التناصّ في قصائد محمد مقدادي مجموعة »على وشك الحكمة« مثالاً

التناصّ في قصائد محمد مقدادي مجموعة »على وشك الحكمة« مثالاً

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 29-5-2015

الشاعر محمد مقدادي
د.دلال عنبتاوي

تشكل ظاهرة التناص في الشعر العربي الحديث بعداً فنياً وإجراء أسلوبياً يكشف عن التفاعل بين النصوص الحديثة والقديمة والالتقاء بين الحضارات، إذ يتم استدعاء النصوص بأشكالها المختلفة على أساس وظيفي يُجسد التفاعل بين الماضي والحاضر.
وإذا كان الدارسون قد أجمعوا على أنه لا يخلو نص من الشعر من نصوص أخرى، يتناسل معها ويتكاثر فيها، فإن ما يهم القارئ المُتلقي لهذه النصوص المتناصة هو كيفية توظيف النص الوافد ليصبح جزءاً أساسياً من نسيج النص أو لبنة من لبناته، لا أن يكون نشازاً أو غريباً عن النص المستقبل.
وقد وردت كلمة «التناص» (لغةً) في «لسان العرب» بمعنى الاتصال،كما وردت في معجم «تاج العروس» بمعنى الانقباض والازدحام، وهو معنى يقترب من التناص بمفهومه الحديث الذي يُشير إلى تداخل النصوص في ما بينها.




فالتناص هو ترجمة للمصطلح الفرنسي (Intertexte)، وتعود في أصولها إلى الفعل اللاتيني (textere) وتعني النسج أو الحبك، وبذلك يصبح معناها: تعالق النصوص بعضها ببعض.
أما اصطلاحاً، فإن التناص ميزة نصية أساسية تأخذ النص من تفرده إلى علاقات وتداخلات مع نصوص أخرى، حيث لا يخلو نصٌّ من نصوصٍ أخرى، وتدخل في نسيجه نصوص سابقة له أو معايشة له (في الزمان نفسه).
وترى جوليا كريستيفا أن كل نص هو عبارة عن فُسيفساء نصوص من نصوص أخرى، ويعدّ التناص عندها إحدى ميزات النص الأساسية التي تطل على نصوص أخرى سابقة عنه أو معاصرة له.
وقد ظهر هذا المصطلح في حقل النقد العربي الحديث بصياغات وترجمات عدة جرى اختصارها في: التناص، التناصية، النصوصية، تداخل النصوص، تعالق النصوص، النص الغائب، العبرنصّية، والنصوص المهاجرة.
وإذا بحثنا عن جذور هذا المصطلح، نجد أنها تعود إلى الشكلانيين الروس مع تشكولفسكي، ثم مع باختين الذي كان أول من صاغ نظرية في تعدد القيم النصية المتداخلة، لكنه لم يستعمل لفظة «تناص»، بل وظف سياقاً آخر يقاربها، مثل تداخل السياقات والتداخل السوسيو-لفظي، وهو يرى أنه لا يوجد تعبير لا تربطه علاقة بتعبير آخر،كما يقر بصعوبة التمييز بين الخطابات المختلفة داخل الخطاب الواحد.
كما يرى باختين أن الشاعر الحداثي ينهل من نهر معرفي متدفق متعدد المنابع متلون الروافد يختلط فيه العلمي بالخرافي، بالتاريخي، بالأسطوري، بالديني، بالصوفي.. ضمن تركيبة معرفية غريبة يتشكل منها النص الشعري وتدخل في نسيجه، وتُضاعف من صعوبة قراءته، وتُعقّد من عملية تلقّيه، وتزيد من غموض دلالته، وقد يرجع السبب في ذلك إلى تداخل الثقافة وتعددها وعمقها وتنوعها.
فالتناص عبارة عن حدوث علاقة تفاعلية بين نص سابق ونص حاضر لإنتاج نص لاحق، إذ كل نص هو تشريب وتحويل لنصوص أخرى. ومن شأن التناص أن يسعى إلى تخصيب النصوص وتلميحها بثقافات ورموز وإشارات تنشلها من حومة السطحية والغنائية لتبدو قادرة على التحليق بالقارئ إلى آفاق جديدة.
وتتم دراسة التناص عادة من خلال قوانينه الثلاثة (أنواعه) الخاصة به والمتمثلة في: الاجترار، والامتصاص، والتحوير. ويقابلها: اللفظي، والمعنوي، والإيحائي.
- الاجترار: ويعني تكرار النص الغائب من دون تغيير، فالشاعر يكتفي بإعادة النص مثلما هو أو بإجراء تغيير بسيط لا يمس جوهره، وهو عادة ما يتم على مستوى النص الديني لما يحظى به من تقديس واحترام، ليأتي في الدرجة الثانية النص الأسطوري وهذا يقابله التناص اللفظي.
- الامتصاص: وهو شكل أعلى وأكثر قدرة على خلق شعرية النص الجديد، حيث يتعامل الشاعر مع النص المتناص تعاملاً حركياً تحويلياً لا ينفي الأصل، بل يسهم في استمراره جوهراً قابلاً للتجديد، أي أن الامتصاص لا يجمد النص الغائب ولا ينقله، بل يعيد صياغته من جديد وفق متطلبات فكرية وتاريخية وجمالية، وهذا يقابله التناص المعنوي.
-  التحوير: وهو أعلى مراحل التناص، حيث يعمل الشاعر على تغيير النص المأخوذ (المتناص) ويحدث عليه تغييراً عن طريق القلب أو التحوير، إيماناً منه بعدم محدودية الإبداع، ومحاولة لكسر الجمود الذي يغلّف الأشكال والكتابة، ولإثارة الدهشة والتساؤلات عند القارئ.
فالشاعر الحداثي ينهل من المنهل الديني الصوفي لإثارة الدهشة والتساؤلات عند القارئ الذي يعمل على تأويل هذا القلب أو التحويل عند الإجابة عن سؤاله: لماذا غيّر الشاعر هذا النص؟ مما يدفع الشاعر وهو يصيغ نصه صياغة جديدة إلى تناسي بعض الإشارات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنص ديني والخوض في المسكوت عنه لضرورة أدبية، حيث الحوار أو القلب أو التحوير هو الصيغة الأكثر شيوعاً في التناص، وهذا يقابله التناص الإيحائي.

التناص في «على وشك الحكمة»
حين يشرع المتلقي في قراءة الصفحات الأولى من مجموعة الشاعر محمد مقدادي التي تحمل عنوان «على وشك الحكمة» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005)، يتراءى له كتاب «النبي» الذي حمّله جبران خليل جبران بعض تجاربه في الحياة وصاغها بلغة شعرية حوارية راقية ومتميزة.
إن كتاب «على وشك الحكمة» يقوم هو الآخر على مستويات عدة من الحوار، فهو تارة يحاور الأب، وتارة يحاور الابن، وتارة يحاور الصديق. وقد حمّل الشاعر هذه المجموعة كثيراً مما حصل عليه من تجارب وخبرات خلال مسيرته في الحياة:
«سنبكي طويلا،
على روح ذلك الرجل،
الذي نحياه على منصّة الحياة!».

روافد التناص
تشكّل المصادر الدينية (القرآن الكريم، والإنجيل، والنصوص الصوفية وعوالمها)، روافدَ التناص في هذه المجموعة. إذ كثيراً ما اتكأ الشاعر على التناص الخارجي ليعيد إنتاج نص آخر خارج عن نصوصه ذي مرجعيات دينية.
إن القراءة الفاحصة لهذه المجموعة تثبت أن الشاعر دخل في كثير من جمله الشعرية مع التناص الديني من خلال تفاعله مع النص القرآني تحديداً، وتبدو الآيات القرآنية واضحة الدلالة في كثير من المقطوعات التي تتنوع ما بين القصيدة القصيرة والقصيدة الومضة. ومن المعلوم أن التناص القرآني يعدّ مصدراً مهماً وغنياً من مصادر الإلهام الشعري التي يلجأ إليها الشاعر ليستلهمها، سواء على مستوى الدلالة والرؤية أو على مستوى التشكيل والصياغة، إذ كثيراً ما مثّل التناص الديني المرجعيةَ الثقافية الأساسية الأولى التي يرجع إليها الشاعر.
عتبة العنوان
قبل الدخول إلى عالم التناص الداخلي في هذه المجموعة، لا بد من التوقف عند عتبة العنوان والتي تبدو لافتة من حيث عدم جزمها على شيء، فهي تثير لدى القارئ كثيراً من التساؤلات لأنها تبقي الأمر غير محسوم وفي حالة من التأرجح وفي دائرة الشك. يقول الشاعر:
«من جنونٍ كثير..
أخذت ما كان ينقصني من الحكمة» (ص172).
ويقول أيضاً:
«في اعتدال الجنون..
حكمة صافية!» (ص172).
فهو يعترف بالمراحل التي مر بها كشاعر حين جمع حكمته، إذ كان كل ما في حياته ناقصاً، ثم يبين أنه دار في مدارات عدة حتى اكتملت عنده آخر دائرة، وهي الحكمة.
ولقد اعتمدت تقنية التناص في المجموعة على محاولة التماهي والتفاعل وتشارب النصوص، بل واللجوء أحياناً إلى محاولة تذويب الحدود الفاصلة ما بين النص الشعري والنص القرآني. وقد برز التناص في شعر د.محمد مقدادي ليدل على ثقافة شمولية عامة وظفها الشاعر واستلهمها. والمتفحص لمواقع التناص القرآني في المجموعة يلاحظ أنها جاءت ضمن بنى ومحاور عدة، فتارة يكون التناص لفظياً، وتارة يكون معنوياً، وأخرى يكون إيحائياً.
أما موضوعاته، فهي مأخوذة ومعتمِدة في مجملها على حياة الشاعر وتجاربه في الحياة ونظرته الخاصة للأمور.
 
مظاهر التناص
 أولاً: التناص القائم على الاجترار
إن استحضار النص القرآني والتناص معه في الخطاب الشعري، يعني إعطاء مصداقية وتميز لدلالات النصوص الشعرية انطلاقاً من مصداقية الخطاب القرآني وقداسته وإعجازه، فأكثر المبدعين أصالةً من كان تركيبه الفني ذا طبعة تراكمية.
ويعدّ هذا النوع من أبرز أنواع التناص في مجموعة «على وشك الحكمة»، وقد بدا من خلال حديث الشاعر عن جوانب خاصة في حكمته، خصوصاً تلك التي يلقيها على مسامع ابنه، فيجعل القارئ يستحضر النص القرآني والصورة القرآنية التي في الغالب ما تكون مرتبطة بقصة قرآنية تلتقي مع حالة الشاعر وحكمته في بعض الأحيان.
فقد عمد الشاعر من خلال تناصه مع النص القرآني، إلى خلق صورة خاصة به من خلال صياغته الخاصة، مما يحدث دهشة لدى القارئ حين تلتقي الصورتان وتتماهيان مع بعضهما بعضاً:
«يا بني
إذا وُلدت،
ولم يكن جناحان لك..
فلن ترتفع سنتيمتراً واحدا..
 ولو...،
عمّرتَ ألف سنة مما يعدّون» (ص74).
هذا الخطاب الموجّه للابن جاء لدفعه ليكون له جناحان قويان قادران على المواجهة والمقاومة، فالحياة لا قيمة لها إن كانت تخلو من القدرة على الطيران والتحليق عالياً. ويربط الشاعر تناصه مع قوله تعالى: «يوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» (البقرة، 96) للتعبير عن الرغبة في امتداد الحياة الذي لا قيمة له إن لم يضف لصاحبه شيئاً.
ويستمر هذا النوع من التناص في قوله:
«مَصّني علقُ الغربة..
وأحالني إشارةَ استفهام..
مرسومة على جدار الرحيل..
(واسعوا في مناكبها...)» (ص199).
يربط الشاعر هنا بين الرحيل والانتقال من مكان لآخر، وبين سنوات غربته التي مرت ممتثلاً لقوله تعالى: «فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا» (الملك، 15). هنا تناصّ فيه إشارة للمفارقة التي يعيشها الشاعر في حالة الغربة والتنقل الدائم «واسعوا في مناكبها»، مستدعياً تلك الدعوة الدينية الصريحة لممارسة السعي والركض حتى وإن كان متعِباً، فهو واجبٌ للبحث عن الرزق والعيش الكريم رغم مشقته، فهو الذي يخفف من حدة الألم الذي تحْدثه الغربة التي أشار إليها النص في بدايته.
لقد بدا تناص الاجترار واضحاً جداً مع القرآن الكريم، وقد أخذ حيزاً واسعاً في هذه المجموعة لما يمثله القرآن الكريم من مصدر عطاء متجدد للفكر والشعور، فضلاً عن قدرة الشاعر الفذة على الإفادة من النص القرآني والربط بين الحالات التي تتوافق وتجربته الشعرية، وقد بدا النص متسقاً مع النص المتناص معه، قادراً على الوصول للمعنى بجلاء واضح.
«لم أكن بحاراً أو رائداً للفضاء
ولم أقطع طريقاً من إملاق
ذات يوم
فكيف لي أن أبوح بما (يجعل الولدان شيبا)
إن لم تكن أنت لساني
وعصاي التي أهشّ بها على غنمي
(ولي فيها مآرب أخرى)» (ص201).
في هذا النص يرتدّ الشاعر إلى ذاته ضمن حالتين من التناص، ففي المقطع الأول يأخذ كلمة «إملاق» من سياقها القرآني: «خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ» (الإسراء، 31) ويوظفها للتعبير عن تجربته الخاصة في الحياة، فهو لم يقطع الطريق ويسير المسافات البعيدة خوفاً أو خشية من الجوع الذي قد يأتي في زمن ما.
ثم يأتي التساؤل الذي يجيب عنه النص القرآني المأخوذ مباشرة ضمن هلالين (يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) (المزمل، 17)، والذي يصف أهوال ذاك اليوم العصيب الذي يحيل الولدان شيباً.
والشاعر في تناصه مع هذه الآية يعبّر عن حالة الهول والفزع مما مر به خلال تجربته مع الحياة وشعوره الإنساني بالعجز عن التعبير عن معاناته.. وهو خلال مروره بالمعاناة يعود إلى مخاطبة الذات الإلهية بضمير مباشر (أنت)، ويأخذ المعنى المباشر من الآية القرآنية: «وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا موسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى» (طه، 17)، مستحضراً العصا كمصدر للقوة والحضور، وحاذفاً ما تتمنى نفسه الحديث عنه تاركاً للآية القرآنية (ولي فيها مآرب أخرى) أن تكمل ما لم يستطع قوله أو بوحه.
وفي نص آخر يبرز التناص مع الآيات القرآنية واضحاً جداً:
«يا موسى:
(إضرب بعصاك البحر)،
كي أجد صحراء ترعى بها شياهي» (ص242).
تسيطر على الشاعر الرغبة في الخلاص والبحث عن عالم جديد له ولشياهه التائهة، ويختار الصحراء. وهو يلجأ للتناص مع قوله تعالى: «فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَىأَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ» (الشعراء، 63)، لكنه استخدم صيغة الخطاب المباشر من خلال النداء لموسى ليساعده في البحث عن مكان للاستقرار.

ثانيا: التناص القائم على الامتصاص
وقد برز هذا في المجموعة من خلال حرص الشاعر على التناص غير المباشر مع القرآن، والأخذ منه بما يشير أو يلمح إلى الآية التي تناصّ معها المقطع الشعري، كقوله:
«أصير حطباً لنار حبي
فلتكن هذه النار عليك
برداً.. وسلاما» (ص212).
إن المعاناة واضحة هنا، حتى إنها صيرت العاشق حطباً من شدة احتراقه بها، وهو يستحضر في اللحظة نفسها تعرض النبي إبراهيم عليه السلام للحرق، لكن النار لم تصله، كما يستحضر الشاعر خطاب الذات الإلهية:  قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ» (الأنبياء، 69)، وكأن العاشق يعقد مقارنة بين حالة العذاب والحرق والأذى التي تعرض لها سيدنا إبراهيم عليه السلام، وبين معاناته التي دفعته إلى التمني أن يكون حطباً لنار حبه، ودعوته أن تكون النار برداً وسلاماً على حبيبه كما كانت على إبراهيم مع الفارق الكبير بين الحالتين.
وفي نص آخر يقول:
«تضحك البروق
فيصرخ الرعد
وتنهمر دموع السحاب
فيلقفها الأطفال براحات الوجد
فتهتز الأرض وتربو
وما من دابة فيها
إلا عليه رزقها
وإليه الميعاد» (ص223).
نجد في هذا النص استحضاراً كبيراً لآيات ذات دلالات خاصة في القرآن، لكن الشاعر يأخذ منها ويمتص ما يخدم نصه ويناسبه، ففي قوله «فتهتز الأرض وتربو» تناصّ مع قوله تعالى: «وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ» (الحج، 5). وعبارة «وما من دابة فيها/ إلا عليه رزقها» تتناص مع قوله تعالى: «وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا» (هود، 6).
وحين يريد الشاعر أن يعبّر عن خاتمة الحياة والعودة الحتمية للحظة النهاية والموعد مع يوم القيامة، يستخدم عبارة «وإليه الميعاد»، متناصاً مع قوله تعالى «إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ» (آل عمران، 9)، وهو ذاك الوقت المحدد الذي تكون فيه النهاية والعودة إلى الله.
ثم يستمر الشاعر في التناص من خلال توظيف كلمات خاصة من السور القرآنية المعبّرة عن الحالة التي يعيشها بعودته إلى الذات الإلهية:
«ليس مثلك شيء
في الأرض...،
ولا أحد غيرك..،
ولا في السماء» (ص225).
فهو في خطابه المباشر مع الذات الإلهية يأخذ من النص القرآني قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ» (الشورى، 11)، وهو هنا يريد أن يؤكد على الفردانية والوحدانية للذات الإلهية، ويوظف الطباق بين الأرض والسماء للدلالة على عظمة هذا الوجود الخاص الذي لا يشبهه شيء ولا مثيل له لا في الأرض ولا في السماء.
ويقول أيضاً:
«لم يكن ذلك الخبز... خبزي،
ولا مائدتي،
كانت مائدة العشاء الأخير» (ص202).
فالشاعر هنا يوظف موضوع «العشاء الأخير» في التراث المسيحي، ويشير إلى الخبز الذي باركه المسيح وأعطى منه لتلاميذه الحواريين في تلك المأدبة وقال لهم: «خذوا كلوا: هذا هو جسدي».
إن استدعاء العشاء الأخير هنا يشير إلى خيانة يهودا وتسليمه السيدَ المسيح لليهود، فالشاعر يريد أن يرفع عن نفسه تهمة العلاقة مع تلك الحادثة من خلال رفضه الحيثيات والتفاصيل فيها، فهو لا يرتبط بالحادثة الدينية ولا يتعالق معها، فينفي عن نفسه الارتباط بذلك الخبز وتلك المائدة. وفي هذا النص إعادة لصياغة الحدث من جديد، من أجل إثارة الدهشة لدى المتلقي وجلب انتباهه من خلال الصور المغايرة التي يعيشها الشاعر ويعرضها.
ويقول الشاعر:
«هي (السماء انفطرت)
و (انكدرت) نجومها
والأرض لملمت أعشابها وملحها
وفاض الماء بالتنور
وراح اللصوص يبحثون» (ص202).
يحاول الشاعر هنا أن يخرج من دائرته الخاصة للتعبير عن الهم والوجع العام والتغير الذي أصاب عالمنا العربي حين استشرى الفساد وانتشر اللصوص، وهو يعيش داخل البؤرة -بؤرة الحالة التي تغيرت فيها سمة الأشياء وشكلها- فيأخذ من السورة القرآنية ما عبّرت عنه من أحوال التغير التي تصيب الطبيعة في أهوال يوم القيامة كما جاء في قوله تعالى: «إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ» (الانفطار، 1)، إذ يقول الشاعر: «هي السماء انفطرت»، وكأنه يعقد هنا مقارنة بين ما نعيشه الآن وأحوال ذاك النهار الذي عبّرت عنه السورة.
ثم عبّر عن مزيد من التغير الذي تشهده أحوال العالم من خلال التناص مع سورة التكوير التي تعبّر عن تغير أحوال النحوم، إذ تصبح في حالة تناثر وتساقط على الأرض من سمائها العالية إلى حضيض الأرض مفتَّتة. ثم عاد الشاعر وغيّر في حال الماء، فبدل أن يستحضر النص القرآني كما هو: «وَفَارَ التَّنُّورُ» (هود، 40)، فقد استلهمه وغّير فيه ليصبح: «فاض الماء بالتنور».

 ثالثاً: التناص القائم على التحوير
النوع الآخر من التناص الذي برز في هذه المجموعة هو تناص التحوير، وهو أعلى مرحلة من مراحل النص الغائب، فالشاعر يقوم بتغيير للنص المأخوذ (المتناص) عن طريق القلب أو التحوير.
ومثل هذا النوع من التناص يلجأ إليه الشاعر ليبتعد عن المباشرة في التناص، سواء أكان مع النص الديني أم الأسطوري أم سواه. ومن أمثلة ذلك قوله:
«يا بني:
العالم كله
جناح بعوضة
ومن أجل هذا الجناح الرهيف
ضاع العالم
وأضاع من فيه» (ص242).
لقد لجأ الشاعر هنا إلى التعبير عن معنى خاص يريده، وهو الكشف عن تفاهة هذا العالم، لكنه لم يباشر بالإشارة، إنما وظف عبارة «جناح بعوضة» المأخوذة من قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء»، وقد أقام الشاعر هذا التناص مستعملاً جناح البعوضة من سياقه للدلالة على تفاهة هذا العالم على اتساعه وكبره، فقد ضاع العالم وأهله حين ركضوا خلف رغباتهم التافهة القاتلة.
ويقول أيضاً:
«ضاق الصدر
فضاقت العبارة
ضاقت الحدقة... فاتسعت الرؤيا
ضاق الجلد..،
فارتطمت الضلوع بعظمها» (ص204).
والشاعر هنا يتناص مع عبارة النفّري «كلما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة»، فيغير في العبارة ويقلبها ويلقي بظلالها على أشياء كثيرة كالصدر والحدقة والجلد الذي ضاق كله إلا الرؤية التي اتسعت رغم ضيق ما حولها.
ويقول في موقع آخر متناصاً مع العبارة نفسها:
«كلما اتسعت العين
ضاق المشهد» (ص230).
وفي هذه العبارة قلبٌ لما تُعورف عليه، إذ كلما اتسعت العين اتسع معها المشهد، لكن اصرار الشاعر على القلب هنا ليس من باب التغيير فقط، بل للتعبير عن ضبابية الرؤيا وعدم وضوحها في هذا الزمن.
ثم يقول في موضع آخر:
«أرسل علي ريحاً من عليائك
دعها تضرب أغصاني..،
وتهز جذعي..،
كي أتعرى من آثامي..،
وأذهب  في جنون  إليك» (ص232).
يلجأ الشاعر هنا إلى امتصاص النص من الآية القرآنية: «وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا» (مريم، 25). وهو هنا لا يعيش الحالة نفسها، إنما يريد أن ينفض عن نفسه الآثام ليبدأ من جديد.
ثم يقول:
«لم يكن جدي
من سلالة ذي الأوتاد...،
ولم يكن أبي، من ثمود...،
ولا من عاد..
لم يحمل صخراً إلى ذلك الواد..،
لكنهما
أحبّاك فيك..،
وأبصراك في قلبيهما..،
وجهاً لا يتسع الفضاء لنوره..،
فصارا عارفين،
بالشحنة التي تحملها كل ذرة من ذلك النور» (ص211).
يلتقي هذا النص مع النص الذي سبقه من حيث امتصاص الشاعر للكلمات المعبّرة عن حال الأب والجد، فهو يتناص مع أكثر من آية قرآنية في نص صغير، يعيدنا إلى قصص الأقوام السابقة التي وردت في القرآن: «كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ» (الحاقة، 4)، وهو بهذا التناص بين نصه ينفي عن الأب والجد ما لحق بقوم عاد وثمود، ويستمر بذاك التجريد تحديداً حين يعبّر عن رؤية الأب والجد القلبية التي أغرقتهما بالنور الخالص وأبعدتهما عن الحالة السابقة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }