محمد م. الأرناؤوط - مع الرواية الأخيرة لربيع جابر «دروز بلغراد» (بيروت، دار الآداب والمركز الثقافي العربي، 2010)، وهي السابعة عشرة له منذ «سيد العتمة» (1992)، مرورا ب»رحلة الغرناطي» و»بيروت مدينة العالم» وسواهما، ينجذب المرء وراء الأحداث التاريخية المتداخلة في قارات مختلفة ليتساءل أخيرا: من أين للروائي هذا الوقت ليس لكتابة الروايات نفسها، بل لقراءة هذا التاريخ الوسيط والحديث والمعاصر المتنوع الذي يغذي رواياته بالمادة الغنية؟ما يكبه جابر ليس «رواية تاريخية» على نمط جرجي زيدان ومعروف الأرناؤوط، وإنما ما هو أعمق من ذلك حتى إنه يجذب المؤرخ اليه. و أتذكر هنا توقف المؤرخ كمال الصليبي عند روايته «بيروت مدينة العالم»، إذ يقول إن جابر يتعامل مع الزمن كأنه جزء لا يتجزأ من مادة الكون الخاضعة لمبدأ «لافوازيه»: لا جديد فيها يختلف، ولا قديم فيها يُفقَد، بل كل شيء فيها يتحول.أعادتني الرواية إلى أكثر من ثلاثين سنة إلى الوراء عندما اكتشفت «دروز بلغراد» في وقت مبكر وكتبت عنهم أقل من صفحة في كتابي عن تاريخ بلغراد خلال الحكم العثماني الذي أنجزته في العام 1981 لكي ينشر في «الأليسكو» بتونس، لكنه صدر في الكويت العام 1987 بعنوان «تاريخ بلغراد الإسلامية». وكان بودّي آنذاك متابعة البحث عن «دروز بلغراد» ومصيرهم، لكن اضطراب الأحوال في يوغسلافيا آنذاك جرّني بعيدا عنهم.من هنا، أعادتني رواية «دروز بلغراد» إلى الموضوع الذي فقدته، وإلى السياق البلقاني الذي بقيت فيه لأكتشف هذا المرة ميزة ربيع جابر في قدرته على التقاط الفكرة/ الشخصية الرئيسة، كما هو الأمر مع «الغرناطي»، واستدعاء الإطار التاريخي بأحداثه وشخصياته والمشهد المكاني بكل تفاصيله. وإذا كان الأمر سهلا إلى حدٍّ ما بالنسبة إلى بيروت وروايته «بيروت مدينة العالم»، إلا أن الأمر ليس كذلك مع أوروبا القروسطية في «رحلة الغرناطي»، ولا مع البلقان العثماني في «دروز بلغراد» .صحيح أن لبنان بعد انسحاب إبراهيم باشا في العام 1840 من بلاد الشام، التي أحدث فيها إصلاحات نسفت «نظام الملة»، لم يعد كما كان، وزُجَّ في صراع طائفي خلال العام 1860 بدأ بين الدروز والموارنة وامتدّ ليشمل المسلمين والمسيحيين، إلا أن البلقان الذي انتقل إليه ربيع جابر ليكمل أحداث روايته، لم يكن بأفضل من لبنان. ففي البلقان أيضا استعرت النزاعات الإثنية والطائفية بين الأتراك والألبان والبلغار والصرب واليونان وغيرهم، حيث أصبحت صورة الآخر منفرة، ولذلك لم يكن من السهل على جابر أن يدخل ويخرج عبر هذه الجماعات ويتناول الصراعات بينها بصورة تجعل المرء يدرك أن الرواية لم تكن عن بطله الفردي «حنا يعقوب»، ولا عن بطله الجماعي «دروز بلغراد»، بل عن المصائر الإنسانية للافراد والجماعات التي يمثلوها داخل الإطار العثماني الذي امتد من بلاد الشام إلى بلاد البلقان.تنطلق «دروز بلغراد» مع «حنا يعقوب الماروني»، بائع البيض المسلوق الذي يحب زوجته «هيلانة» وابنته «بربارة»، ويخرج كل يوم ليرتزق بالمناداة على البيض حتى يَنفق، ويعود بسرعة إلى زوجته وابنته. كان العالم بالنسبة إليه صغيرا وجميلا ما دام أنه يمتد حول بيته فقط، وما دام أنه يتمتع بحياته البسيطة ويحلم بمستقبل أفضل لابنته. لكن العالم سرعان ما اتسع وبشع بعد أن وجد «حنا» نفسه يؤخذ في الميناء الذي يبيع فيه البيض لكي يحل محل درزي (سليمان عز الدين) منفي ضمن مجموعة كبيرة إلى بلغراد وطرابلس على إثر أحداث 1860 والأحكام التي أصدرتها السلطات العثمانية آنذاك بحق المشاركين فيها. وكان ضمن المنفيين خمسة إخوة من أسرة «عز الدين»، ولم يتمكن الوالد المكلوم بنفي أولاده (الشيخ غفار عز الدين) إلا بالحصول على وعد من المسؤول العثماني بالإفراج عن واحد منهم مقابل جرتين من الذهب، ولم يكن هذا ممكنا إلا بإحلال واحد آخر مكان هذا الابن، فاقتيد «حنا يعقوب» كي يكتمل عدد المنفيين المحمَّلين إلى السفن في حضور القناصل الأجانب بميناء بيروت.هكذا، كان على «حنا» أن يتمرّغ في المعاناة ضمن المحيط الصغير الذي وُجد فيه، ذلك أن الإخوة الأربعة كانوا ينظرون إليه شزرا لكونه يذكّرهم بأخيهم الغائب/ الحاضر، والآخر/ الماروني الذي كان سبب نفيهم إلى العالم الجديد (البلقان) الذي يتسع لكل أنواع المعاناة التي لم يتخيلوها في لبنان. صحيح أنهم كانوا منفيين، لكنهم كانوا محكومين أيضا بالأشغال الشاقة، لذلك كان يومهم عذابا وليلهم كذلك، بسبب الجوع والبرد، ما جعل عددهم ينقص بالتدريج. ومن هنا حقّ ل»حنا» أن يتساءل عن العدل في الحياة وعن الحكمة الإلهية في تعرّض الإنسان لمثل هذا المصير.ومن ناحية أخرى، ما إن وصلوا إلى بلغراد وسُجنوا في قلعتها العثمانية الشهيرة، التي ما تزال قائمة، حتى بدأ النزاع الصربي العثماني يتفاقم ويصل إلى تبادل القصف المدفعي بين الطرفين الذي طال القلعة أيضا. وبعد التوقيع على «بروتوكول 1862» بتدخل القوى الكبرى تم الاتفاق على ترحيل كل المسلمين من بلغراد التي غدت عاصمة للإمارة الصربية آنذاك، تم نقل «دروز بلغراد» إلى الهرسك المجاورة للجبل الأسود، حيث تندلع آنذاك المناوشات بين إمارة الجبل الأسود الساعية إلى الاستقلال وبين الدولة العثمانية.وبعد مضي سبع سنوات يطلق سراح المنفيين قبل إكتمال المحكومية، على أن يقضوا سنة مع فرقة الهندسة للجيش العثماني لإصلاح الطريق التي تصل صوفيا بأسطنبول. ومع الانتقال من الهرسك عبر كوسوفا ومكدونيا إلى بلغاريا، يُقبض على «حنا» في قن للدجاج بعد أن شدّه الجوع لفقس بيضة وشربها، فأعيد إلى حبس آخر في بريشتينا ليقضي فيه خمس سنوات، ثم إلى قلعة أخرى قرب الحدود مع الجبل الأسود. من هذا الحبس الأخير تبدأ الرواية، حين يتعرض الحبس إلى قصف مدفعي من جيش الجبل الأسود فيختلط الحابل بالنابل، ويجد «حنا» نفسه طليقا، فيشاهده طفل مكدوني يرعى الغنم بحالته المزرية، فيعتقد أنه من الدراويش الذين يذهبون للحج إلى مكة مشيا على الأقدام، فيدلّه على مكانِ تجمّع قافلة الحج التي كانت تستعد آنذاك للانطلاق باتجاه دمشق. كانت المشاركة في قافلة الحج تتيح بعدا آخر، حيث شارك «حنا» المسلمين في صلواتهم أيضا، و»شعر أنه المسلم الفقير مع أنه بائع البيض المسيحي».وعندما يصل «حنا» إلى حلب «سمع الحكي العربي وشعر بالصقيع يخرج من سلسلة ظهره»، ولذلك أصبحت المعاناة مختلفة بعد أن ضاع في لغات البلقان التي كان يسمعها. وبعد وصوله إلى دمشق ركب فيها عربة بأحصنة إلى بيروت ليصل إلى بيته أخيرا، وهناك يجد عند عتبة البيت «بربارة» -التي ظنها «هيلانة»- كما تركها، ناسيا السنوات التي غاب فها عن مجتمعه حتى عُدَّ في عداد المفقودين، ولذلك «شعر بالأصابع على جسمه تتأكد من أنه ليس شبحا». ولا يصل «حنا» إلى بيته بعد تلك المعاناة التي جرجرته من مكان إلى آخر حتى يكون قد تماهى عند القارئ بشخصية خارج الزمان والمكان تمثل مصير الإنسان الذي عليه أن يدفع باستمرار الثمن المؤلم لذنب لم يرتكبه في حياته.يجذب ربيع جابر القارئ في روايته بلغته الآسرة التي تركز على التفاصيل في الروح الإنسانية والجماعة المعبّرة عن البيئة المكانية. فهنا يغوص جابر في البلقان لا ليصف الأمكنة فقط، التي يبدع فيها كأنه وُلد ونشأ هناك، بل ليقترب ويقرّب القارئ أيضا من الجماعات البشرية المختلفة فيها من ألبان وبشناق وصرب وبلغار وغيرهم. صحيح أن هذه الجماعات متنازعة في ما بينها ولا تملك الواحدة صورة جيدة عن الأخرى، لكنها ليست كذلك في عيون «حنا يعقوب»، وهو ما يحوّل «دروز بلغراد» إلى رواية عن المصائر الإنسانية التي تبدو مختلفة في لحظة ما وبيئة ما، لكن فيها الكثير مما هو مشترك.
رواية عن المصائر الإنسانية
12:00 9-12-2011
آخر تعديل :
الجمعة