- -

أيهما أشقى .. ذو التفكير السطحي أم العميق ؟

أيهما أشقى .. ذو التفكير السطحي أم العميق ؟

إبراهيم كشتتُرى .. هل كان المتنبي مُحقّاً حين ذهب إلى أن صاحب العقل يعاني الشقاء حتى لو أحاطت به أسباب النعيم ، بينما يعيش الجاهل في سعادة ولو كان يحيا في ظل الشقاء ؟ أُعني هل كان المتنبي محقاً حين قال في بيت شعره الشهير : (ذو العقل يشقى في النعيم بعقلِهِ وأخو الجهالةِ في الشّقاوة ينعمُ) ؟عمق التفكير .. وصعوبة التكيّف .....تشير الملاحظة وتجارب الحياة ، إلى أن ما ذهب إليه المتنبي فيه نسبة غير قليلة من الحقيقة ، فرغم أن من الفلاسفة من رأى أن العقل ليس أداة معرفة ، بل أداة وظيفتها حلُّ المشاكل والتكيّف في الحياة ومع الحياة ، رغم ذلك يبدو أن كثيراً ممن أوتوا عقلاً يميل في نشاطه إلى تدبّر الجانب الفكري والفلسفي من الوجود ، وحازوا القدرة على التفكير العميق ، وتحليل الظواهر ، والبحث عن أسبابها ، ومعرفة مدلولاتها ، أقول : أن هؤلاء كثيراً ما يعانون صعوبةً في التكيّف مع ما يحيط بهم من أفكار وتصورات وقيم وأعراف وعادات ، بل ومع ما يحيط بهم من أنماط الشخصيات ، وأنواع الحديث ، وأشكال التصرفات .الرضا بالأفكار السائدة ..صاحب الذكاء العادي أو البسيط ، بل وصاحب الذكاء الاجتماعي المتفوق ، وذو الذكاء العاطفي (كما يسمونه) ، جميعهم ينظرون إلى القيم والأفكار وأنماط السلوك التي وجدوها في المجتمع من حولهم ، فيتلقفونها ، ويؤمنون بها ، ويرضون بشكلها ومضمونها ، وتصبح جزءاً من حياتهم وسلوكهم بيسر وعفوية ، دون طول نقاش ، إنها تغدو بالنسبة إليهم مسلمات ، بل مقدسات ، لا يجوز الخروج عليها أو المساس بها ، وربما استخدموا ذكاءهم في تسهيل الامتثال لتلك الأفكار والقيم وأنماط السلوك ، ليكونوا الأكثر تقيّداً بمقتضياتها ، وهكذا يصيرون الأقدر على التكيف مع ذواتهم ومع الناس والأفكار ، وبالتالي الأكثر راحة وطمأنينة ورضا.الغربة عن الواقع وثقافة الناس ..أما الذين يملكون ذلك النمط من الذكاء الذي يميل إلى النقد وإعادة التفكير ، والشك فيما يراه الناس مسلمات ، وعدم القبول بالتفسيرات الجاهزة للأحداث والعلاقات والظواهر ، كثير من أولئك المفكرين والفلاسفة والأدباء والفنانين ، الذين يحللون الوقائع والعلاقات إلى عواملها الأولية ، ثم يعيدون ترتيبها ، تجدهم كثيراً ما يعانون نوعاً من عدم القدرة على التقبّل والتكيّف ، ويعيشون الإحساس بالمعاناة ، والشعور بالغربة عـن الواقع والثقافة والناس ، كحال المتنبي أيضاً حين قال : (أنا في أمة تداركها الله ... غريبٌ كصالحَ في ثمودِ) . معاناة المفكرين والمبدعين ..للأسباب المذكورة ، يعاني مثل هؤلاء المبدعين والمفكرين في كثير من الأحيان صعوبةً في تحقيق النجاح الاجتماعي أو المالي أو المهني ، فينطلق الناس للتنظير لهم ، وتوجيه النصح إليهم ، وإفهامهم بأن العلم والدراسة والفكر والفلسفة والأدب لا تطعم خبزاً . ولأن ذكاء هؤلاء المبدعين والمفكرين ذوي القدرات الفكرية واللغوية والإبداعية نادرون ، ولأن قدراتهم تثير حسد كثير من الناس ، فلا بد أن يلاقوا كل أنواع التقليل من شأنهم ، وتبخيس أهمية قدراتهم وملكاتهم ، ناهيك عن الاستهزاء بإمكاناتهم العقلية ، لأنها لم تحقق لهم مالاً وفيراً ، أو شهرة عظيمة ، أو مكانة في المجتمع وبين الناس .معاناة المتفوقين در اسياً ..حتى على مستوى الطلبة المتفوقين في المدارس ، فإن بعضهم يعاني العزلة ،  وصعوبة التواصل ، ومشقّة التكيّف والتفاعل الاجتماعي ، ولأن هؤلاء الطلبة يملكون القدرة على تحقيق التميّز والتفوق على أقرانهم دراسياً ، فلا يجدون من أولئك الأقران إلا التقليل من شأن تفوقهم ، وإلحاق الأذى والضرر بهم ، ونعتهم بمختلف الصفات التي تَحُطُّ من قدرهم وتقلل من أهمية تفوقهم ، وتُذكرّهم بأن فلانا وفلاناً قد نجحوا في حياتهم رغم أنهم لم يكونوا متفوقين دراسياً ، وأن آخرين تفوقوا في الدراسة ثم لم يجدوا في الحياة العملية غير الخيبة والمعاناة ، كل ذلك للتقليل من أهمية التفوق الدراسي والتميّز في التحصيل ، رغم أنها تشكل بذرة الإبداع في المستقبل ، لو سقيت بماء الرعاية والتحفيز ، بدلاً من التثبيط .أصحاب العقول هم من طوّر الحياة ..لكن 00 مهما كانت المعاناة التي قد يجدها (ذو العقل) والخيبات والاحباطات التي يُمنى بها ، ومهما قلل الناس من أهمية قدرته على التحليل والتفكير والإبداع ، فإن وضـع مناهج التفكير ، وبلورة أسس العلوم ، ورسم معالم الفكر الإنساني ، وإثراء الأدب ، وتحقيق الإبداع بأشكاله ، كان غالباً على يد أصحاب العقول الذين عانوا وعاشوا الشقاء في حياتهم ، ولامهم الناس على ضعف ذكائهم الاجتماعي وصعوبة تكيفهم مع الواقع والناس.Facebook.com/Ibrahim.kasht