عالمية اللغة العربية

عالمية اللغة العربية

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 24-10-2014

د.بسمة أحمد صدقي الدجاني

بعد خمسة عشر عاماً في مجال تعليم اللغة العربية للمبتدئين من أبناء الألسنة الأخرى، والشعور بالإنجاز يزداد كلما وصل أحدهم لمستوى التعبير البسيط عن نفسه محادثةً وكتابةً بهذه اللغة التي تُواجَه بصعوبتها سواء من أبنائها أو من مُتعلميها.
شعور مشابه ولكنه مختلف رافقني مؤخراً خلال تجربة تدريس طلبة برنامج الماجستير في اللغة العربية من أبناء الناطقين بلغات أخرى.. فكانت تجربة عميقة عشتها خلال تدريس مادتين في الأدب العربي في رحاب كلية «مدلبيري» لتعليم اللغات في مقرها الصيفي في ولاية كاليفورنيا الأميركية.
كان هذا هو الصيف الثالث من عُمر برنامج الماجستير في اللغة العربية وآدابها المستحدَث في هذه الكلية المُتميّزة في تعليم اللغة العربية في الولايات المتحدة الأميركية. وسعدت كثيراً بتفاعلي مع الطلبة الذين وصل عددهم إلى خمسة وعشرين طالباً وطالبة من قوميات مختلفة من بينها الأميركية –الغالبة- والأوروبية والآسيوية والإفريقية والعربية.
لقد شهدتُ قدراتٍ هائلةً عند الطلبة في المناقشة المستمرة لثلاث ساعات يومياً على مدار ستة أسابيع من المحاضرات -هي عمر البرنامج- والحوار المكثف على مدار اليوم في الصف وخارجه باللغة العربية الفصيحة في موضوعات أدبية صرفة ومحاور ثقافية عامة يُعبّرون بها عن أفكارهم وذواتهم خير تعبير ليتنافسوا مع أبنائها في القاعة، وليثبتوا تمكّنهم منها، وليدحضوا المقولة الشائعة بصعوبتها.
استردّت لغتنا العربية بعض مجدها في أقاصي غرب الكرة الأرضية في مدينة أوكلاند المجاورة لسان فرانسيسكو المُطلّة على المحيط الهادي في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وتم التداول بها على ألسنة ثلاثمئة شخص ما بين طالب وأستاذ في ربوع كلية مِلز الجامعية ولمدة ثمانية أسابيع كاملة. فيا لها من تجربة تعيشها مع دخولك الحرم الجامعي الذي يُشبّهُه كلُّ من يدخله بمنتجع سياحي من الدرجة الأولى لجمال طبيعته الخلابة ولخصوصيته العلمية الراقية، فهو مكان الدراسة والإقامة والتفاعل والتعايش بين هؤلاء القادمين من أنحاء مُختلفة في العالم الراغبين بتعلّم اللغة العربية وثقافة الحضارة العربية الإسلامية.
ويدرك من يلتحق بهذا البرنامج أن عليه الالتزام (بحسب تعليمات «مدلبيري») بالحديث باللغة العربية طوال وقت تواجده بالبرنامج وعلى مدار الفصل الدراسي، ويجب تعلمها والالتزام بها واحترامها وفهمها بغاية التواصل الإيجابي في حينه. وما أجمل رؤية الطلبة في برنامج المستويات اللغوية المختلفة ما بين المبتدئين والمتقدمين بألوانهم المختلفة وجنسياتهم المتعددة وهم يتواصلون ويُعبّرون عن أنفسهم في الصف وفي الطريق وعلى موائد الطعام بالعربية بسلاسة وتلقائية.
نجحت إدارة المدرسة العربية في كلية مدلبيري بتقديم اللغة العربية في أبهى صورها وتعليمها بفصاحتها المشهودة لها بين لغات العالم وبلهجاتها المتباينة بين الخليج والمحيط، فاستقطبت طلبةً يشهد لهم المرء بتميّزهم بعد ما رأى منهم، وما قدّموه من إبداع في الكشف عن مواهبهم تعليمياً وفنيّاً.
فمَن يستمع لأدائهم الشعري والغنائي وللقصائد التي ابتدعوها وكتبوها باللغة العربية، ومَن يرى عبقريتهم الفنية في إخراج أفلام تسجيلية قصيرة لما عاشوه وعايشوه خلال الشهرين، ودقة ملاحظاتهم لخصائص لغتنا العربية وإداكاهم لخصوصيتها، يشهد أن ما يقوم به مدير المدرسة العربية والمدرسون الذين اختارهم بفطنته وخبرته ويزيد عددهم على الأربعين من أنحاء الوطن العربي المختلفة، ومن المتخصصين في اللغة العربية من أبناء الثقافات الأخرى (من بلغاريا والصين وإيران) لشيء فريد في إعلاء صوت اللغة العربية ودحض ما يُشهّر عنها من صعوبتها هنا وهناك.. وما أجمل تعايُش الأساتذة والطلبة مع الجو الرمضاني الحقيقي في تلك البقعة على مائدة الإفطار اليومية، واحترامهم للمظاهر المرافقة للشهر الكريم.
لقد كتبتُ قبل ثلاث سنوات عن تجربتي الأولى أستاذةً زائرة لذلك المكان وتقديمي محاضرةً عن الحب في الأدب العربي لطلبة البرنامج العام في المدرسة العربية، وعبّرت عن مدى إعجابي بما رأيت وما سمعت من الطلبة وسعادتي بالمشاركة لأسبوع أنا وأسرتي، إلا أنني الآن وبعد خوضي التجربة بصورة كاملة وأعمق، أحببت أن أنقل شعوري بالتفاؤل لمستقبل لغتنا العربية حين ننجح في نقلها لأبناء الثقافات الأخرى...
كل ما علينا هو إدراك الهدف الرئيس من تقديم اللغة العربية للآخر، والتخطيط السليم لأساليب تقديمها بحيث تشمل أساليبنا تقديم جرعات مستمرة من أوجه ثقافتنا العربية والتحدث عن أعلام ومفكرين كبار من أبناء حضارتنا العربية، لأن معظم أبناء الحضارة الغربية الدارسين للعربية ملمّون بأعمال قامات كهذه. فلربما يمكننا حينذاك إعادة هيبتها لأبنائها، واسترجاع ثقتهم للتواصل بها، بين بعضهم بعضاً، وبينهم وبين من يرغب بتعلمها.
وسعدتُ بمشاركة زوجي لي التجربة كأستاذ زائر بتقديمه محاضرة عن دور العلوم كواصل بين الحضارات من خلال التركيز على ما قدمته العلوم في الحضارة العربية الإسلامية للحضارات الأخرى، واستمتاع الطلبة بمعرفة تاريخ أبرز علماء حضارتنا في عصور التألق في تاريخنا.. كما شارك أبنائي في التجربة بتفاعلهم مع الطلبة والتحدث إليهم باللهجة الشبابية المحكية، وإدراكهم حرصَ الآخرين على تعلم هذه اللغة الجميلة التي لها مكانتها بين لغات العالم في عصرنا هذا.
هذه شهادة مني لطلبتي في مادة «التواصل الأدبي في الحضارة العربية الإسلامية» وفي مادة «المرأة في الأدب العربي»؛ بمدى المستوى الرفيع الذي ارتقينا أنا وطلبتي إليه في المناقشات اليومية معهم، ومدى الفائدة التي جنيتها من التفاعل معهم وتبادل المعلومات ومعرفة جوانب جديدة عليّ من ثقافاتهم وتخصصاتهم وعوالمهم الواسعة..
صحيح أني قضيت ساعات وساعات خلال شهر رمضان الكريم في الاستعداد للمواجهات الفكرية الدقيقة، بعد أن حفّزوني واستفزوا رغبتي في تبادل الأخذ والعطاء فكرياً وعلمياً، لكنه هو ذلك العالم الذي يجذبني ويعجبني أكثر من غيره... عالم المعرفة. فما أروع مناقشة تفاصيل أهم الأحداث التاريخية للدولتين الأموية والعباسية معهم، والاستماع لما حفظوه عن المتنبي وأبي العلاء المعري، والبحث في أسباب التقدم العلمي والثقافي خلال العهد العربي الأندلسي، وتتبعهم الفكري لدور الأدباء في التواصل الثقافي بين الأمم.
كما استفدت كثيراً بمناقشتهم في عولمة اليوم ودور المستشرقين بتحليل وجهتَي النظر لكل من إدوارد سعيد في كتابه «الاستشراق» الذي فعل فعله في الرأي العام الأميركي وصمويل هنتنغتون وكتابه «صدام الحضارات» الذي نعيش بعض ظواهره، ولتحليلهم لمصطلح «الحضارة».
واستمتعت كثيراً بنقدهم الأدبي لرواية «الأسود يليق بك» لأحلام مستغانمي، والتعرّف إلى مدارسهم في النقد، وما يلتفتون إليه وما يشدّهم في النص الإبداعي، ومن ثم اختبارهم فيها وقراءة تحليلاتهم باللغة العربية الواضحة.
كم يدرك المرء عظمة الكلمة الأولى في الآية الأولى في التنزيل الحكيم «اقرأ»، ولعل ما اكتسبتُه في هذه التجربة من قراءة ومعرفة وتواصل مع الآخر إشارة إلى عظمة «اقرأ».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }