د.عماد عبدالوهاب الضمور
شغل المكانُ الفكر الفلسفي والجمالي والنقدي، فهو واحد من محفّزات الفكر، ودائرة مهمة من دوائر المعرفة الإنسانيّة، يتسع فيه الخيال تارة، ويضيق تارة أخرى، مؤسساً لفكر انبعاثي، ومعبراّ عن الذات الإنسانية بهمومها وأحزانها.
لقد جذبت خصوبة المكان كثيراً من الشعراء إلى تصوير هذا المكان بأبعاده الواقعية، ومنهم من سعى إلى خلق عوالم مكانية متخيلة تقوم على أنقاض الواقع، وتستمد منه ما يخصّب النص الشعري بالرؤى والأفكار، ممّا ينسجم مع وظيفة الفن القائمة على إبداع أشكال قابلة للإدراك الحسي، إذ يتشظى المكان ويتسع بشكل لا شعوري، ليرتبط بشخوص وأحداث تُسهم في التأسيس المكاني في النص الشعري، الذي «لا يتحقق إلا من خلال عدد من الخروقات للمكان الواحد، أو الأمكنة المتنوعة، سواء أكان انتقالاً مكانياً ملموساً أم كان متخيلاً، فالمكان يشكل تمركزاً لإرهاصات الشخوص، وانعطافاً للأبنية الذهنية لهم، وبذلك يحقق المؤلف التأسيس الجمالي للمكان» (1).
ولعلّ تعدد رؤى الحداثة الشعريّة، وبواعثها الوجدانية، جعل من حضور المدينة في النص الإبداعي أمرّاً حتمياً لا يمكن تجاوزه، إذ أصبح «الباعث عليها، والمرسّخ لها، هو مدى ارتباطها بتغيير المجتمع من أوضاع الاستغلال والإلغاء إلى حالة من الاطمئنان والإبداع، حيث يكون الوطن بيتاً نأوي إليه، لا سجناً نُقذف فيه» (2).
إنّ الشعر الأردني الحديث غني برؤى المكان المتحفزة، إذ عكس هذا الشعر حالة عشق خاصة مع أمكنة ملهمة، شكّلت حضوراً واضحاً في مضامين القصائد الشعريّة. ومدينة عجلون إحدى مدن الأردن الحاضرة في الشعر الأردني، فهي ذات إرث حضاري خصب، شكّل معيناً لا ينضب للشعراء، وقلعتها شاهدة على ذلك، إذ لعبت قلعة الربض دوراً مهماً «في صدّ هجمات الصليبيين ومنعهم من التوسع في بلاد المسلمين، وقد بُنيت هذه القلعة في موقع استراتيجي، كي تحكم سيطرتها على كلّ المنطقة الواقعة بين بحيرة طبرية والبحر الميت، ولتكون في مواجهة قلعة كوكب الهواء المواجهة لها عبر نهر الأردن، وكانت أيضاً مركزاً مهماً للحمام الزاجل» (3).
لقد تجلّى هذا الإرث الخالد لعجلون في شعر مصطفى وهبي التل (عرار) الذي يقف إكباراً أمام تاريخ المدينة العريق، ممّا جعلها تسمو في وجدانه، لتبعث ماضيها من جديد، وتزدهي بأهات المحبين، حيث يقول في قصيدته «تأوهات» (4)»
«آهاً وواهاً على أيامي الأولِ
وليتَ آهاً تطفّي جمرةَ المُقلِ
إنّي لطالما كذبتُ من رجلٍ
يقولُ لي: إنّما الأيامُ كالدولِ
حتى رأيتُ بأمِّ العينِ فعلتَها
وبتُّ ناءٍ (؟؟) عن الأعمامِ والخولِ
في أرضِ جلقَ لا خدنٌ يؤانسني
ونصبَ عينيَّ عجلون تخيلُ لي
كأنّها غادةٌ، أيدي الرّبيعِ لقد
أهدت لها حلةً من أبهجِ الحللِ
خضراءَ ذات بهاءٍ والربيعُ غدا
يميسُ تيهاً بها كالشاربِ الثّملِ
وإنّني واقفٌ فيها أطارحُها
نجوى الغرامِ بالتحديقِ والزجلِ
فإن يناديني صوتٌ قمتُ منذعراً
فينقضي الحُلمُ، والأحلامُ لا تطل».
فالشاعر يستحضر مدينة عجلون في بعديها التاريخي والوجداني، فهي مظهر لحالة عشق متجددة، وحضارة موغلة في القدم، شاهدة على عظمة تاريخها، لذلك جاء تشبيه عجلون بـ»غادة تزدهي ببهاء الربيع» تعبيراً عن طبيعة المدينة الجميلة، وما تحتضنه من جمال.
ولعلّ الرؤيا الرومانسية التي بثها الشاعر في نصه، جاءت محافظةً على خصب المدينة الفكري ونبضها الوجداني، إذ نلمس نزوعاً رومانسيّاً حالماً في خطاب المكان، ورغبة جامحة من الشاعر بالاتّحاد في جزئياته.
وهكذا تظهر عجلون بصفات المكان الملهم، الذي يخرج من صورته الجامدة؛ ليتحوّل إلى طلل يمدّ الشعراء بخيال خصب.
إنّ توظيف عرار لمظاهر الطبيعة في نصه الشعري، جعل المكان أكثر قدرة على تجاوز بعده التاريخي إلى أبعاد جمالية تُرسّخ من حالة الانتماء لتراب الوطن، إذ حلّت الطبيعة بديلاً لتمظهرات المكان الجغرافية، ممّا أكسب الشاعر قدرة على الالتحام بالمعشوق.
وما مجيء عجلون في صورة الغادة الحسناء إلا ترسيخ لصورة المرأة المعشوقة في الأدب العربي، إذ تتداخل المرأة بالمكان في علاقة متماهية مع الأرض، بوصفها فضاء للخصوبة والإنبات، ومصدراً للهناء. وفي قصيدة عرار «مالي وبرفين» تحتفظ عجلون بأنوثتها، إذ يذكر فتياتها الجميلات في قوله (5):
«إنّي كما قلتِ من رثت صبابتُهُ
ومَن تقاعدَ لا دُنيا ولا دينا
فلا أوان سُ وادي السّير تذكرني
ولا الكواعبُ في أرباضِ عجلونا».
إنّ هذا التواصل الوجداني مع ساكني المكان دليل واضح على مقومات المكان الجمالية، وما يمكن أن يضفيه المكان على ساكنيه.
ونجد عجلون في شعر نايف أبو عبيد مدينة استثنائية، لا يوازيها مكان آخر، لذلك صوّرها الشاعر بلغة مشبعة بالحبّ، تختزل جميع النساء، وتنفرد بحكايا العشق الخالدة، كما في قصيدته «عجلون» التي يقول فيها (6):
«مهما تغرّب عن دنياكِ ظل له
في معبد العشق رمزُ السحر عجلونُ
وحقّ عينيك يا حسناء ديرتنا
ما غادر البال لزّابٌ وزيتونُ
ولا مع الفجر غنّت لحنَ مدنفةٍ
يمامةٌ ساقها للبوحِ طيّونُ
ولا تنفّس صبحُ الله فوق ربى
كسا مَفارقَها نورٌ ودحنونُ».
إذ تظهر عجلون بوصفها بؤرة إيحائية، تمارس فعل الامتداد الروحي، والانتشاء العاطفي وفق رؤية جمالية تبوح بما تختزنه من حبّ لعاشقيها، بعدما أظهرت طبيعتها الأنثوية أنّه لا يليق بها إلا الحبّ.
وعجلون حاضرة في الشعر الأردني بحضور شهيدها فراس العجلوني الذي احتلّ موقعاً متميزاً في قصائد الرثاء، حيث كان أوّل المُغيرين على المطارات الإسرائيلية في الخامس من حزيران، فكان استشهاده الخالد،» إذ استعادته قصائد لشعراء أردنيين في غمرة زمن جثمت فيه النكسة على صدور الناس، الذين تكسّرت أحلامهم القومية، والوطنية في تحرير فلسطين» (7).
لقد نسج الشعراء من تضحيات فراس العجلوني حكايات خالدة، تذكرها الأجيال، وتتبع خطاها؛ لأنها تنبع من روح الأمة، وعبق ترابها، وتتصف بالعنفوان، والصمود.
وهذا ما جعل الشعراء يسعون إلى صياغة ملامح تجربة قوية بين المكان، وفقيده، إذ يتحدان في علاقة أزليّة عنوانها الوفاء، وجذورها الانتماء، فيحمل المكان ذكريات الشهيد، وأحزانه المتجددة، حيث يقول خالد محادين معرّفاً بالشهيد فراس العجلوني، ومبرزاً بلدة عنجرة في بطاقة التعريف، جاعلاً منها مكوناً مهماً لشخصية الشهيد الانبعاثيّة (8):
«لربما أطلتُ يا بعيدتي فمعذرة
أعودُ من جديد
لفارسٍ من عنجرة
في ليلة سيُتْعبُ الجفونَ يا بعيدتي النعاس
يمطرُ السكونَ ليلةَ بكاءِ طفلنا الوليد
فسمِّه بعيدتي فراس».
إذ أسهم فعل الشهادة في تحوّل دلالة المكان، وجعله أكثر إشراقاً، وبخاصة أن «الشهيد من العناصر التي عقدت صلحاً بين الشعراء، والمدينة؛ لما يجمع بينها من رمز سياسي، يستقطب مشاعر الشعراء» (9).
لذلك يجعل خالد محادين من حادثة استشهاد فراس العجلوني قصة لا تُنسى، فيحدّث طفلته عنه باعتزاز، حيث يقول(10):
«فقد قرأتُ يا بعيدتي حكايةً عن فارسٍ من عنجرة
حكايةٌ ما مثلُها العجب
هل مرّة رأيتَ كيفَ يُزرع الدحنون
ويزرعُ الرصاصُ واللهبُ
في مقلتين».
أمّا حبيب الزيودي، فيصوّر حادثة تحطم طائرة فراس العجلوني جاعلاً منها نسراً يهبط على الأرض، ليخطّ في ذاكرة العروبة معاني التضحية والفداء، ويحمل أماني الوطن وأحزانه؛ لتنمو بين ذرات التراب، حيث يقول (11):
«نهارٌ من النارِ
غطّى القتامُ جراحي
وحطّ على الرملِ نسرٌ قتيلٌ
يخبئ في قلبه برتقالَ أريحا
وينثرُ آذارَ فوقَ جِبال الكركْ».
ولعلّ في استخدام الشاعر للفعل (حطّ) تعبيراً واضحاً عن شموخ هذا النسر وعنفوانه، فهو يحتضن الآخرين تحت جناحيه، ويبعث في الأرض الخصب والحياة.
وهذا ما يجعل البعد المكاني مكوّناً مهماً في العملية الإبداعية، تنتقل به من كونه عالماً ملموساً إلى أبعاد ذهنية، يُبدعها الفنان برؤاه الاستشرافية، وهذا يعني «أن العمل الأدبي حين يفتقد المكانية، فهو يفقد خصوصيته، وبالتالي أصالته» (12).
الهوامش:
1 ـ منصور نعمّان الدليمي: المكان في النص المسرحي، دار الكندي للنشر والتوزيع، إربد، 1999، ص59-60.
2 ـ محمد بنيس: حداثة السؤال، ط2، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 1988، ص186.
3 ـ محمد علي الصويريكي الكردي: الأردن في أشعار العرب، منشورات وزارة الثقافة، الأردن، 1988، ص68. نقلاً عن يوسف غوانمة: التاريخ الحضاري لشرقي الأردن، ص85. ومصطفى الدباغ: بلادنا فلسطين، ج1، ص465، وص431.
4. مصطفى وهبي التل: عشيات وادي اليابس، تحقيق د.زياد الزعبي، وزارة الثقافة، 2007، ص557.
5 ـ المصدر نفسه، ص516.
6. نايف أبو عبيد: نشيج القوافي، دار الكرمل، عمّان، 2002، ص104.
7. خالد الكركي: حماسة الشهداء (رؤية الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث)، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ودار الفارس، عمّان، 1998، ص281.
8. خالد محادين: الأعمال الشعريّة، منشورات مكتبة عمّان، د.ت، ص76.
9. مختار علي أبو غالي: المدينة في الشعر العربي المعاصر، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1995، ص255.
10. خالد محادين: الأعمال الشعريّة، ص73.
11. حبيب الزيودي: ناي الرّاعي، أمانة عمّان الكبرى، 2002، ص137.
12. جاستون باشلار: جماليات المكان، ترجمة غالب هلسا، دار الجاحظ، بغداد، 1980، ص42.