- -

لكي نتجنب التراكمات

لكي نتجنب التراكمات

أبواب - إبراهيم كشتبَعَثَ في نفسي الرغبة في تأمّل موضوع (التّراكم) في الحياة ، والتفكّر فيه كحقيقة موجودة في أشيائنا وأعمالنا وأفكارنا وخبراتنا ومعلوماتنا ، أني كنت أُنظِّم (رُكاماً) من الأوراق تكدّست فـي أحد أدراجي في المنزل ، وتعالت يوماً بعد يوم ، بانتظار إعادة مراجعتها ، وما أن أُتيح لي أن أراجعها بعد طول غياب ، وبدأتُ بفرزها ورقةً ورقة ، حتى تبين لي أن في موضوع التراكم ما يستحق التوقف : فهذه أوراق كنتُ بحثتُ عنها طويلاً في لحظة حاجة ولم يخطر لي أنها بين ذلك الركام ، وتلك أوراق أخرى فقدتْ كل قيمة بمرور الزمن ، وأوراق غيرها لم تكن تستحق حتى أن تأخذ حيزاً بين أجزاء الركام ، وأوراق سواها كان يمكن أن تكون نافعة لو تذكّرتها قبل أيام. والحقيقة أن معظم الأوراق أصبح لا يستحق أكثر من الإتلاف ، بينما بعضها كان مجرد تذكُّر محتواه مفيداً ، وبعضها الآخر كان يجب أن يحفظ أصلاً في ملف حسب نوعه ليكون الرجوع إليه سهلاً ، وبعضها كان يُذكِّر بأعمال يجب القيام بها ، وبعضها يصلح للتغني بالماضي ، لكنه لا يجدي في الحاضر والمستقبل شيئاً.ما هو التراكم .؟التراكم هو حالة الأشياء من جنس واحد ، حين تكون فوق بعضها البعض ، فهي ركامٌ مركومٌ كركام الرمل ، أو أكداسٌ متكدّسة ، كأكداس الحبوب ، جعلها المزارع في (البيدر) فوق بعضها بعد أن حصدها ثم تركها متراكمة على حالها. والتراكم ليس كالبناء ، فالبناء يقوم على أساس وضع كل عنصرٍ داخلٍ فيه في مكانه ، وربط العناصر على نحوٍ مُتآلفٍ يُحقق النتائج والمنافع ، أما التراكم فلا تفاعل ولا تشابك بين أجزائه ، ويترتب عليه أن تُخفي بعض أجزائه بعضها الآخر ، فتُغِّيبُها عن الحضور ، أو أن تمنع الشمس والهواء من الوصول إلى الأجزاء الداخلة في جوف الركام فتتعفن ! وبالتالي فإن (التراكم) شكل خاطئ في حفظ الأشياء والاحتفاظ بها والتعامل معها ، لاسيما إذا طال عليها الزمن ، ولم تتم مراجعتها وفرزها ، وتوجيه كل جزء منها إلى الاتجاه اللازم. ويذكرني هذا بما تقوله بعض الكتب التي تُعنى بالتنظيم ، حيث تنصح بحفظ الملفات بشكل رأسي ، بمعنى أن تترك واقفة على نحو يُظهر موضوعها وعنوانها ورقمها ، وتدعـو إلى عدم حفظها فوق بعضها (بشكل متراكم) ، لكي لا يستغرق البحث عن الملف وقتاً طويلاً عند الحاجة إليه.تراكم الأعمال ..ولا يلحق التراكم في حياتنا ـ بطبيعة الحال ـ الأوراق وأكداس الحبوب وحسب ، لكن في الحياة تراكمات كثيرة ، منها مثلاً التراكم في قوائم الأعمال ، أقصد تلك الأعمال التي يرغب المرء في أن ينجزها ، أو يجب عليه أن ينجزها ، ثم يؤجلها ، أو ينتظر إلى أن يتاح له الوقت أو تتاح له الموارد الأخرى لإنجازها ، ثم تتكدس تلك الأعمال أو الواجبات وتلك الرغبة في القيام بها ، وتتراكم حتى يُنسي بعضها البعض الآخر ، وتغدو مجرد بنود في دفتر الملاحظات ، أو نيات في الوجدان ، أو أفكار ومطامح في الخيال ، كل ذلك ما لم تتم مراجعة هذا الركام وفرز بنوده ، ووضع خطة لتنفيذ كل بند . ومن المفكرين الذين اهتموا بموضوع التخطيط مَنْ نصَحَ بعدم كتابة ما يجب علينا القيام به أو ما نرغب بعمله بشكل نقاط متسلسلة في قائمة الأعمال ، حيث أن الأجدى والأنجع هو أن تُكتبَ بشكل خطة أسبوعية ، بحيث يُحدَدُ تاريخ إنجازها ، وتُحدد الموارد التي تحتاجها ، وخطوات القيام بها. وبمعنى آخر فقد دعى مثل هؤلاء الذين كتبوا في موضوع التخطيط والتنظيم إلى عدم جمع بنود الأعمال بشكل متراكم ، إذ يتوجب فرزها منذ البداية ووضع تصور لموعد وكيفية إنجازها.تراكم المعلومات والأفكار ..لكن التراكم الذي يستدعي منّا انتباهاً أكثر ، هو ذلك التراكم الذي يلحق بالمعلومات والأفكار ، ويجعلها تتكدس ركاماً مركوماً ، بحيث يغدو معظمها بلا فائدة ترجى ، أو تفقد قيمتها داخل التراكم . ويخطر لي بهذا الصدد مما كتبه أحد أساتذة الجامعات الأجلاء (الدكتور مصطفى حجازي) حين تحدث عن تجربته مع إجابة الطلبة على أسئلة الامتحانات ، حيث يكون الطالب قد حفظ المادة الدراسية كلها ، لكن حين يشرعُ في إجابة السؤال يعجز عن ترتيب أفكاره ، وعرضها بتسلسل منطقي ، ويبدأ بسرد كل تراكم في ذهنه بشكل تداعيات. أما طلبة الدراسات العليا ، فمنهم من ينجح في جميع المواد النظرية التي يدرسها ، ولكن حين يطلب إليه إعداد البحث ، يَظهرُ عجزهُ جليّاً ، ويبدو غير قادر على التحديد ، فهو لا يستطيع اتباع منهج فـي تقسيم وتبويب الموضوعات على نحو منطقي متسلسل مُقنعٍ يوصله إلى النتائج ...! فكأن هذا الأستاذ الجامعي يقول بأن لدى هؤلاء الطلبة قدرة على تكديس الأفكار والمعلومات وحفظها بشكل متراكم ، لكن ليست لديهـم القدرة على التعامل مـع هـذا التراكم وفرزه وتقسيم وتحديد أجزائه والربط بينها. وهذه المشكلة ليست مشكلة طلبة وأفراد وحسب ، لكنها مشكلة مجتمع ، ومسألة أسلوب تفكير ، وطريقة في التعامل مع الواقع ، تتزايد حدتها في عصر فاضت فيه المعلومات والأفكار حتى أصبحت سريعة التراكم ما لم نتقن التعامل معها .التكديس والتراكم نمط حياة ..إذن فالتكديس والمُراكمة نمط حياة ، نمط تعامل مع الأشياء والأعمال والأفكار ، يجعلها فوق بعضها ، فلا يصنفها ولا يقسمها ولا يبوبها ، ولا يترك لكل عنصر فيها تفرُّده وخصوصيته التي تتيح التعامل الأيسر والأصح معه ، وتتيح حُسْنَ ربطه بالعناصر الأخرى ، إنه عدم قدرة على التنظيم لا في طريقة التفكير ولا في الواقع. مثل مستخدم الكمبيوتر المبتدئ الذي يقوم بطباعة جميع البيانات والمعلومات على ملف واحد ، تحت مسمى واحد ، بينما يقوم المحترف بطباعة كل فئة متجانسة من المعلومات على ملف مستقل بمسمى معين ، فإذا بملفاته (معلوماته) مبوبة ومقسمة يمكنه الرجوع إليها بسهولة ويسر ، دون حاجة لمراجعة (الركام) كله ليجد ضالتّهُ. والأصح دائماً أن لا ندع الأمور والأشياء تتراكم منذ البداية ، وأن نفرزها ونرتبها ونبوبها ، فإذا حدث التراكم رغم ذلك ، فينبغي أن تكون لدينا القدرة والوقت لمراجعته وإعادة ترتيبه وتنظيمه ، وإلا صارت الأشياء والأفكار والأعمال كركام الحبوب المتروكة ، تتسلسل إلى جوفها الرطوبة ، وتغزوها الديدان ، وتفقد قيمتها في الحياة ! Facebook.com/Ibrahim.kasht