الشعر والفقر في المهجر !

الشعر والفقر في المهجر !

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 13-3-2015
-
-

أبواب- وليد سليمان-  يبدو أن هاجس الفقر أو تذكر أيامه على الأقل هو القاسم المشترك بين أدباء المهجر في الأمريكيتين.. حتى أن الشاعر إيليا أبو ماضي الشاعر المتفائل فإنه اكتشف بتجاربه المرة أن الهجرة بالنسبة إلى الفقير الضعيف هي ذلٌ وهوان, فقال:
واغتراب الغني عز وفخر
واغتراب الفقير بدءُ الهوان
..  إلياس فرحات   ، هاجر إلى البرازيل عام 1910 كان من أحد الأدباء العرب الذين عانوا ألم الفقر هناك, فهذا الفقر الملازم له يحمله على طرح تساؤلات حيرى منها:
«إلهي لماذا خلقت العقول بعصرٍ تفكرُ فيه الجيوب»
وفي دراسة للشاعر اللبناني جورج طراد جاء فيها: ((إن أخطر ما في فقر إلياس فرحات أنه تحول إلى كارثة اجتماعية – عائلية, إذ أن رب العائلة لا يملك ما يرد به المرض القاتل عن صغاره.. فها هو يقف أمام سرير ابنته سعاد وقد غيبها المرض والعجز فيطلق زفرة تفتت الأكباد قائلاً:
يُهنيكِ نومُكِ يا سعاد فإنه
نوم الرضيع على ذراع المُرضعِ
يهنيكِ يا كبدي السكون محركاً         بجلال هيبتهِ سواكن أدمعي
لكن أطرف أخبار الفقر عند إلياس فرحات هي تلك التي يتجاوز فيها العَوَز مع سوء الطالع!! فحتى إذا ما توهّم أن الفرج قد دنا فإن حظه المنكود يطيح بكل سراب الأمل!!
فقد كان يجوع ويعرى حتى تداعى الرفاق هناك ليجدوا له عملاً معقولاً, فقرروا أن يوظفوه مراسلاً لمجلة «الدليل», ولأن هذه الوظيفة تتطلب شكلاً مقبولاً لدى المشتركين والقراء, فإن إدارة المجلة اشترت بدلة فاخرة لفرحات وأوفدته إلى المناطق الداخلية لإقناع المشتركين. غير أن الحظ السيئ كان له بالمرصاد, إذ أن شرارة نار اندلعت من مدخنة القطار في اليوم الأول من عمر البدلة, فأحرقت جزءاً منها!! وبدلاً من أن يرسل فرحات لائحة باسم المشتركين الجدد, كانت رسالته الأولى نعياً شعرياً لثوبه البائس:
كأَن الهواء مع النار لمّا
 رآني لبست جديدي اتفق
فجاء بها من دخان القطار
 ونثّرها فوقه فاحترق
إلهي تضنُّ عليَّ بثوبٍ
 وتكسو الغصون ثياب الورق
لكن أرى دون تجديده
 شتاء الأسى وخريف العرق
كل هذه المصائب الناجمة عن الفقر الدائم لم تثبط عزيمة الشاعر إلياس فرحات ولم تبرّد غليانه بالشعر.
وفي مراحله الأولى كان زجالاً ثم انتقل إلى الفصحى حاملاً معه تعابير وصيغاً من الشعر العامي, ولكن في الحالتين ظل هادراً رافضاً. وكان الشعر دون شك هو سبب بارز من أسباب فقره. وكان قد رفض العمل مع أشقائه المقتدرين مالياً في التجارة, لأنها تتنافى مع الشعر كما كان يقول.
وتمرد الفقير هذا هو سمة مميزة لشعر إلياس فرحات ولشخصيته, فهو يصدر دائماً في كل ردات فعله عن عزة في النفس وإباء في القناعات التي يرفض التنازل عنها مهما عضه الجوع بنابه أو ساءت أحواله المالية.
ويروي فرحات في مقدمة ديوانه (الربيع) أنه في العام 1947 حصل على جائزة المجمع العلمي المصري, لكنه وبالرغم من أنه كان عاجزاً عن تسديد الأقساط الشهرية للبيت الذي يسكنه فإنه تنازل عن الجائزة وطلب من الجهة المانحة أن تحولها إلى صندوق الجامعة العربية كي تُنفق في سبيل نصرة قضية فلسطين.
وهذا الموقف الشهم ليس غريباً في حياة فرحات الذي اشتهر باندفاعاته القومية ومقارعة أعداء العروبة. وهو الذي هاجم الفرنسيين والأميركيين والبريطانيين وبالطبع الصهيونية لتكالبهم جميعاً ضد العرب, فلنقرأ ما يقول:
إني لأحمل ثقل الفقر منتصباً        عالي الجبين وألقى الدهر مبتسما

الشاعر راعياً للماشية
وفي حادثة ترجع للعام 1933, يوم كان فرحات لا يزال راعياً للماشية, فلقد وُجهت للجاليات العربية في المهجر دعوة لفرحات ليشارك في مهرجان أُقيم في ذكرى الملك فيصل الأول ملك العراق. ولأن فرحات موجود في البرازيل والمهرجان يُقام في عاصمة الأرجنتين, كان لابد من تأمين نفقات السفر, فقام فرحات ببيع قسم من خرافه ليغطي بدل الانتقال إلى الأرجنتين والإقامة فيها لعدة أيام. وذلك بسبب الشعر, لذا فقد ازداد فقره فقراً إذ تبدد جزء من ثروته المتواضعة.
أما الحادثة الثانية فوقعت عام 1959 حين وجهت إليه الحكومة السورية دعوة لزيارة دمشق للمشاركة في مهرجان أُقيم لتكريمه.. لكن فرحات لم يكتفِ بالفترة التي حددتها الدعوة، بل رغب في تمديد إقامته ليتسنى له مجال التجول أكثر في لبنان الذي طالما حلم بالعودة إليه.. والتمديد بالطبع يعني نفقات إضافية, مما اضطره إلى بيع ((بيت العائلة)) الذي تمكن من شرائه بعد أكثر من خمسين سنة من التشرد والفقر والتعب في المهجر. فبخّر الشعر عرق الجبين وعاد فرحات من رحلته خالي الجيب, ولكن ممتلئ الرأس بصدى التصفيق الذي قوبلت به قصائده خلال الرحلة.
لكن وكما يقال: ((راحت السكرة وجاءت الفكرة))، فانزوى فرحات العائد إلى الفقر على نفسه وهو يتحسس جيبه الخالي وأخذ يردد قائلاً:
تُر هل أعيش بقول «أجدْتَ»
و»يالك من شاعرٍ مُفلق»
خُلقتُ شقياً وعشت شقياً
وأحسب أني أموتُ شقي!
وهكذا امتدت رحلة الشعر عند إلياس فرحات, من محطة اسمها الهرب من الفقر إلى محطة اسمها الوقوع في الفقر.. وبين الفقرين أغنى فرحات الشعر العربي بثروة أدبية فيها الكثير من التمرد وعزة النفس!

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }