ إلى القصيدة، وإلى القصيدة كي تفسر العالم..

* كيف تنظرين إلى المشهد الشعري العربي؟
- إن قراءة المشهد الشعري العربي بشكل عام لا تشير إلى حركة تصاعدية في الانتباه إلى جدل العلاقة بين الذات والخطاب الشعري، لكن هناك تجارب مفردة ملفتة استطاعت أن تحقق هذا الانتباه، واستطاعت أن تعرج إلى المعنى عبر رؤى مختلفة ما جعل لها بصمة في المشهد الشعري العربي، أما على مستوى التجارب الجديدة فأرى أنها تجارب ما زالت تعيش قلقها، وتعيش بحثها عن الذات وبحثها عن الصوت الشعري، فهي لم تحقق بعد إيقاعية الشعرية التي تنهض من إيقاعية الذات والعالم، عبر الاستجابة الحقيقة لطاقة الإبداع.
وأعتقد أن الشبكة العنكبوتية ساهمت بقدر كبير في قلق هذه التجارب، فبقدر ما كان لها من إيجابيات في التواصل بين التجارب كان لها سلبيات أيضاً في طبيعة الوعي الشعري للقصيدة الشعرية، لأن ما يُنشر فيها من أشعار غالبا لا يستجيب للرؤى النقدية، ولا يستجيب لحقيقة التجربة الشعرية، فمن السهل جدا أن يصبح من يخط بعض الكلمات شاعرا ويطلق موقعا خاصا به ويجمع من حوله جمهورا يطلقون عليه بين الفينة والأخرى لقب «الشاعر الكبير».

* تكتبين الشعر والقصة والرواية وأدب الأطفال والنقد.. أين أنت، وأين تجدين حضورك الإبداعي؟
- حين يأخذ القلق مداه في الذات المبدعة، لا شك ستنفتح على مساحات أخرى لتأويل هذا القلق، وهذا الانفتاح هو الذي يتيح التفاتح بين الخطابات، ما يتيح المجال لتوسيع الرؤيا في كل منها، ومن هنا فأنا أكتب إلى جانب الشعر الرواية والمسرحية وأدب الأطفال، والنقد الأدبي، دون أن يكون لأيٍّ من هذه الخطابات سلطته المطلقة، وإنما هي سلطة الذات التي تتفاعل مع كل هذه الخطابات.
هذا الأمر لا ينفي أن لكل خطاب إبداعي أدواته، وأسراره، ونصّيته، إلا أن هذه الخصوصية لا تشكل عائقا أمام طاقة الذات، بل تشكل تحريضا جماليا وفنيا على الإبداع.
أما أين أجد ذاتي؛ فأجدها في الشعر، لأنه أكثر الخطابات مقدرة على تكثيف العالم، وعلى الكشف والرؤيا، بل هو الذي يساعدني في الانفتاح على عملية التجريب في الخطابات الأخرى. فمثلا توجّهي للنقد لم يكن توجها أكاديميا بقدر ما هو توجه إبداعي دافعه الرغبة في الغوص داخل النصوص، والبحث عن مكامن الفتنة فيها، وبالتالي فالنقد لدي هو حالة من حالات الكشف بطريقة أخرى أكثر اتصالا بالنص، وهذا الأمر فيه غنى للتجربة الإبداعية، وفيه اختبار للمعرفة التي تشكلت من خلال هذه التجربة، وبهذا الاختبار يصبح الكائن الشعري في داخلي أكثر كثافة، وأكثر معرفة، وأكثر إدراكا لموقعه في تجربتي الذاتية، فليس الدافع إذن رغبة من باب التعدد في الكتابة، وإنما هو دافع لاختبار التجربة. وكذلك الأمر بالنسبة للرواية والمسرحية وأدب الأطفال، فهي محاولات لتخطيب الذات في اللغة، وتخطيب اللغة في الذات.
فأنا بتعدد الخطابات أرى وجهي مكتملا، لأن الإبداع بكل خطاباته بحث عن الإجابة لسؤال الوجود لدى المبدع.

* كيف تقرأين واقع الرواية العربية؟
- من خلال قراءتي ومتابعتي للإنتاج الروائي في الآونة الأخيرة أرى أن الخطاب الروائي في صعود مستمر، مستجيبا للفضاء الجدلي الذي يصدر عنه، ويستوي فيه، وأعتقد أن هذه الاستجابة تأتي منسجمة مع النهوض الملحوظ للخطاب الروائي على المستوى العالمي أيضا، فثمة تجارب روائية على مستوى الوطن العربي، أثبتت حضورها، بشكل ملفت، لأنها تصدر عن رؤية فنية عميقة، للخطاب الروائي، وبالتالي إن تصاعد الوعي الفني في هذا الخطاب هو الذي جعل للرواية هذه المكانة إضافة إلى الحس التجريبي الذي لا يتوقف عند حد انسجاما مع مقولة بيير شارتيه حول الرواية بأنها لا تعرف قواعد ثابتة وقاطعة، وأصولها غائمة ومثار جدل وموضوعها قد تطور مع الزمن، ولا حدود لتعدد وتغير طريقتها ونبرتها..
وكما لاحظ أغلب المنظرين، فإن الرواية هي النوع الوحيد المفتقِد للقواعد، فذلك لأنه الوحيد الذي يعيش صيرورة دائمة وما يزال غير مكتمل، أي أن الرواية وُلدت في التجريب وما زالت مستمرة في التجريب، وإذا كان التجريب كما يرى د.صلاح فضل، هو قرين الإبداع وجوهره وحقيقته بتجاوزه للمألوف ومغامرته في قلب المستقبل، فإن نهوض الرواية العربية يكمن في هذ الحس التجريبي ليس فقط على مستوى الأطروحة أو على مستوى الانفتاح على عوالم مختلفة وابتكارات لعوالم جديدة، وإنما على مستوى الخطاب، والاستجابة للجدل الزمني، والعلاقة بين الكائن والزمن، والانفتاح على التجربة الذاتية والوجودية للإنسان، من خلال خطاب روائي شكّل ذاكرة للتحولات التاريخية والاجتماعية والسياسية والفكرية، التي انصبغ بها المجتمع العربي عبر تحولاته المختلفة.
من هنا، فإن الخطاب الروائي كان منسجما مع هذا الحس التجريبي، طبعا مع اختلاف الرؤيا، واختلاف التجارب، سواء في الشكل أو في المضمون، حيث انفتح الجيل ما بعد نجيب محفوظ على تحولات مختلفة في الخطاب الروائي، سواء على مستوى علاقة الكائن بالمكان أو الزمان، أو علاقته بالتحولات الفكري التي انزاحت إلى فضاء من التناقضات، ما جعل معظم التجارب الروائية تنفتح على هذا الوعي الجديد للعالم، وبالتالي أصبح الخطاب الروائي المعاصر، أكثر الأجناس الأدبية استقطابا للخطابات المختلفة، واستقطابا للقلق الوجودي في ذات الكائن، فظهرت تجارب تحتفي بالذات، عبر السيرة الذاتية، وتجارب تحتفي بالمكان، وأخرى بالزمان، أو بتحطيم الرؤى الزمنية في النص، إلى جانب الانفتاح على التراث السردي الإنساني والعربي، وتعالقَ النص عبر رؤيته بهذه الأنماط عبر تحيينها، وإسقاطها في محرق الذات الروائية، ليأخذ هذا الحس التجريبي مداه الأقصى مع بعض التجارب الجديدة التي حققت عبر تجريبيتها مسارا جديدا للرواية العربية الجديدة.
وبالتالي أصبح لدينا ما يسمى «تيارات روائية» مختلفة، يمكن الوقوف على خصوصية خطاباتها، عبر خصوصية التجربة، وعبر الفهم المختلف، وعبر استجابة الروائي لتحولات الذات في العالم وتحولات العالم في الذات.
ولا شك أن من أكثر التحولات في هذا المجال هو خطاب المرأة الروائي، فقط شهد هذا الخطاب تحولا ساحقا على المستويات كافة، سواء بالكشف عن المسكوت وصدم الوعي الاجتماعي، وخلخلته، أو على مستوى الانفتاح على العالم المتغير بوسائطه المختلفة، أو على مستوى اللغة التي أصبحت لدى بعض الروائيات صبغة تجريبية، منبثقة من رؤيا عميقة لعلاقة اللغة بالكائن ووجوده، ليصبح الخطاب تجربة في اللغة، وتجربة في الكشف والاستبصار، كما هو الأمر لدى رجاء العالِم التي اتجهت بخطابها إلى تلك اللغة الاستبصارية التي انزاحت بالخطاب عن رؤاه الضيقة إلى أفق إنساني مفتوح على التجربة.

* هذا يقودنا إلى سؤال عن كتابك «العتبات وفلسفة الزمن في الرواية النسائية السعودية»، ماذا تحدثيننا عنه؟
- أنا أنطلق من أن الدراسة النقدية ما هي إلا ملامسة لشغاف النص، وشغاف النص هو المنطقة الغائبة عن النص الحاضر لأنها منطقة الغياب النصّي، التي تتيح للبحث أن يؤول ويشكل المعنى في ما وراء النص، فالنقد هو نص موازٍ وليس تابعاً لما هو حاضر على الورق، أي أنه تأويل للغياب النصّي بدلالة الحضور، بقدر ما هو ملامسة لهذا الحضور.
ويمكن القول إن الكتاب كان يشتغل على جدل الأسئلة التي يطرحها الخطاب النسائي، وهي: سؤال الأدب النسائي، وحيثياته، والجدل القائم حوله؛ وسؤال العتبات والمناصات ودورها الفاعل في تخطيب وتخصيب الرؤى النصية والسردية في الخطاب الإبداعي؛ وسؤال الزمن وفلسفته، فقد اشتغلت الدراسة على رؤية فلسفية للزمن إضافة إلى تقنياته وفنياته في الخطاب.
ولعل أكثر سؤال ما زال يُتداول كلما نهض عمل إبداعي أبدعته المرأة، هو سؤال الأدب النسائي.. هذا السؤال القديم الجديد المتجدد، بل لعله أصبح صبغة من صبغات الحديث أو الدراسة عن أي جانب إبداعي يتصل بالمرأة، لأنه مرسخ إيديولوجياً وليس إبداعياً، ما جعل منه سؤالاً يكتنف الكثير من الإشكاليات، والكثير من الحساسيات التي تخص العلاقة بين الرجل والمرأة إبداعياً، وإذا كنت لم أنجُ من التعرض لهذا السؤال في دراستي، إلا أنني حاولت أن يكون طرحا مختلفا، وربما لا مألوفا في الاستجابة إلى الإجابة، عبر الاستقراء العميق لما تبدعه المرأة، وخصوصاً في الرواية.
وذلك لأني أنطلق من أن الفصل بين المرأة والرجل إبداعيا، ما هو إلا مؤامرة على الأدب والإبداع بشكل عام، وعلى الأخص على إبداع المرأة وعلى وجودها في عالم الإبداع، بعدما حول هذا السؤال أن يخلخل وجودها الإنساني في مستوى العلاقة بين الرجل والمرأة، عبر أطروحات إيديولوجية عززتها الحركات النسائية السياسية سواء في الغرب أو في الشرق، لغايات أبعد ما تكون عن تحقيق وجود المرأة ككائن يصنع الحياة مع الآخر الرجل، بل كانت تنطلق من ترسيخ حالة الصراع وترسيخ العداء بين المرأة والرجل، ليصبح الصراع صراع وجود أو لاوجود.
وحين انعكست هذه الأفكار على الإبداع والدراسات التي تناولت هذا الإبداع، بقيت حاملة لمورثاتها السياسية التي خلخلت العلاقة بين الإبداع والمرأة، وبين المرأة ووجودها، ولعل حيثيات المؤامرة التي أنطلق منها هي أن كل الدراسات سواء كتبها الرجل أو كتبتها المرأة حين تريد النقاش في هذا المجال، إنما تجعل المعيارية التي تقاس عليها الرؤى الإبداعية هي أدب الرجل، وبهذه المعيارية تؤكد بداية على أن ما تنتجه المرأة هو دون أدب الرجل، وأن معيارية وجوده الإبداعي أن يرقى إلى أدب الرجل. بهذا المعيار تُستدرج المرأة إلى زاوية المؤامرة التي تسعى إلى خلخلة إبداعها، وعلاقتها بالحرف والكلمة والمعنى، ككائن له وجوده المتكامل، دون أن ننسى الخصوصية التي ينبني عليها الكائن الإنساني -الرجل والمرأة- منذ النشأة الأولى.
أما سؤال العتبات والمناصات التي يشتغل عليها الخطاب الإبداعي دون أن يكون ثمة خصوصية لأدب عن أدب نسبة لجنس كاتبه، فقد حاولت خلاله أن أستقرئ فلسفة تلك العتبات في نماذج محددة من الرواية النسائية السعودية، وذل لما لها من خصوصية في هذا التشكيل المناصي.

* وماذا عن تجربتك الروائية؟
- غالبا ما تأخذني الكتابة إلى زوايا معتمة في الذات وكأنه الإغواء الذي لا أستطيع التفلت من شباكه بكل ما أوتيت من الصمت.
ولعل هذا الإغواء الذي لا يمتلك الكائن الممسوس بالكتابة أن يغادره إلى غيره هو ما يجيب عن سؤال طرحَه جورج سيمنون في كتابه «رواية الإنسان.. السبب الكامن وراء توجه الكائن إلى الأدب»: «لماذا اختار منذ أن كان العالم عالَماً هذا العددُ من الرجال الذين كانت كل الدروب مفتوحة أمامهم هذا الدرب الذي لا يؤدي إلى أي مكان؟!».
إنها الغواية، عندما تطفح بالأسئلة التي غالبا ما تضع الكائن أمام ذاته حائرا قلقا، تدفع به بعدما أغوته الكتابة إلى تلك الزوايا ليبدأ مشروع تأويل الذات وبالتالي يدخل في مغامرة الإبداع، لأن الإبداع دليل إلى المجهول ولا دليل إلى الإبداع إلا قلق الذات في تأويل العالم.
وعندما بدأ الحرف يتشكل في ذاتي لم أكن أعرف أنه يبني مدنا من الألم تحت جلدي، ولم أكن أعرف أنه تورُّط ممتع تتورط الذات فيه حتى يستعصي عليها الخلاص منه.
وإذا كانت الكتابة في مطلَق معناها خيارِي الذي لا خيار سواه لدي في الوجود، فأنا لا مشيئة لي في اختيار توجّه الكتابة، وتشكّلها في أجناسها المختلفة، فتارة تتكاثف الرؤى حتى تدخلني في حالة من العماء فأدخل في جلباب القصيدة، وأغيب، وتارة تنهض الحكاية في ذاتي كما ينهض الحلم من فتنته، فأسرد ما تيسر لي من حكاية كنت فيها أو كانت مخبأة تحت صمتي.
فالرواية لدي لا تنهض إلا من الذات، لا لتدخلها في السيرة وإنما لتحملها من سيرتها الأولى إلى سيرة العالم، فتتداخل الحالتان ليتشكل سردي لذاتي وتتشكل ذاتي في السرد.

* حدثينا عن تجربتك في الكتابة للطفل وفي صياغة قواعد اللغة العربية على شكل أناشيد مبسطة للأطفال؟
- تجربتي الشعرية مع الأطفال كانت اختبارا لطاقة الذات المبدعة في يقظتها للوجود، ولطاقة الوجود في الكشف عن مساحة الطفولة في بئر الذات.
وكنت مدركة أنني أتعامل مع كائن لم يُكتشَف بعد، وذلك لأنه غامض في اللحظة التي نحسبه فيها واضحا، بريء في اللحظة التي نحسبه فيها غامضا، وعلى الشاعر أن يستشعر هذا الجدل في شخصية الطفل من أجل أن يدرك أدواته الفنية في تشكيل النص الشعري.
لذلك كانت تجربتي منتبهة لجدل الشكل والمضمون سواء بالقصائد التي قدمتها في مجال اللغة (الضاد تغنّي)، أو في القصائد التي قدمتها في مجال الشخصية العلمية أو الفلسفية أو الأدبية (مصابيح خضراء)، وكذلك الأمر في القصائد التي تتجه إلى علاقة الطفل بالأشياء والطبيعة والعالم المحيط به كما في (نهر الحب) وفي (فراشات تغنّي)، أو في ترسخ الوعي الديني من خلال مجموعة (قال الله تعالى).
أما عن مشروعي الذي بدأته في العام 1997، فقد حاولت أن أنتبه إلى العلاقة بين اللغة والطفل، من خلال تقديم القاعدة النحوية على شكل أناشيد مبسطة للأطفال، بما يتناسب والمرحلة العمرية والدراسية للطفل.
فلأن وجود الإنسان مرتبط باللغة، ولأن اللغة هي التي تحدد شخصيته وهويته، وارتباطه بتاريخه وأمته، وتراثه ودينه، فقد كان مشروعي للأطفال في هذا الجانب المهم في تنشئة الطفل، وتربيته، في مرحلة الطفولة الأولى، لأن ما يرسخ في ذهنه في هذه المرحلة يبقى راسخا في شخصيته حتى مراحل متقدمة من العمر.
وقد اعتمدت جانب التجريب في هذا المشروع قبل دفعه للطباعة، فقمت بتجريب هذا المشروع على تلاميذ المدارس لمراقبة مدى استجابة الطفل لطريقة التقديم، ولما كانت النتائج ممتازة بادرت إلى طباعة وقد قام المجلس الأعلى للطفولة في حكومة الشارقة بطباعة الجزء الذي يخص الجملة الفعلية طبعتين في عام واحد (2001)، ووُزع على أطفال الوطن العربي ولاقى أصداء متميزة. ومن ثم صدر بأجزاء ستة في العام 2001 ليُطبع مرة ثالثة في مجلد واحد في العام 2014 في دبي.
ثم حاولت أن أقدم هذا المشروع بأكثر من جنس أدبي، فكانت سلسلة «الضاد تحكي»، وهي تقديم القواعد النحوية عبر قصة مؤنْسَنة للطفل، إلى جانب قدمته أيضا على شكل حلقات إذاعية في إذاعة دمشق، وهناك أيضا قصة «مغامرة صائل في المملكة السحرية» تتصل بهذا المشروع، وكذلك مسرحية «مملكة اللغة».
* ما رأيك في المشهد النقدي العربي؟ هل حظي شعرك بما يوازيه من النقد؟
- النقد هو إشكالية أخرى من إشكالية معرفة النص الإبداعي، عندما أقول معرفة النص، أعني الدخول مع النص بعلاقة متماسة، تستوي في جوانية الذات النصية، لأن الناقد الذي لا يدرك هذه العلاقة بينه وبين النص الإبداعي، يبقى في مجال البحث الميكانيكي الذي يحيل النص إلى جثة في مشرحة، فلا يستطيع أن يفجر الطاقة المختزنة في النص الإبداعي، ومالم يستطع فعل ذلك أعتقد أنه يبقى خارج الإطار النقدي.
والنقد لدينا غالبا ما يتجه إلى النظرية متناسياً النص، وإذا ما تناول النص فإنه يتجه إلى الظاهر النصّي، على أنني أجد أن ما يخفيه النص أكثر أهمية من الظاهر النصي، لأن الظاهر قاله الشاعر وما لم يقله بقي في ضمير النص الشعري، وعلى الناقد أن يستدلّ على الغائب بالحاضر، وبالتالي يكشف الغياب النصي، الذي هو أكثر انفتاحا على التأويل، وأكثر إدهاشا للقارئ والمتلقي، لأنه كنه الشعرية التي يحتملها النص الإبداعي. فعلى النقد أن يكون انبثاقاً من النص، من أجل النص.
لم يحظَ شعري بالدراسة التي تتوازى وطاقته التي تؤول طاقة الذات عبر الانفتاح على اللغة.. هناك قراءات لامست بعض القصائد وبعض الجلموعات إلا أنها بقيت في مجال القراءة العارضة، ولم ترتقِ إلى مستوى القراءة الكاشفة.

* ماذا عن إصدارك الأخير (الأدب التفاعلي وحوار الثقافات) الصادر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة؟
- حاولت في ها الإصدار أن أستقرئ العلاقة بين الأدب التفاعلي بكل أطروحاته وبين حوار الثقافات، لأن الحوار «هو الشكل الأرقى وهو الشكل الوحيد الذي بواسطته نتخطى مفاهيم العولمة الثقافية المتصلة بمفهوم الهيمنة والوصول بها إلى عولمة أكثر اتصالاً بالإنسان».
وقد حاولت أن أجمع بين التنظير والتطبيق، وإن كانت رؤاي النقدية تتجه إلى النقد التطبيقي الذي قلّما يتداول في المشهد النقدي، لأني أرى أن النقد التطبيقي هو الملامسة الحقيقية للنص، وللذات.
فإذا كان الأدب أفقَ الذات المفتوح على الوجود، فإن النظام العولمي الجديد هو أفق الإنسان المفتوح على المستقبل، ولعل التلاقي بين الأفقين إنما هو لخلق عالم مختلف، عالم يصنعه الإنسان ليصنع الإنسان.
في الفصل الأول توقفت عند مفهوم الحوار بين الثقافات كرؤية فاعلة من أجل مستقبل الوجود الإنساني وكفاتحة للدخول في مفهوم العولمة والعولمة الثقافية ومفهوم الهوية الثقافية، ثم مفهوم الأدب التفاعلي لأن الحوار هو الأفق الذي يحدد مدى تفاعلية هذه المصطلحات في ما بينها ومدى فاعليتها في الوجود الإنساني، بعد ذلك تناولت في الفصل الثاني: الأدب بين العولمة والعالمية مبينةً مفهوم «العولمة» كنظام اقتصادي شامل يسعى إلى تحويل العالم إلى سوق اقتصادية مفتوحة تحت هيمنة الشركات الكبرى في العالم لأصل إلى مفهوم «العولمة الثقافية» تمهيدا لتوضيح الفرق بين مفهومَي «العولمة» و»العالمية»، حيث ينحاز البحث إلى مفهوم «العالمية» أكثر من مفهوم «العولمة»، خصوصاً في الإطار الأدبي والإبداعي.
وبالتالي كان لا بد أن أوضح مفهوم عالمية الأدب والأفق الإنساني للأدب في ظل الانفجار المعرفي، لأصل في الفصل الرابع إلى البحث في مفهوم «الأدب التفاعلي» انطلاقا من مفهوم التفاعل الذي هو كنه الوجود الإنساني.
بعد ذلك وصلت إلى البحث التطبيقي لأقف عند عملين رائدين في مجال الأدب التفاعلي الذي حاول أن يقرن الثورة المعلوماتية بالأدب وأن يعكس التطورات التي يمكن أن تتركها تلك الثورة في نظامها الإعلامي الجديد على الأدب.
فوقفت عند رواية «شات» للكاتب الأردني محمد سناجلة، وقصيدة «تباريح رقمية لسيرة بعضها أزرق» للشاعر مشتاق عباس معن، وقد حاولت في هذا المجال أن أعطي النصَّ الإبداعي مساحة أوسع من التحليل لأنني أرى أن النص الأدبي هو الأساس المكون للنص التفاعلي، وما عدا ذلك من تقنيات إنما هي عوامل مساعدة لتحقيق سمة التفاعل الأدبي داخل النص وخارجه، أي مع المتلقي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }