د.محمّد صابر عبيد
شخصية «هند» في رواية «صخب» لقاسم توفيق (دار الفارابي، بيروت، 2015)، تفرض هيمنتها اللفظية والشخصية والتأويلية والإحالية منذ عتبة الإهداء، إذ نجد أنّ المؤلّف قد شيّد إيحاءً ابتدائياً عالي الوضوح والقصدية بقوّة حضور شخصية «هند» في الرواية بوساطة عتبة الإهداء، ونصّ هذه العتبة هو: «إلى هند... هي تعرف ذلك».
وينطوي هذا الإهداء في سياق مقاربة الشخصية الروائية على إشكال كبير في استراتيجية التلقي يتعلّق بمستوى العلاقة بين الشخصية الروائية (هند)، والشخصية المُهدى إليها (هند... هي تعرف ذلك)، ولا شكّ أنّ (هند الرواية) هي جزء حميم وفعّال وحيويّ من (هند الإهداء)، وإلّا كيف بوسع (هند الإهداء) معرفة ذلك في تلك العلامة السيميائية اللافتة في عتبة الإهداء، وهي شخصية واقعية خارج الرواية ستقرأ الرواية وسرعان ما تعرف ذلك بمجرّد أن تطّلع على الإهداء وتقرأ الرواية، وما ستعرفه هند الواقعية بعد أن تقرأ روايتها هو مضمون حدثيّ سرديّ ذو طابع سيرذاتيّ يُداخل بين (هند الرواية وهند الإهداء)، فتحيل إحداهما على الأخرى حتماً.
تثير جملة (هي تعرف ذلك) المخصوصة بـ (هند الإهداء) أكثر من سؤال على أكثر من مستوى، لعلّ السؤال الأهم والأبرز هو العلاقة بين (الهندَيين)، ويتعلّق السؤال الآخر بنوع المعرفة التي ستحوزها (هند الإهداء) بعد أن تقرأ (هند الرواية)، وحين نطّلع بدقّة على فضاء شخصية هند داخل الرواية سنجد أنّ نوع المعرفة المقصود بخطاب الإهداء هو إيروتيكيّ في المقام الأول، بحكم أنّ شخصية (هند الرواية) لا تنشغل بأيّ فضاء آخر من أفضية الرواية سواه، فهي شخصية متفرّغة لإنعاش الفضاء الإيروتيكيّ في الرواية ومضاعفة طاقته وتوسيع تداوليته.
إذ إنّ عتبة الإهداء الموجّهة (إلى هند) تسهم في بناء موجّه قرائيّ يحرّض القراءة على الربط التأويليّ الذي لا سبيل إلى تجاوزه، بين شخصية هند في الرواية، وهند كشخصية أخرى بالاسم نفسه تمكث في مكان ما من الواقع والحقيقة والتجربة والذاكرة، وهو ما يُقصي جزءاً مهماً من تخييلية شخصية هند في الرواية ويفتحها على فضاء جديد يؤآخي بين شخصية الرواية وشخصية الواقع، لأنّ القارئ لن يتمكّن -مهما تغافل عن عتبة الإهداء- من تنحية عتبة الإهداء والعبور من فوقها ليتعامل مع هند في الرواية على أنّها شخصية متخيّلة على نحو مطلق، وهو ما يؤسس إشكالاً قرائياً مثيراً لا بدّ من ملاحظته والانشغال به داخل فضاء القراءة من جهة الحضور السيرذاتيّ في المتخيّل الروائيّ، وقيمة ذلك في إمكانية توسيع حجم القراءة وطريقتها وفقهها.
الإحالة على شخصية هند (المُهدى إليها) هي إحالة عالية القصدية وعالية التأكيد على تمثّل هند داخل الرواية لهند خارج الرواية، ولعلّ توكيد المعرفة (هي تعرف ذلك) ينطوي على أكثر من إحالة داخل مقام التأويل، ففي توكيد التعرّف هنا إشارة من المؤلّف إليها لإيصال رسالة الرواية بما تحتويه من تجربة تخصّها، وإشارة أخرى من المؤلّف إلى القارئ لتمكينه من التقاط الخيط السيرذاتيّ الكامن في مكان ما من الرواية، وهو ما يحرّض القارئ على تطوير مجاله القرائيّ من أجل أن يبحث عن مستوى آخر في قراءته، في السبيل إلى مضاعفة المتعة القرائية وفتح مسارات قرائية جديدة لا تبقي القراءة في دائرة القراءة ذات النسق الواحد والمجال الواحد والهوية الواحدة.
تحظى شخصية «هند» في رواية «صخب» بحضور استثنائيّ بارز على أكثر من مستوى، لأنّها تمثل شخصية أساسية من شخصيات الرواية تعبّر عن أهم أسئلة الحدث السرديّ بوصفها حلقة وصل على أصعدة كثيرة، فهي ابنة «كريمة» وحفيدة «فرج»، فضلاً عن علاقاتها وسيرتها السردية داخل القرية وفي المدينة، فهي شخصية متشعبّة في سياق الحضور والأداء والتمظهر السرديّ على طول مساحة الرواية، ولعلّ المنعطف الخطير في شخصية «هند» تمثّل في خطورة الحوار بينها وبين أمها «كريمة»، حين قررت «كريمة» أن تبوح لابنتها بسرّها المرعب في علاقتها بـ «فرج»، ويمكن الكشف عن صورة تلقّي «هند» لاعتراف أمها بوصفه إسهاماً في تشكّل آخر لشخصية «هند»، إذ تصف اللحظة السردية الحرجة حين أسرّت لها أمّها «كريمة» بحقيقة السرّ البشع:
«كانت تتكلم، وتتكلم كثيراً عندما نخلو لأنفسنا أنا وهي وبعد أن تتحقّق من نوم أخي، وتتحقّق بأنه لا يسمعنا أحد حتى الجدران، كانت تهمس وتتقطع أنفاسها وهي تبحث عن مدخل لأن تبوح لي ما يعتمل فيها، حتى جاءت تلك اللحظة الصعبة وأسرّت لي بالسرّ البشع الذي تخفيه داخل صدرها منذ زمان بعيد من دون أن تجرؤ على أن تحكيه لأحد أو أن تحكي فيه لنفسها، لقد أراحت روحها وألقت بي في جحيم المعرفة».
الاستهلال المشهدي ترسمه «هند» بأسلوب سرديّ سينمائيّ تبقي فيه الضوء على شخصية «كريمة» من جهة، وعلى شخصيتها حيث تستجيب للتمظهرات التي تتقلّب فيها شخصية «كريمة» وهي تسعى إلى نقل جحيمية السرّ إلى منطقة ابنتها «هند»، لتأتي جملة «هند» الفاصلة في انتقال السرّ من قهر الحجب في روح «كريمة» إلى جحيم المعرفة في روح «هند» (لقد أراحت روحها وألقت بي في جحيم المعرفة)، وهي جملة سردية مفصلية في حساسية المشهد التكوينيّ لشخصية «هند» وهي تحمل السرّ وحدها بعد أن اعتقدت أنّ «كريمة» تخلّصت منه، وأشركت به ابنتها «هند» كي تتحمّل الأخيرة أعباء المعرفة أو ما سمّته «جحيم المعرفة».
إنّ اللحظة السردية الاستثنائية في انفتاح «كريمة» على جحيمية البوح أعادت إنتاج التشكّل الداخليّ لشخصية «هند»، فالصدمة الأخلاقية وقد هزّت وجدان «هند» بكشف أمّها لعلاقتها الجنسية الملتبسة والغريبة والشاذّة ألقت بظلالها الكثيفة على «هند»:
«صارت تحكي لي عن تلك الخفايا العجيبة والمرعبة، الأسرار التي تحيط بعلاقتها مع جدّي تلك التي عقدت لساني وأجحظت عينيّ وجعلتني أغيب عن المكان فلم أعد أبصر أمي ولا أسمع صوتها، ولم أعد أرى غير جدران تعلو حتى تلامس السماء تحيطني وتحاصرني وأنزوي بينها مثل الجنين في زاوية باردة معتمة مرتعبه. قالت لي حكايات وأحداثاً كانت تقع على مسامعي مثل الرصاص، وأضحت كابوساً مرعباً».
تروي «هند» حجم الكارثة النفسية التي حلّت بها فأخرستها، فليس ثمة من خلاص والكارثة تحاصر حضورها ووجودها وكينونتها الأخلاقية والإنسانية على نحو يبلغ وصفاً كارثياً تقوله «هند» على هذا الشكل (لم أعد أرى غير جدران تعلو حتى تلامس السماء تحيطني وتحاصرني وأنزوي بينها مثل الجنين في زاوية باردة معتمة مرتعبة)، لقد أصيبت «هند» بنوع من العمى المؤقّت كتفسير أوليّ لتلقّي ضربة قاصمة بهذا الحجم.
ما تلبث «هند» أن تنتقل في حالة تلقيها للكارثة السردية التي تسلّمتها من فم «كريمة» إلى وضع نفسيّ آخر لا يقلّ إشكاليةً وغموضاً عن الكارثة نفسها، على نحو يقود نحو هزّة روحية عميقة تُفقد «هند» سيطرتها على ذاتها وتعيد إنتاج شخصيتها على نحو جديد، وهي تتسلّح بنقمة وغضب وحقد لا يمكن وصفه:
«تعبت مما عرفت وأحسست أني صرت أسقط في هاوية الجنون، اجتاحني عندما سمعت حكاية أمي غضب، كان كفيلاً بأن يحرق القرية كلها بكلّ ناسها، مع الوقت اختفى كلّ هذا الغضب وحلّت مكانه سكينة غريبة لم أفهم من أين واتتني. لم أعد أدري أين اختفى غضبي هل خرج مني ؟ أم إنه سكن بين أضلعي فلم أعد قادرة على رؤيته ؟ اعتدت على ما صرت أسمع، وعرفت بذكائي المحدود أنّ هذه اللعنة لا تختلف كثيراً عن اللعنات التي تملأ قريتنا من علاقات الأهل والميراث والسطو والاغتصاب واللواط التي نسمع عنها في كلّ يوم».
إنّ الجملة السردية المفصلية تشكّلت في إحساس «هند» بالتباس غريب وضعها في مجال سرديّ إشكاليّ لا سبيل إلى فهمه واستيعاب تداعياته (مع الوقت اختفى كلّ هذا الغضب وحلّت مكانه سكينة غريبة لم أفهم من أين واتتني. لم أعد أدري أين اختفى غضبي؛ هل خرج مني، أم إنه سكن بين أضلعي فلم أعد قادرة على رؤيته؟)، وما ينطوي عليه سؤال «هند» لنفسها من تعقيد سيكولوجيّ وروحيّ لا يمكن فكّ شيفرته بسهولة، لكنه يوفّر انطباعاً أولياً عن التطوّر الباطنيّ الداخليّ لشخصية «هند» سردياً، على نحو يوازي الالتباس والتعقيد الإشكاليّ في شخصية «كريمة» وهي تروي لابنتها علاقتها بجدّها «فرج»، وتروي مع حكايتها المدمّرة روحَها المدمّرة وضياع عمرها داخل نوع من الإذعان الغريب يحتاج إلى دراسة سيكولوجية معمّقة للكشف عنه وتوصيفه علمياً:
«لم يبقَ عندي ما أخشاه، لقد مات أبوك، وصرت أنت فتاة كبيرة متعلمة وتقدرين على فهم ما أقوله. أخيراً تكلمت كريمة. إنّ مأساة عمري كله تتجسد في جدك. في أقرب الناس لنا بعد موت أبيك، جدك هو مأساتي وهو عذابي الذي لن ينتهي، لقد انتهك كلّ ما فيً، روحي وجسدي وعمري إلى أن أموت، انتهك حياتي منذ أن عرفته وسيظلّ ساكناً ومتلبساً فيها، حتى في آخرتي سوف أُحاسَب على رضوخي واستسلامي له. يا ابنتي أنا مسجونة فيه ولم أعد أملك القدرة على الفرار».
إذ تحقّق نوع من التوازي التكويني بين ما تعيشه «كريمة» من أزمة روحية وجسدية وأخلاقية وكيانية وإنسانية خانقة، وما تسرّب إلى روح «هند» وجسدها وأخلاقها وكيانها وإنسانيتها من حرج وأزمة ستسهم في إعادة صياغة شخصيتها داخل المجال الروائيّ على نحو جديد، قد يفسّر على نحو ما الكثير من الالتباسات الشخصية التي عانت منها شخصية «هند» في ما بعد، وهي تحقق بانحرافها الأخلاقي نوعاً من الانتقام الذاتيّ والموضوعيّ.
يطلّ الراوي في نهاية الرواية على شخصية «هند» كي يعالجها على نحو مختلف بعد أن آلت كلّ الشخصيات إلى مصائرها، فيقدّمها بعد أن اكتملت تجربتها السردية ليصفها وهي تقف على مشارف نهاية غير سعيدة:
«لم تعد هند تلك هي ذات الصبية الصغيرة الغرة التي لم تعلمها الحياة شيئاً، فما علمتها لها سنوات عمرها الأخيرة، وما عرفته من خلال معاشرتها الناس ومن الرجال الذين امتطوا صهوتها، وما شاهدته من عوالم غريبة عن عالمها الضيق، القرية والمدرسة والشقق المفروشة، كلّ ذلك جعلها تفكر في أمور حياتها، وفي المصير الذي سوف تمضي إليه. أول ما فكرت فيه أن سطوتها على الرجال وما تجنيه من تأجير جسدها لن يدوما للأبد».
المعادلة التي يطرحها الراوي لحياة «هند» تجعل تشكيلها في الرواية قائماً على أساس المرجعية غير السليمة لبناء الشخصية، وكلّ ما انفتحت عليه الشخصية من سبل للعيش على المستويات كافة لم يكن سوى نتيجة طبيعية لتلك المرجعيات، رغم أنّ نهاية شخصية «هند» على هذا النحو كان ينبغي أن يقدّر لها صخباً أكبر يتفاعل مع عنوان الرواية، إذ تتصدّر هذه الشخصية قائمة الشخصيات الأكثر تأثيراً وحضوراً وفعلاً سردياً في عموم الرواية، مع ما فقدته من قوّة وحضور في ختام رحلتها السردية:
«لقد فات أوانها، ولم يتبقّ لديها غير القليل لتعطيه وهو بالكاد يسدّ رمقها، تذكرت الشوارع التي كانت تمشي بها والعيون التي كانت ترمقها برغبة، وأصحاب الدكاكين التي تقابل مدرستها، ولم يخطر في بالها دكان الخزاف ولا تذكرت الغبار الذي كان يغطي بضاعته التي كفّت الناس عن طلبها وصارت تلهث خلف بضاعة العصور الجديدة، عصر الألمنيوم والبلاستيك. لم تفكر بأنّ الناس قد غيّرت ألوانها وأذواقها وصارت تبحث عن الأسهل والأرخص وهجرت زمن الفخار إلى غير رجعة».
ويأتي الاستدراك السرديّ لصورة العلاقة الضائعة التائهة بين شخصية «حمزة» وشخصية «هند» بوصفها نموذجاً لم يُكتب له الاكتمال في مطلع الرواية، ففي الوقت الذي تنتهي فيه «هند» إلى مصير مجهول، أغفل الراوي التفصيل فيه إمعاناً في تصوير حالة التيه والضياع، فهو يرفع من شأن شخصية «حمزة» وقد اكتسبت قوّة حيوية ونشاطاً إبداعياً مختلفاً، إذ إن تجربته في صناعة تمثال «هند» داخل حيّز ضيّق من المكان، ونجاحه في منحها حياة أخرى خاصة به، أضافت له الكثير حين اكتفى كما يبدو بالتمثال في صورته المثالية، بعد أن أضاعت «هند» هذه الصورة المثالية في عالم الرواية، وكأنّ الشخصيتين تباعدتا ليس على صعيد الحضور السرديّ المشترك في عالم الرواية فحسب، بل حتى على صعيد المصائر الشخصية بعد غياب شمس السرد عن عالم الرواية:
«لم تقدر هند على فهم وتفسير ما الذي يجمع بينها وبين هذا الخزاف وطينه، لو أنها عرفت أنّ حظها الذي أسقطها في حضن هيام كان من الممكن أن يلتقيها بولد لطيف عامل يقرأ الكتب، ويشتغل خزافاً في دكان أبيه الذي عبرت من أمامه طيلة ست سنوات، ولفهمت بأنّ هذا الشاب الوسيم الطيب قد لحس عقله حبها، ولو أنه تجرّأ وأعلن حبه، حتى ولو أنها رفضت هذا الإعلان وتركته منزوياً في نقطة صغيرة في تذكرها، إذاً لأمسكت قلماً وكتبت له رسالة من دون أن ترسلها إليه ولقالت له فيها:
- صرت الآن أعرف أننا معاً، لكننا على طرفي نهر لا جسور من فوقه ولا مراكب تقطعه، ويا للألم، لا أنا ولا أنت نحسن السباحة».
«حمزة» الذي انشغل بتكوين نجمته لم يكن قادراً على النسيان، لكنه صار متمكناً من تشكيل عوالم جديدة، كائنات وأفلاك خرافية مثل تلك التي كان يراها في عيني أبيه، وفي زوايا النجمة الثمانية في دائرتها الواسعة وفي شظايا الضوء التي تنهمر من أطرافها.
وهنا، تغيب تماماً شخصية «هند» غياباً تيهياً غير واضح المعالم، فهي فقدت كلّ شيء ممكن لاستمرارية حياة ممكنة، وصارت في مهب ريح صاخبة قادمة من عتبة عنوان الرواية (صخب)، لم يعد بوسعها مقاومتها، لأنها فقدت القدرة والرغبة على المقاومة والتمرّد والانتقام من شرف العائلة والقرية، والإذعان لهوس الاكتشاف والاستجابة لرغبة الجسد مقترنة بالتطلّع نحو حياة ليست معدّة لها ولا تليق بها.. لقد سعت نحو مجال أكبر وأوسع منها بكثير، فسقطت سقوطاً مدوّياً أفقدها كلّ شيء، وآلت نحو مصير مجهول.
أما شخصية «قحيطر»، فهي شخصية غريبة واستثنائية على المستويات كافة، قدّمها الراوي وأدخلها بقوّة في مساقات السرد الروائيّ وكأنها شخصية طارئة لا تنتمي إلى جوهر التماسك النصيّ باقتدار وحيوية ورحابة.. شخصية دخلت فجأة إلى ميدان السرد من دون سابق تحضير سرديّ، وكشفت عن غرابة في الحضور السرديّ تفاعل مع غرابة الاسم ونحته وإيقاعه وسلوكه السرديّ الملتصق بشخصية «فرج».
فهي شخصية طيفيّة لم تتكشّف طيلة حضورها السرديّ إلّا على شخصية «فرج»، ويمنح الراوي «قحيطر» فرصة تقديم شخصيته من حيث المرجعيات الحضورية والاسمية بخاصّة، فهو يروي محنته مع الشكل والتكوين الخلقي والصورة الشخصية، وما آلت إليه من رفض المحيط له وفي مقدمته الرفض الأبويّ، على النحو الذي قاد الأب لاختيار اسم غريب يتلاءم مع حجم الكارثة الشكلية التي وُلد ابنه عليها:
«قيل لي إنّ أبي هو الذي اختار لي هذا الاسم، لم أسمع أنّ هناك من سُمي بمثل اسمي، لم يفهم أحد معنى هذا الاسم وكيف ورد لخاطر أبي، حدثتني أمي عندما كبرت قالت وهي تتألم بأنها فزعت من منظري عندما خرجت من بين ساقيها، وأنه أصابها مسّ وهستيريا تركتها في غيبوبة لأيام حتى أوشكت أن تقضي وأن أقضي أنا معها لأني لم أجد من ترضعني، فإن حدث وجلب لي أبي مرضعة بأجر كانت تسقيني حتى أرتوي ثم عندما تحاول أن تنفض من ثديها آخر نقطة، كنت أنهشها بشفتي هذه التي تراها فتهرب من بيتنا ولا تعود له ثانية، حتى عادت لأمي بعض صحتها وصارت تعتاد شكلي وتحتمل إرضاعي».
هذه الصورة الشخصية المنفّرة لكلّ من يحيط بها انطوت على قوّة رفض مركّبة، تنهض على رفض الآخر للشخصية من جهة، ونقمة الشخصية على الآخر والعمل على الانتقام الفطريّ منها من جهة أخرى، وهو ما يجعل بناء الشخصية في المنظور السرديّ معقّداً يصعُبُ تمثّله والانسجام معه قرائياً، فآلية الرفض المزدوح التي تعيشها الشخصية تضعها في موقف سرديّ محرج للغاية، خصوصاً حين وجدت الشخصية ذاتها السردية في خضمّ دوات سردية اخرى تعيش عالم الحدث السرديّ في الرواية.
تتصدّر مشكلةُ الاسم شبكةَ محَن تعاني منها شخصية «قحيطر»، لما تنطوي عليه هذه المشكلة من أهمية على صعيد الحضور السرديّ في المجال الحركيّ الديناميّ الروائيّ، ولأنها الأداة المركزية في عملية التفاعل مع الشخصيات الأخرى وهي تنحصر في شخصية «فرج» فقط، بوصفها الشخصية الوحيدة التي تفاعلت مع شخصية «قحيطر»، وظلّت مشكلة إعطاء اسم له مستعصية لدى الأب وهو يسعى إلى تقبّل الحال بوصفه قدراً لا بدّ في النهاية من قبوله والاقتناع به والتماشي مع نصيبه:
«لما يئس أبي من الدعاء قرر أنّ هذا هو قدره وقدر أمي، وكلما عاد لرشده صار ينأى بنفسه بعيداً عنا وتركني قدراً لأمي ولي، إلى أن ماتت أمي فتركتني قدراً لنفسي ولقبحي. الناس التي كانت تواسي أبي بمصابه وترجوه أن يعطيني اسماً فإنّ في ذلك مخرجاً ولو ضيقاً من نعت الآخرين لي إن تكلموا عني أو تذكروني، لم يكن عندهم ما يحكون عنه في تلك السنة غير سيرتي ومولدي وشكلي المسخ، نسوا فقرهم وعبوديتهم ودينهم ليتذكروني».
بمعنى أنّ ضرورة التسمية كانت ضرورة سياقية على مستوى استمرارية الفعالية السردية في رسم العلاقة بين شخصية «قحيطر» وشخصية «فرج»، ومما ضاعف من مشكلة العثور على اسم له ما ارتبط بولادته من أهوال وشرور وكوارث نسجتها الحكايات والأساطير على نحو مفجع، زاد من إحراج الأب في العثور على اسم مناسب يتوافق مع فداحة الشخصية وما أحيطت به من فجائع أبعدته عن كلّ الأسماء المتعارف عليها، وهي تتّسم بالخير والأمل والسعادة والطبيعة والحياة على نحو يتناقض مع الحضور السلبيّ البالغ له في المشهد السرديّ، وبما يسقط الأب في حيرة التسمية إذ لم يتمكّن من العثور على اسم مناسب لابنه إلّا بعد سنتين من ولادته المشؤومة:
«كانوا ينسجون الحكايات والأساطير عني، ربطوا ذكري بالأحداث اللعينة التي أصابت البلاد بميلادي. البلاء الذي كان يصيبهم جماعات أو أفراداً كنت أنا سببه، الطوفان والجفاف الذي أتى بعده والحروب صرت سببها، والمرأة إن أجهضت، كنت أنا سبب إجهاضها، حتى أهالي البنات اللواتي فاتهنّ عمر الزواج ربطوا ذلك بلعنتي التي حلّت على الذكور لأني ذكر. سمّوني المسخ والملعون والشر والهلاك وطير الشؤم والجني، سمّوني المحل والكارثة والخراب إلى أن جاءهم أبي بعد سنتين باسمي الغريب الذي لم يسمى به من قبلي إنسان، سماني قحيطر».
ورغم الهيمنة شبه المطلقة التي يتسيّد فيها «قحيطر» أيّ مشهد يظهر فيه «فرج»، فهو يحضر بحضور «فرج» على نحو ظلّي يذعن فيه «فرج» إذعاناً كلياً لما يمليه عليه من تعليمات ونصائح وإرشادات، إلّا أنه في اللحظة الحرجة التي يشعر فيها «فرج» بأنّ نهايته وشيكة حين اقتحم «سالم» بيته عازماً على قتله، بحث عن المنقذ «قحيطر»، لكنه لم يجده:
«لم ينتبه فرج لصوت باب البيت يُفتح إلا عندما رأى (سالم) واقفاً أمامه مثل المارد يشدّ بين يديه حبلاً غليظاً عقده كالأنشوطة. أخذ سالم يدنو من فرج الذي أرعبه دخول سالم عليه مثل اللصوص بوجه يعبق منه رائحة الخمر والغضب، تلفّت من حوله يبحث عن قحيطر، كان هذا قد اختفى. حاول أن يكلم (سالم) أو أن يطلب منه الانصراف، أو أن يصرخ طالباً من ينجده، لكنه لم يملك الوقت لأيّ شيء من كلّ ذلك».
هذا المشهد السرديّ هو من مشاهد الختام في الرواية، وفي الوقت الذي كان يظهر فيه «قحيطر» قوياً ومنقذاً لـ»فرج» من محنه في كلّ المناسبات التي حضر فيها بصحبته، ويوجّه له النصائح القادرة على تخليصه من المواقف المحرجة، تكشّف هنا عن ضعف وفقدان للحيلة وتثبيط لعزيمة صاحبه «فرج».
إذ يختفي «قحيطر» في اللحظة التي يحتاجه «فرج» حاجةَ الحياة، لينقذه من موت محتّم وجده ماثلاً في عينيّ «سالم» حين دخل عليه قاتلاً، ويأتي اختفاء «قحيطر» في هذه اللحظة دليلاً على إفلاس «فرج» ونهايته الحتمية.
ولا بدّ من معاينة شخصية «قحيطر» معاينة «سايكو-سردية»، ابتداءً من لحظة ظهوره على مسرح السرد من دون مقدمات تسمح بذلك، إذ ارتبط ظهوره المستمرّ منذ لحظة ظهوره حتى لحظة اختفائه بشخصية «فرج»، فلم يحصل أن حققت شخصية «قحيطر» لقاءً مباشراً مع أيّ شخصية أخرى غير «فرج» على الصعيد الذي يكشف عن خبر رؤيته والحوار معه، وصولاً إلى لحظة اختفائه الغامضة والخاطفة حين اقترب «فرج» من موت محتّم.
كلّ هذه الكشوفات السردية داخل الميدان الروائيّ تحيل على رؤية مختلفة للتعامل مع شخصية تبدو وكأنها تحضر في سياق سرديّ آخر، لا يمتّ بصلة للمساقات السردية التقليدية حيث تظهر الشخصيات وتتحاور وتتنازع وتتآمر على بعضها بعضاً، وتمارس ما تشتهي ضمن حضور عام في الفضاء السرديّ المتكامل وهو يربط الشخصيات بعضها ببعض، ضمن رؤية سردية تجعل لكلّ شخصية من الشخصيات حضوراً وشكلاً وممارسةً لها سند ومرجعية في إطار المحرّك السرديّ العام وهو يهيمن على الحراك السرديّ بوضوح وتكامل.
وهذا يقود إلى معاينة شخصية «قحيطر» بوصفها شخصية طيفية لا تظهر إلّا لـ»فرج»، الوحيد الذي يراها ويتعامل معها ويستمع إلى نصائحها، بمعنى أنها ضمير «فرج» الشرير المساعد له في تحركاته ونيّاته وأفعاله الدنيئة غير الإنسانية، صنعها الراوي بهذه الطريقة كي يكشف عن الطبقة الجوانية لشخصية «فرج» الشاذّة (المازوخية)، إذ حين دهم «سالم» دار «فرج» ورآه «فرج» وقد تأبط الشرّ ولمح صورة الموت بين عينيه، وأدرك أنه في خطر داهم، التفت إلى حيث يكون «قحيطر»، فهو المنقذ الأخير، لكنّ «قحيطر» (الشخصية الطيفية) اختفى فجأة لأنه ليس بوسعه إنقاذ «فرج». إنه الضمير الذي كان يلامس رؤية من «فرج» دون الآخرين ولا ينكشف إلّا عليه مثل أيّ ضمير لأيّ شخصية.