صدر العدد الرابع من مجلة «دابق» التي يصدرها تنظيم داعش باللغة الانجليزية . على غلاف العدد الجديد صورة ملونه لعلم التنظيم يرفرف فوق مسلة اعتقد انها مسلة «ساحة الشعب» في روما ، وهي الساحة التي يجتمع فيها انصار الفاشية في العاصمة الايطالية عادة . وعلى الصورة عنوان عريض يقول « فشل الحملة الصليبية « . وفي اسفل الغلاف عنوان آخر يبشر باقتراب الساعة .
واختيار صورة غلاف المجلة تحت هذا العنوان يعني ان الهدف الاستراتيجي لداعش تجاوز الحدود الاقليمية ليشمل روما عاصمة المسيحية الكاثوليكية ومرجعيتها الدينية . اي ان حرب داعش تجاوزت اسقاط النظام في سوريا والعراق فقط ، وأن عقيدته «الجهادية «اصبحت تمثل تيارا امميا ، وهو ما يزيد المشهد غموضا ، خصوصا مع غياب قضية فلسطين والاحتلال الاسرائيلي للقدس عن برنامج هذا التنظيم ومجلته ايضا .
وفي الوقت الذي يحاول كثيرون من المتابعين حل طلاسم هذا المشهد الذي بدأ يتشكل منذ احتلال العراق ، نرى ان المشهد يزداد تعقيدا في ظل تصاعد الاشتباك وتزايد اطرافه وفرقه ، وتسارع التطورات باتجاه خروج الامور عن السيطرة والاحتواء ، وباتجاه منح الارهاب الجنسية العربية والاسلامية . وربما القصد من كل ما يحدث على ارض الواقع العربي هو الغاء الدولة المدنية في البلاد العربية والاسلامية ، وتمكين التنظيمات والمؤسسات الدينية من اقامة انظمة دينية على انقاض الدولة المدنية .
واللافت ان المبالغة في التعصب للشعارات الدينية ، والافراط في ممارسة العنف والارهاب وانتهاك حقوق الانسان امام عدسات التصوير ونشر الصور عبر وسائل الاعلام ، واعلان الحرب الدينية ، كل ذلك يهدف الى ايقاظ التعصب الديني الدفين في نفوس مسيحيي الغرب الذين قرروا في زمن مضى الخروج من القرون الوسطى الظلامية بفصل الدين عن الدولة ، وهو القرار التاريخي الذي حقق لتلك الشعوب كل هذا التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي .
وعندما نقف امام هذا الواقع الجديد الذي يتشكل باسلوب تجريدي غامض يجب ان نعيد التفكير والانتباه جيدا لمعناه ومغزاه ونتائجه . واذا عدنا الى البدايات ، سنتوقف كثيرا عند حقيقة واحدة لاغير ، وهي ان هذا الطوفان الذي وصلنا عبر الربيع العربي ، هوالذى خلق هذه الفوضى الاقليمية ، او الزلزال ، الذي هدم كل شيء باسم الحرية والديمقراطية والاصلاح ، واخطر تداعياته هو الدعوة الصهيونية لاقامة اسرائيل دولة دينية يهودية ، وهي الدعوة التي ظهرت قبل ، او بمصاحبة ، تنامي التيار السياسي الديني الاسلامي المتعصب ، وظهور الحركات المتشددة التي تمارس العنف وتعتز به .
وما نخشاه اليوم هو ان تؤدي الحروب الدينية والطائفية في المنطقة الى نتائج لم تكن بالحسبان ، واقصد الخشية من ان يقوم هذا التوحش والتعصب ، والشعارات الدينية الانتقامية الاستفزازية ، باعادة احياء النوازع الدينية والتعصب الديني عند الشعوب المنتمية الى اديان اخرى في الشرق والغرب ، وبتحريض اعلامي غربي مدروس ، من اجل خدمة المشروع الصهيوني باقامة « اسرائيل دولة يهودية « ، خصوصا بعد انتكاسة التيار العلماني في اسرائيل ، وانتقال الجمهور اليهودي الاسرائيلي برمته نحو اليمين المتطرف . كذلك من اجل اعادة رسم خريطة وحدود دول المنطقة على قاعدة الفوضى الخلاقة ، التي وضعت خطوطها واشنطن ويتم تنفيذها بادوات عربية واسلامية ..