سمرين سمرين

رجا سمرين.. رؤية تأريخية لتجربة العقاد الشعرية

رجا سمرين.. رؤية تأريخية لتجربة العقاد الشعرية

د.محمد صالح الشنطي -  رجا سمرين شاعر من جيل الرواد المؤصلين، الذين كان لهم شرف التأسيس للمشروع الإبداعي الثقافي التربوي في هذه البقعة الغالية من وطننا العربي، حيث رفرف الأردن بجناحيه الشرقي والغربي في سماء الحضارة العربية تأسيسا وتطويرا، ريادة وتأصيلا. ولقد اخترت أن أتوقف عند قصيدتين من قصائده تعدّان نموذجين لهما دلالاتهما التأريخية فضلا عن خصائصهما الفنية. أولاهما تقف عند علم فذ من أعلام أدبنا العربي المعاصر، هو العقاد، وربما بدت هذه القصيدة تقليدية من شعر المناسبات الذي حفل به شعرنا العربي في عصر الإحياء الأول، وعده النقاد كلاسيكياً، فقد اكتظ به ديوان الشعر العربي في بدايات النهضة، لكنني عقدت العزم على النظر إلى الظواهر والأعمال الأدبية في سياقاتها التأريخية تأسّيا بما تعلمناه من أساتذتنا الذين غرسوا في وعينا أن الظواهر نتاج جملة من الظروف التأريخية المحكومة بشرائطها الزمانية والمكانية.. هذه القصيدة هي «في ذكرى العقاد» التي تحمل دلالتين رئيستين: الأولى استذكار لحقبة عمالقة الأدب الذين أسسوا لمشروع النهضة العربية المعاصرة، وفي خطابهم تجلت بذور الفلسفات التي تمخضت عنها مذاهب الأدب الكبرى، وقد اطّلعوا على كنوز الثقافة الإنسانية في نماذجها العليا، وهو ما يروق لكاتب وشاعر ومربٍّ أراد للأجيال التي تتلمذت عليه أن تحتفل بكل الذخائر الإنسانية في أرقى مدوناتها.الثانية: الوفاء والانتماء، فالشاعر يكتب هذه القصيدة وفاء لعلم كبير من أعلام الثقافة العربية المعاصرة بما أثر عنه من معارف موسوعية، وهو ينتمي إلى فلسفة العقاد في إحاطته الواسعة بمعارف تراثية وعصرية، وبما أحدثه عميقا في الأجيال التي تتلمذت على يديه.وليس من شك أن معرفة الشاعر بحقولها الدلالية المختلفة هي منبع الدلالة ومدخل الولوج إلى رحاب الرؤية لدى الشاعر، خصوصا إذا كان الشاعر ينتمي إلى المدرسة الرومانسية بتوجهها الوجداني التأملي، وهي المدرسة التي نهضت بالدور الرئيس في التعبير عن الحقبة التأريخية التي شهدت تفتح الوعي في عالمنا العربي، من هنا لا بد من الإشارة إلى أن الكلمات المفتاحية التي وردت في القصيدة ستكون المحور الأهم في مقاربة القصيدة والحديث عنها لأن من خلالها يكون الولوج إلى عالم رجا سمرين ورؤيته وفكره. هناك مفردات يمكن التقاطها بوصفها مدخلا للتعرف على ما يريد أن يبوح به الشاعر:الجلالة ثم العبقرية، وهي أسماء معانٍ مطلقة الدلالة قائمة على التجريد، وتمثّل من خلالها الشاعر جهود العقاد ودوره ومكانته، فالجلالة ذروة التوقير والاحترام، وقد يرى آخرون أن هذه مبالغة، ولكن للشعر سياقه الخاص، فالشعراء أمراء الكلام يصرفونه أنى شاءوا، والجلالة هنا يستشعرها بوعيه ووجدانه ورؤيته، وهي الدور الذي نهض به العقاد في مجالات متعددة، فهو رائد في نقده وشعره، ومؤسس للمدرسة الوجدانية في الشعر العربي التي استشرفت آفاق الرومانسية العربية من خلال مدرسة الديوان التي يتزعمها، وهو دور مهم في مسيرة الأدب العربي الحديث، وكلنا يعرف أنه جدد في لغة الشعر العربي من خلال ديوانه «يوميات عابر سبيل»، وله موقفه المستقل الذي يعبر فيه عن موقفه ورسالته حين خرج من السجن بعد اتهامه بالطعن في الذات الملكية بمصر تحت قبة البرلمان:“وكنت جنين السجن تسعة أشهر وها أنذا في ساحة الخلد أولدعداتي وصحبي لا اختلاف عليهم سيعهدني كل كما كان يعهد”.وظل على إصراره على هذه الرؤية بعد قيام ثورة يوليو في العام 1952، وثمة العديد من الوقائع التي تؤكد ذلك، وهو ما لا يتسع لذكره المجال في هذه العجالة.هذا الموقف من المواقف المبدئية التي تعبر عن إيمانه بالحرية، وهي تجسد دور العقاد المفكر صاحب العبقريات، وصاحب الصالون الأدبي الذي تربى فيه عدد من رموز الأدب، ومن منا لم يقرأ كتاب أنيس منصور “في صالون العقاد”، وكتاب عامر العقاد عن عمه العقاد، وكتاب شوقي ضيف “مع العقاد”، وكتاب رجاء النقاش “صفحات مجهولة من الأدب العربي الحديث”. لقد أحببت الوقوف عند الكلمة المفتاحية الأولى وهي (الجلالة) ورديفها (العبقرية) في مستهل قصيدة رجا سمرين عن العقاد، أيّ انسجام وفّره الشاعر بين الجلالة والعبقرية وأسمى وأبهى ومعانيها ومغانيها؟ تناغُم جميل ومبنى صيغة منتهى الجموع التي جاءت عليها مفردة الضرب والعروض في تصريع ضم قافية انتهت بإيقاع الهاء المتصل بحرف الألف المطلقة ومسبوقة بحرف المد، وهذا استهلال جامع في إيقاعه ومعجمه وكلمته المفتاحية.الفكر وربة الشعر، وهما مدخلان رئيسان لشخصية العقاد، لذا ذكرهما سمرين في البيت الثاني من قصيدته، فربّة الشعر عند الإغريق هي ملهمة الشعراء، والعقاد شاعر غلب عليه الاحتفاء بالفكر، ولهذا كانت شهرته بوصفه مفكرا هي الطاغية، والاحتفال به شاعرا يأتي في المرتبة التالية، وهذا ما جعله يقول: “وسائل الفكر من أعلى مراتبه” قبل أن يقول “وربّة الشعر من زكى مجانيها”، هذا الانسجام النصي من أهم ما امتازت به قصيدة سمرين، ومعروف أن الانسجام النصي والتماسك النصي محوران رئيسان في اللسانيات. ليس هذا فحسب، بل إن قصيدته تتسم بالتماثل في التراكيب النحوية حيث كان أسلوب الطلب الأمري الذي استهل به قصيدته متماثلا، يمثل الحركة الرئيسة في خطابه الذي رسّخ رؤيته الشعرية ومنحها هويتها المتميزة، حين قرنها إلى المفردات المطلقة الدلالة مجسدا لها في تعبير استعاري حيوي منح الصورة صفة مشهدية حوارية فضلا عن غنائيتها الوجدانية التي استنقذتها من مخالب التجريد. ومعروف -عند الأسلوبيين- أن الأساليب الطلبية عماد الغنائية ومبعث الانفعال، لذا تدفقت هذه الأساليب التي تفضي إلى غرض بلاغي معروف بالتمني، حيث مخاطبة غير العاقل، فاحتشد في خطابه الطلب والاستعارة في انسجام أسلوبي ينم عن تمكن واضح من ناصية البيان الشعري.الخصومة، ومعروف أن العقاد كان خصما عنيدا، له سجالاته الساخنة ومعاركه الفكرية التي خاضها مع أعلام الأدب في عصره: طه حسين، ومصطفى صادق الرافعي، الذي كان الأعنف في خصومته كما يتجلى ذلك في كتابه الشهير “على السفود”. وقد بدا رجا سمرين منحازا له مبررا لخصومته مع الآخرين، فشاعرنا يعده موجها لخصومه إذ يقول: “من كانت خصومته للفكر توجيها” فهو -في نظره- المعلم ، لذا كانت أبياته الثلاثة التي تلت الثلاثة الأولى حافلة بالتقرير، مباشرة ذات تراكيب نحوية منطقية اعتمدت على الجمل الشرطية في الدرجة الأولى، وإن لم تتخلَّ عن التصوير البياني الذي يتوسل بالصورة في خامتها البلاغية المتداولة، فهو منارة وهو طود شامخ.. وهي مرافعة تتكئ على أدلة ملموسة منطقية، فالعقاد كما يراه سمرين في قصيدته، لم يخضع للطغاة، ولم تلن قناته أمامهم، ولهذا جاء معجمه حافلا بالألفاظ الكونية الدالة على العظمة بوصفها حقلا دلاليا رئيسا: الفخر والنور والمنارة والطود الشامخ والحق والطغاة.سدرة المنتهى، وهي لفظة قرآنية تعزز الرؤية التأريخية لدور العقاد حيث ارتقى به إلى مرتبة عظيمة: “ماذا أعدّد في ذكراك يا قبساً من سدرة المنتهى في الأرض يحييها”.وهو إذ يجمل في الأبيات التي جاءت في القسم الأول من القصيدة، يفصّل في القسم الثاني مآثر العقاد محققا سمة التماسك النصي عبر منهج الانتقال من العام إلى الخاص، بعد أن يدحض دعاوى الخصوم، مستحضرا عبر المدخل التناصي بعض جوامع الكلم من الأمثال والحكم في قوله: “ما ضرها لو بغاث القوم أنكرها”، موظّفا المثل العربي “إن البغاث بأرضنا تستنسر”. وفي قوله: “هل ينكر الشمس إلا عين شانيها”، استحضار يعبر عن مرجعيات الشاعر ومصادره الكلية، وينسجم نصيا ودلاليا مع الدلالات الشاملة لهذه الرؤية.الإسلام: وهو يسترجع أعمال العقاد ومؤلفاته مشيرا إلى أنه قد نافح عن بيضة الإسلام بما قدمه من عبقريات، من هنا كانت لفظة الإسلام من الكلمات المفتاحية التي ظلت محورا خاصا بالعقيدة والهدى والعدل والخسف والضلالة والغي والرعية والراعي والقبس والهدى وآي الله، وما إلى ذلك من ألفاظ انتشرت في فضاء خطابه الشعري.الزمن واليوم من الكلمات المفتاحية في القصيدة، فالشاعر يغبط العقاد على بعده الزماني والمكاني عن حاضر العرب الذي يشهد التمزق والتفكك، فهو يهنئه، وهنا تتجسد المرارة التي تذكر الشاعر بالواقع المرير الذي كان والشعب الذي ينتمي إليه ضحية لما تمخض عنه.ثمة حقول دلالية أخرى لها مفاتيحها المتصلة بمعجمه الشعري، فالنوم واليقظة والخطوب والكلوم والأشاوس، وغيرها كلها تتصل برؤية الشاعر وتتناغم مع تشكيله الجمالي للقصيدة، وتلامس وجدانه وحسه بالمرحلة ورموزها ومتطلباتها.الندوة وعامر وكعبة البيان، فالكلمة المفتاح هي الندوة الشهيرة التي بدت مدرسة لجيل من الأدباء الذين تتلمذوا على يدي العقاد، وهي تمثل محطة تاريخية مهمة في ثقافتنا المعاصرة، لذلك عمد سمرين إلى ذكرها في قصيدته، وكان من الطبيعي أن يذكر معها عامر العقاد.وقد ظل في السياق الذي يكفل الانسجام والتماسك في النص الشعري، فالإطار اللغوي بقي في حقله القرآني والتراثي، وكثّف الشاعر يكثف المفردات الشعرية التراثية الشعرية القديمة: يعشي ، كاشح، وصب... ما يؤكد الانتماء إلى التيار الإحيائي في الشعر العربي الحديث.تتكون القصيدة من ثلاثة مقاطع: الأول يمثل فيه العقاد محور الغائب الحاضر الذي جرد فيه الشاعر المعاني والقيم التي يمثلها في فكره ووجدانه وفكر ووجدان جيله، وقد عبر فيه بضمير الغائب فكان الشاعر الفاعل الرئيس الذي يخاطب ويصف ويفسر، وهذه حركة أولى افتتاحية كان الصيغة الأساسية فيها صيغة طلبية أمرية: “حيوا” و”سائلوا” و”ناشدوا”، ابتدأت بها الأبيات الثلاثة الأولى على التوالي، وكان المخاطَب فيها الجمعَ المحتفين به الذين يمثلون أتباعه وتلامذته ومريديه. أما الحركة الثانية فكانت أدلة منطقية عززت طلب الشاعر وبررت الاحتفاء به، وكانت القسمة من حيث الكم والكيف عادلة بين الحركتين. وقد توزع الخطاب بين فواعل ثلاثة: المتكلم/ الأنا الشاعرة (رجا سمرين)، والمخاطبين (أنتم)، والضمير الغائب (العقاد)، فكان البيتان الأخيران حركة متفرعة من الحركة الثانية خاصة بالحديث عن العقاد.أما المقطع الثاني فالحركات التعبيرية فيه ثلاث: الأولى تمثلت في خطاب العقاد مباشرة في التفات بلاغي واضح. وقد جاء الخطاب بالضمير المفرد تارة، وبالجمع تارة أخرى، وقد كان المنحى السردي الذي يتوسل بالفعل الماضي منهج الشاعر في هذا المقطع من القصيدة، لأنه يروي مآثر الشاعر، وكلها يقع في الزمن الماضي بعد أن انتقل الشاعر إلى جوار ربه. وقد حاول أن يستقصي هذه المآثر، بدت الحركة الأولى في مستهل المقطع في التفاتة قوية: “ماذا أعدد في ذكراك يا قبسا” في البيت الأول من المقطع، “في عالم الفكر نعماكم مجللة” في البيت الثاني، وهذا الخطاب للغائب الراحل بلاغيا يكون للتمني، وهو استدعاء من عالم الغياب إلى عالم الشهود.أما الحركة الثانية في المقطع، فتتمثل في التفات آخر يسترسل في نفس سردي متصل مخاطبا العقاد في حضوره الشعري في القصيدة. أما الحركة الثالثة -وهي لا تنفصل عن الثانية- فتتمثل في الانعطاف في الخطاب من ذكر المآثر إلى تهنئة الشاعر بغيابه عن المشهد البائس الذي تعيشه الأمة، وهنا تتبدى المفارقة التي هي جوهر الفن بين الحضور المبتغى والغياب المستحب.أما المقطع الثالث فيمثل حركة واحدة ختامية تؤصل وتوثق للدور المفصلي الذي نهض به العقاد تاريخيا، وهو الندوة، لذا جاء امتدادا لسرد المآثر، فكان الخطاب بصيغة الحضور للغياب. المنهج التراكمي في بناء القصيدة يجعل من القصيدة وعاء تاريخيا، ولكن هذا البناء التراكمي ليس عشوائيا، بل ينم عن هندسة عفوية تنسجم من خلالها الصيغ والصور والدلالات، وتتنامى عبرها الرؤية، فالتراكم الكمي المقصود هنا هو الذي يحدث تحولا كيفيا في وجدان المتلقي، فلا يملّ بل يزداد وعيا وفهما، وهو تراكم يقوم على التكرار المقصود الذي يؤدي غرضا بلاغيا: “فلتبق دوما على الأيام عامرة بعامر” و”لتبق كعبة عشاق البيان” .تنامت القصيدة على طريقتها الخاصة ومن منطلقات صاحبها وقناعاته، فهو الذي اضطلع بمهمة الرواد الأول والذين اقتفوا أثرهم وساروا على منهجهم.رجا سمرين، الذي تداوله سمعي وبصري كاتبا وشاعرا وكاتبا في مطلع الشباب، في وقت كانت تزحم أسماعنا وأبصارنا فيه أسماء مهمة من أبناء ذلك الجيل الرائد الذي يفصله عن جيلنا ما يقرب من عقدين من الزمان، كان علما له حضوره، وله أثره البين مربيا وكاتبا وشاعرا. كان  يعاني، وكانت معاناته في شعره معاناة ذات طابع إنساني، وإذا كان من غير الممكن أن نفصل بين المعاناة الذاتية والمعاناة الوطنية، وبين المناخات التي كانت سائدة في تلك الحقبة التاريخية.. كان ابن عصره رومانسيا وجدانيا تضيق نفسه بما لا يطيق من زيف.من هنا كانت قصيدته “الهارب والأيام”، فكان شعره بوحا ذاتيا خالصا وتعبيرا ينسجم مع توجهات المدرسة التي مثلها العقاد متأثرا بما كان يعرف في الشعر الإنجليزي بمدرسة “النبوءة والمجاز” التي تحدث عنها محمد مندور في كتابه عن الشعر المصري بعد شوقي ووقف عند أعلام مدرسة الديوان وخصوصا العقاد، وعن القلق الذي كان يعاني منه بوصفه قلقا فكريا عقليا بخلاف المازني الذي وصف قلقه بأنه كان قلقا نفسيا وجدانيا. أما زميلهما الثالث شكري فقد جمع بين الأزمتين. وربما كان قلق رجا سمرين من النوع الذي كان يعاني منه العقاد، وهو القلق العقلي الفكري، وهو مبرَّر إذا عرفنا أن رجا لم يكن شاعرا فحسب؛ بل كان مربيا في الدرجة الأولى ومفكرا على نحو من الأنحاء، وسأحاول أن أتبين من خلال قصيدته “الهارب والأيام” بعض ملامح هذا القلق.تشكل مفردتا “المجهول” و”اللامعقول” كلمتين مفتاحيتين في القصيدة، وهو في بوحه الرومانسي يستخدم كلمات ذات دلالات عقلية محددة: “النور الأحمر”: “وهربت و ما زالت تجري خلفي الأيامتقذفني بالنور الأحمر”. فهو في حالة فكرية يقظة، فالأيام تذكي فيه الرغبة ولكنها تحذره وتصده، وتدفعه نحو المجهول واللامعقول، وتسلبه حلمه، هذا الإدراك الواعي يعبّر عن تلك النزعة التي مثّلت جانبا من جوانب الرومانسية التي بدأت تبرز في الشعر آنذاك، والشعراء يقفون حيرى أمام معطيات تلك المرحلة بما حفلت به من هزات اجتماعية واقتصادية وسياسية، وخصوصا مرحلة مقاومة الاستعمار والصهيونية، وما تمخضت عنه تلك الهزات من مخرجات، وما لابسها وتبعها من ارتدادات. لقد استبدت الأزمة الفكرية الوجدانية بأبناء ذلك الجيل في الوطن العربي الذي صدمته خرائط سان ريمو، وسايكس بيكو، ووعود بريطانيا وخذلانها، وكان رجا سمرين من شهود تلك المرحلة بامتياز.ثمة هندسة عقلية في القصيدة تتم عبر اختيار الفعل المضارع بوصفه سيد المشهد وصانعه، تبدو فيه الذات منسوبة إلى فعل الهروب، وهو الفعل الماضي الوحيد الذي تكون له الذات الشاعرة فاعلا، ويأتي الفعل الماضي الثاني (وما زلت) مؤكدا لاستمراريته، بينما يقع في موضع المفعول لبقية الأفعال:“وهربت وما زلت تجري خلفي الأيام”..“تجري تقذفني تلهبني وتدفعني وتبدد وتشد”.. هذه الأفعال كلها منسوبة إلى الدنيا، والشاعر في موقع المطارَد الذي يحاول أن ينفلت من عقال تلك التي تتربص به ماضيا في طريق الخلاص، لكن ثمة من يقطع عليه الطريق ويحرمه من اللّواذ بأكناف الأمن، وهو هنا يستخدم المجردات الذهنية محاولا تمثيلها تمثيلا رمزيا قريبا في مشهد متحرك، فرضاعة النيران من ثدي الهولة في مقابل برد الأشواق أمثولة رمزية واضحة المعالم، وهذا المشهد برمته ذو طابع رمزي يعبر عن نزعة عقلية شديدة الوعي تشدنا إلى ما عرف به هذا الجيل من مكابدة لأهوال المرحلة التاريخية التي عاش فيها، وهذا يذكرنا بالعقاد ونزعته العقلية قي شعره حيث التعبير عن الأزمة العميقة التي عبرت عنها الحركة الشعرية الرومانسية في بواكير ظهورها كما عبرت عنها مدرسة الديوان بزعامة عباس محمود العقاد.لكن اللافت هو استثمار الشاعر تقنية السرد والوصف معا وتقنية الحوار أيضا، ولم يكن الوصف المشهدي وحده ليفي بغرض التعبير عن التحديات التي انتصبت في وجه انبثاق الذات على المستويين الفردي والجماعي فكان السرد الدرامي بديلا عن الأسلوب الغنائي، من هنا كان سمرين على المستوى الفني مواكبا لنمو الفن الشعري الذي نهضت به جهود الديوانيين التي تناغمت مع ما أفضت به المدرسة المهجرية. لقد عبر شاعرنا عن ذلك كله حين عمد إلى أسلوب البناء المقطعي في قصيدته السابقة، فقدم ثلاث لوحات في ثلاثة مشاهد: الأولى تمثيلية رمزية، والثانية سردية انتقل فيها من موقع المطارد من الأيام إلى موقع اللائذ بكوخه الأصفر في القرية متواريا عن أنظار الآخرين، متهما بالجبن من قبل الأصدقاء الذين كانوا يراقبون المشهد ساخرين من جبنه، وهذه اللوحة تمثل ذروة الأزمة حيث ينحي عليه أصدقاؤه باللائمة، طالبين منه العودة واطّراح الخوف جانبا. لكنه يعود ليدور في الحلقة المفرغة نفسها حيث الهولة وثديها الذي يُرضع اللهب. ثلاث لوحات شعرية قدمها رجا سمرين في قصيدته، بدأت بالهروب من مواجهة ما أسماه “الهولة” التي قطعت عليه الطريق وطاردته وأجبرته على تجرع كأس المعاناة والعذاب، وانتهت إلى شاطئ اليأس وانتظار الموت، وهي أمثولة رمزية محكومة بفكرة، ولكنها تجسدت في البناء المقطعي المشهدي الذي يعتبر شكلا جماليا حديثا يدل على إدراك الشاعر ودوره الريادي في الحركة الشعرية على مستوى الوطن.إنه يعبر عن لحظة تاريخية تعثرت فيها الذات الوطنية والذات الخاصة، وبدا العجز واضحا عن تحقيق الذات الفردية والوطنية، وقد عبر عن ذلك كله من خلال شعره.يمثل  رجا سمرين وعيا تاريخيا وطنيا يستلهم الدور الذي قام به جيل العمالقة من أمثال العقاد وأبناء جيله في تعبيرهم عن المأزق التاريخي الذي مرت به الأمة عبر التيار الأدبي الرئيس الذي كان تجسيدا لهذا المأزق، وهو التيار الرومانسي.ومهما يكن من أمر، فإن سمرين يمثل رمزا أدبيا وثقافيا وتربويا لجيل من الرواد الذين حفروا في صخر المعاناة، ليفجروا ينابيع العطاء فقاموا بدورهم التاريخي في استنبات الوعي، وتأصيل الثقافة، والإسهام في تكريس تقاليد حضارية راسخة في مجتمعنا. فكان البعد التربوي الأهم في مسيرتهم، فضلا عن تغذية الروافد الأدبية الجمالية التي مهدت لظهور جيل الشعراء المعاصرين الذين رفدوا القصيدة العربية بأعذب وأروع الأنغام، ثم قاموا في مرحلة تالية بالتأسيس لبروز القصيدة العربية بجمالياتها المدهشة.