نصوح المجالي

من المفيد ان نعرض لبعض الافكار الناقدة لليبرالية الاقتصادية المحدثة, التي تجسد الرأسمالية المتحررة من أي قيد, فالليبرالية الاقتصادية من اهم ادوات العولمة التي تجسّد السيطرة الاقتصادية والثقافية والسياسية والعسكرية للعالم الرأسمالي في الغرب. فكيف انعكست مظاهر العولمة والليبرالية الاقتصادية المحدثة على دول العالم؟ في الجانب السياسي تبنت العولمة تحجيم الامم المتحدة وتطويعها واستغلالها كمظلة للغزو والحروب تحت عنوان الدفاع عن العالم الحر, والدفاع عن الديمقراطية ومحاربة الارهاب. كما قدمت الليبرالية الاقتصادية للعالم نظاماً اقتصادياً موحداً تنتقل فيه تداعيات العبث المالي والاقتصادي من الدول الرأسمالية الى دول العالم الاخرى. فالليبرالية الاقتصادية صدرت من الازمات للعالم بقدر ما قدمت من نماذج النجاح والازدهار, فهل حالت الليبرالية الاقتصادية دون اندلاع الازمات الاقتصادية في دول العالم الرأسمالي؟ ألم تكن تلك الازمات نتيجة لاجتهادات وتطبيقات منظري الليبرالية الاقتصادية والانفلات المالي الذي احدثوه؟ هذا ما يذهب اليه العديد من خبراء الاقتصاد الذين يعتقدون أن الليبرالية الاقتصادية المعبّرة عن العولمة في جانبها الاقتصادي قد صدرت ازمات الغرب المالية والاقتصادية, من خلال نظام اقتصادي وشبه موحد, فرض تداعيات العبث والمغامرات الاقتصادية السائدة في الدول الرأسمالية على دول العالم الاخرى. فهل حالت الليبرالية الاقتصادية دون اندلاع الازمات الاقتصادية في أغنى الدول الرأسمالية؟ ألم تكن تلك الازمات حصيلة سياسات وتطبيقات الليبرالية الاقتصادية المنفلتة, التي اعتبرت مصلحة رأس المال عقيدة فوق ما سواها من المصالح الوطنية والدولية؟ ويذهب كثيرون الى المناداة بنظام اقتصاد عالمي جديد لوضع ضوابط اقتصادية واقامة علاقات دولية من نوع جديد بعد ان اغرقت الرأسمالية المتوحشة، التي تمثلها الليبرالية الاقتصادية الحرة، العالم بأزمات انعكست في اسواق المال والتجارة والعملات والسياسة واضرت بمصالح الدول وسيادتها وبا ستقرار المجتمعات ومصالحها الحيوية. لقد ثبت ان الليبرالية الاقتصادية المنفلتة من كل عقال واجهة لفكر عولمي سياسي واقتصادي انتهازي، يخدم هيمنة رأس المال وشركات المشاريع الكبرى العابرة للقارات على مصالح الدول والشعوب. لقد حققت الليبرالية الاقتصادية نموا استمر في العالم الرأسمالي على مدى ثلاثة عقود، وانتهى الى تراجع في النمو وصل الى الصفر في بعض البلدان ورغم ان النهج الليبرالي في الاقتصاد حقق قفزة في الثروة الوطنية في بعض البلدان الرأسمالية، الا انه ضاعف البطالة ، وفاقم المديونية التي تنهك الدول والمجتمعات كما عزز عوامل الانقسام وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي في الكثير من بلدان العالم. فالليبرالية، المحدثة، في صبغتها المتوحشة لم تقدّم حلولاً جذرية لمشاكل التنمية ومشاكل المجتمعات، ولم تحقق العدالة بل فاقمت التفاوت الاجتماعي في الكثير من الدول، فكل نظام اقتصادي يتجاهل أهمية الاستقرار الاجتماعي يساهم في تفكيك البنى الاجتماعية في الدول. فكلما ازداد التفاوت الاقتصادي في اي مجتمع سواء على مستوى الدولة الواحدة او بين الدول كلما تم تهديد السلم الداخلي في الدول والاضرار بالسلم العالمي فلا سلام حقيقي بدون عدالة فالليبرالية الاقتصادية في صورتها المنفلتة اضرت بالمجتمعات كما اضرت بالدول. وهذا ما يبرر المطالبة بايجاد نظام اقتصادي دولي جديد يفيد من بعض مميزات النظام الحالي ويراعي البعد الاجتماعي في الدول دون ان يفرض توجهات ايديولوجية معدة سلفا نابعة من نظرية سياسية تفرض شروطا لا تناسب جميع دول العالم ولا تراعي تفاوت الظروف الاقتصادية والاجتماعية وتفاوت التقدم التكنولوجي في الدول وتنطلق من مصالح رأس المال دون سواها. فالاقتصاد الذي يتجاهل اولوية توفير فرص العمل قطعا يضحي بالعامل الاقتصادي الاهم الذي يُحرك الاسواق ويضحي بتعزيز الاستقرار الاجتماعي ويقدّم الربح على ما سواه. ويرى البعض اهمية ايجاد تكتلات اقتصادية اقليمية بين الدول المتجانسة في القدرة الاقتصادية والتقدم التكنولوجي والتطور الاجتماعي مما يخلق نمطا جديدا من العلاقات الاقتصادية مع التكتلات الاقليمية الاقتصادية الاخرى. وكذلك تأكيد حق الدول في فرض الحماية التجارية والصناعية وانتهاج سياسات تقلص التأثر بالازمات الاقتصادية في الدول الاخرى. لم يعد مقبولا ان تكون مصالح رأس المال المنفلت من كل قيد العقيدة الاهم في العالم لان ذلك يفاقم الازمات نتيجة اهمال مصالح الشعوب ويساهم في عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي في العالم.