«قاموس العادات» للعزيزي.. مرجع تراثيّ لغويّ خالد

«قاموس العادات» للعزيزي.. مرجع تراثيّ لغويّ خالد

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 8-8-2014
-
-

د.سهى فتحي نعجة

البحث في اللغة بحثٌ في الإنسان نفسه، فهي التي تؤسّس فكره، وترصد سلوكه، وتخلّد منجزاته، وتدوّن تراثه، وتعبّر عن مواقفه وانفعالاته وأحاسيسه، وتنقل تجربته إلى الأجيال.
والبحث في اللغة بحثٌ في المجتمع؛ فهي مفتاح الإلف البشريّ، وأسّ التّفاعل الاجتماعيّ، وبوّابة الولوج في النّشاط الإنسانيّ بتجلياته المتنوّعة وبتفاصيله الدّقيقة.
واللغة والمجتمع في جدليّة دائمة دائبة، فكلاهما يستمدّ ديمومته وزواله، نشاطه وخموله من الآخر، ولا مكنة بالقول في لغةٍ تحيا دونما مجتمع يتعاطاها ويرتكز عليها في أدائه التّعبيريّ الوظيفيّ الحياتيّ اليوميّ.



وقد أدرك روكس بن زائد العزيزيّ بتبصرّه الدّائم في اللغة العربيّة عامّة، ولهجة الأرادنة خاصّة، اجتماعيّةَ اللغة، وأنّ الإنسان لسان، وأنّ لسان المجتمع هُويّته المحليّة والإقليميّة، وأنّ اللهجة عرضةٌ للتّغير والانحراف تبعاً للمؤثّرات السّياسيّة والاجتماعيّة والحضاريّة والثّقافيّة في المجتمع، وأنّ للهجة الأرادنة نظاماً صوتيّاً وتركيبيّاً وصرفيّاً وبعداً دلاليّاً يجعلها أقرب اللهجات إلى العربيّة الفصحى، وأنّ الحضارة الحديثة تزحف على تراثٍ فيه قيمٌ عظيمة جدّاً، فأخذ على عاتقه مسؤوليّة توثيق لهجة الأرادنة فوضع كتاب «قاموس اللهجات والعادات والأوابد الأردنيّة» فوثّق به حياة وطن.
في «القاموس» تتعالق المادة اللغويّة (المدخل المعجميّ) بإضاءات أدبيّة اجتماعيّة جغرافيّة تاريخيّة تأريخيّة شعبيّة قصصيّة نفسيّة عقديّة سياسيّة حول مجتمع الأرادنة؛ بادية وقرية وحاضرة، بأسلوب سرديّ شائق مكّنته من الرّيادة في حقل الدّراسات اللهجيّة الموسوعيّة ولا سيّما عالميّاً؛ إذ اعتُمد للتّدريس في جامعة «يوتا» في أميركا، و»باث» في بريطانيا، و»السّوربون الجديدة» من قِبَل د.سلمى الخضرا الجيّوسيّ ود.صفاء خلّوصي ود.يوسف شلحد رئيس مجلس السلالات البشريّة في باريس، الذين أبدَوْا كما أبدى غيرهم إعجابهم بالمنهجيّة النّقديّة في صناعة المعجميّة التي جمعت بين الأصالة والمعاصرة في آن، ففي «القاموس» نفَسُ اللغويّين الأقدمين عرضاً وتحليلاً، ورؤية المعاصرين تبويباً.
وأنْ يصنّف العزيزيّ معجماً في اللهجة المحكيّة (العامّيّة) في بلده، وأن يحاول تجسير الهُوّة بينها وبين الفصيحة بمحاولة تأصيلها لغويّاً، خطوة جريئة فريدة محفوفة بالمخاطر في زمانّه، لكنّها لو لم تُخْطَ لضاع الكثير الكثير من تراثنا، ولصرنا ننازع غيرنا حول مَن منّا الأقرب إلى الفصحى؟
لقد حصد «القاموس» بصدور طبعته الأولى -وما يزال- شهادات تعزّز ريادته لهجيّاً، وترسّخ تَضَلُّعَ العزيزيّ في ميدان الدّراسات اللغويّة المعجميّة الاجتماعيّة.
ومن هذه الشّهادات قول العلاّمة يوسف أسعد داغر: «لا شكّ أنّ هذا القاموس بحر زاخر من الفلكلور في الأردن، وسيحفظ للأجيال المتعاقبة شروحاً وافية لكثير من مفردات اللغة الشعبيّة، وما إلى ذلك من مختلف اللهجات والأوابد والعادات الأردنيّة في قرى الأردن وصحرائه ومدنه على السّواء. وهو مرجع أصيل سيعوّل عليه الباحثون في مجال الأدب: شعراً ونثراً ودراسة العادات. وسدَّ صدورُه ثغرةً كبيرة في هذا الباب، وفي هذه المادّة الفلكلوريّة بالذات ما تزال الدّراسات حولها في حاجة إلى المزيد من التّتبّع والغوص والتّقصّي. وممّا لا شكّ فيه أنّ هذا الإنجاز الفكريّ واللغويّ العظيم سيثير عاصفة من الثّناء والتّقدير ليس بين أصدقاء الأستاذ العزيزيّ فحسب بل أيضاً في أندية المستشرقين والمستعربين في دوائر الاستشراق».
وقول سماحة الشّيخ إبراهيم قطان: «...كتاب قيمّ فريد في بابه جدير بالمطالعة والاقتناء يفيد الباحثين، ولا تستغني عنه مكتبة، وما يحتويه هذا الكتاب لا يوجد في أيّ مرجع آخر».
والإعجاب بـ»القاموس» فكرةً وتنفيذاً لا يمنع البوح ببعض السّلبيّات التي قد تعيق الدّارسين في تعرّفهم الدقيق لهجة الأرادنة؛ فالعزيزيّ إذ يُعنى في فاتحة الكتاب برصد صوتيّ دقيق لنطق الأرادنة للحروف الهجائيّة فإنّه يهمل غالباً -وهو الأكثر أهمّيّة- وصف نطق الأرادنة للكلمة مجتمعة وإن عُني بضبط فائها وعينها، وهذا ممّا يشكلّ عقبة ليس أمام الذين يجهلون النطق العربيّ في الأردن حسب، وإنّما أمام الأردنيّين أنفسهم الذين يتباينون في مواقعهم الجغرافيّة والثّقافيّة والحضاريّة.
ولعلّ رفْده المعجم برسوم توضيحيّة لبعض مفردات الحياة الشعبيّة البدويّة في الأردن كالجمل والخيمة والألعاب، كما الحال في بعض المعاجم اللغويّة القديمة والمعاصرة كاللسان والوسيط، كان سيجعل من «القاموس» معجماً تصويريّاً رائداً في مجاله؛ ذلك أنّ كثيراً ممّا يعكس البيئة البدوّية الأردنيّة في القاموس سيظلّ مجهولاً ولا سيّما لقارئه الهجين على عاداتنا وتقاليدنا وأوابدنا.
مشغل الجذوة
ما كان لمادة «القاموس» اللغويّة أن تتهيّأ للعزيزيّ لولا حادثة مرّت به شحذت عزيمته على جمع تراث الأرادنة ولا سيّما لغتهم، فقد اتّفق أن خلّص بدوياً من قبيلة بني حميدة من أربعة جباة حاولوا استغلاله، فأثّر به صنيعه، فمدحه بقصيدة أثبتها في كتابه «الشّرارات من هم؟ تصحيح لأوهام التّاريخ»، يقول فيها:
«روكس خوي الجود منصّورْ عَ عْداك        صيتكْ وصلْ للصين وبلادْ شاما
حياك ربّي كلّ ما حلْ طِريــــاك            ولدَ العزيزيّ يا عقيد النشامــى
لو إن نسينا أرواحْنا ما تنســـاك        اعيالنا تفداك يا أبا اليتامـــــى
خلّصتني من سربةٍ دونْ ما انصّـاك     هذا الكرم والطّيب لن فان عاما
ما انتهْ من الهزلينِ شرّاً تعـــدّاك     لك الراية البيضا ولد الكِراما
منعصبة شرفتهم ابمزايـــــاكْ         اعزيزات من دور الصّحابا شهاما
انشر ثناكْ وكلّ ما لاح طريـــاك     يحميك ربي منِ حسومْ الاعْومــا».
فأثّرت فيه القصيدة قائلاً: «هذا شعب يستحقّ الدّراسة، فهذا العرفان بالجميل والشّعور المرهف الذي جعل هذا الرّجل ينظم قصيدة لأمر جدير بالاهتمام، ومنذ ذلك التّاريخ لجأتُ لدراسة البادية فكنت أتجوّل بينهم هواية شخصيّة لديّ، لم أنوِ أنْ أكتب شيئاً علميّاً في البداية. وظلّ التّجوال بين عامي 1922 و1938، وتجمّعت لديّ أوراق كثيرة بلا ترتيب. كنت أكتب كلّ ما أرى وأسمع في ما يتعلّق بحياة هؤلاء القوم بلهجتهم وكنت أشعر بإمتاع ومؤانسة كلّما رأيت أكوام الدفاتر».
ولم يخطر ببال العزيزيّ أن يضع كتاباً توثيقيّاً للهجة الأرادنة -مع جمعه لها- إلى أن استحثّه على ذلك الأب العلامة أنستاس ماري الكِرمليّ خدمةً للّغة، وإظهاراً لما فيها من جمال، ومساعدة للباحثين على تقصّي اللهجات العربيّة، ومعرفة ما عندنا من عادات وأوابد قديمة تحاول المدنيّة أن تطمس آثارها، ولا سيّما أنّ هذه كلّها لم تُدْرَس من قبل.
يقول العزيزيّ: «في عام 1938 اتّصل بي العلامة الأشهر الأب أنستاس ماري الكِرمليّ، وكانت توطدت بيننا الصّداقة. قال لي: إنّ مجمع اللغة العربيّة في القاهرة منذ تأسيسه أنشأ لجنة تقصّي للهجات العامّيّة لإذابة الفروق بينها ورفع الكلمات إلى مستوى الفصحى، أرجو أن تبدأ بتأليف قاموس لهذه الألفاظ، وسأتولّى أنا طبعه»، وأخذ يمدّه بنصائح وإرشادات منهجيّة تعينه في معالجة الموادّ اللغويّة وضبطها وتبويبها؛ ففي رسالة الكِرمليّ للعزيزيّ المؤرّخة 9/8/1938 المرسلة من مصر، قال له ناصحاً موجّهاً: «حاول بكلّ قواك أن تضبط الكلمة ضبطاً يعيننا على التلفظ بالبدويّة على ما نطق بها أهلها، واصطلح على حركات تفيدنا ذلك. ومتى تظنّ أن ينتهي معجمك. فخذ وقتك كما يجب، لأنّ الشّرط الوحيد إحسان العمل وإتقانه لا العجلة؛ ففي العجلة الندامة، وألتمس فيك أن تضع في كتابك أو معجمك بين هلالين أو قوسين كلّ علم، فإذا كتبت روكس فاكتبه مثلاً هكذا (روكس)..».
ولم يمضِ شهر حتى كان المعجم جاهزاً، فقد رتّبه ألفبائيّاً، وضبط بنية الكلمة، ووضع الأعلام بين هلالين كما اقترح أستاذه، ولكن الظّروف الماديّة حالت دون نشره فاعتذر منه الكِرمليّ.
وكانت نكبة العرب العمياء سنة 1948 نكبتين على العزيزيّ؛ فقد فقَدَ أرضاً الْتحم بتاريخها، وفقَدَ مكتبته، وكان «القاموس» من جُملة ما فقَد. لكنّ إصراره على نشر تراث الأرادنة جعله يشحذ ذاكرته ويكتب «القاموس» من جديد ليرى النّور في طبعته الأولى عن مطابع القوّات المسلّحة الأردنيّة عام 1974، ولتخلد لهجة الأرادنة في الذّاكرة المحليّة والإقليميّة والعالميّة.

السّماع
لم تكن مادة القاموس اللغويّة ممّا دوّنته أقلام المعجميّين اللغويّين، والكثير الكثير ممّا استعمل فيه لا يمكن العثور عليه في كتاب تاريخ، ولا في معجم، ولا في دائرة معارف؛ ذلك أنّه كان حصيلة توثيق مكتوب لمشاهدات العزيزيّ نفسه ومسموعاته ومعايشته ومتابعته اليوميّة للتّفاصيل الدّقيقة لحياة البدو في مادبا، والمناطق المجاورة، والمناطق التي علّم فيها، وللمرويّات عن معارف والده وأصدقائه التي ابتدأها سنة 1922.
يقول العزيزيّ: «لم أرد أن أجلس إلى معاجم اللغة أضع مقابلاً لمفرداتها، بل جعلت الكلمات تنمو نموّاً طبيعيّاً، فكنت أسجّل الكلمات في كلّ مناسبة، وأذكر أنّ ذلك كان يحرجني أشدّ الإحراج، لأنّ النّاس كانوا يجهلون غايتي من تسجيل العادات واللهجات والأوابد الأردنيّة».
ويقول: «حتّى إنّني كنت أمتطي فرسي، وأتوجّه إلى العشائر المحيطة بمأدبا، وألتقي أصدقاء والدي ومعارفه، فأدوّن أشعارهم وتقاليدهم وعاداتهم حتى وسوم حيواناتهم، وحين تنقلت في المناطق التي عملت بها معلّماً كنت أقوم بالعمل نفسه فكانت حصيلة ما دوّنته عشرات الدّفاتر الكبيرة».
وقارئ كتاب «القاموس» يلحظ بجلاء تردّد الألفاظ التي تدلّ على معايشة العزيزيّ البدو ومشافهتهم، وتدوين المسموع عنهم، ومثل هذه الألفاظ تتردّد عنده على نحوٍ يسكت فيه عند حدود (سمعتها بتاريخ) نحو قوله: «تَهْتمَ يِتَهْتِم، هتر خرف.. سمعتها في 16 شباط 1945»، وقد يحدّد بسماعه الشّخصَ أو القبيلةَ أو المنطقةَ الجغرافيّة التي روى عنها نحو قوله: «بِرْزِه: بيت شعر صغير ... وقد روى لي هذه الرّواية حمّاد العازمي في 8/8/1939».
وقد يتوقّف عند المسموع تقصياً كقوله: «وقد سمعت من يقلب الياء تاء ليلة السبت في السّادس من شهر كانون الأّول سنة 1940، ولمّا تقصّيت وجدت هذا القلب مألوفاً عند الكثيرين فيقول بدل حين: حِتِنِ»، وقد يذكر روايات للمسموع كقوله: «صُرّتليّة ج صُرّتَليّات: قماش من الحرير.. وقد كنت سمعت الكلمة في السلط سُريتيّة إلى أن ارتحلت إلى فلسطين فسمعتها عامّة في الرّيف»، وقد يتوقّف عند آلية نطق المسموع كقوله: «طُرقة ج طُرقات اتفاق مصالحة سمعتها من أهل (شعناط) سنة 1938 وهم يلفظون الطّاء تاء مختلسة».
وكان للعزيزيّ وقفة عند ما لم يسمع فوثّقه، ونحو ذلك قوله: «حِصْناوي منسوب إلى الحصن.. ولم يقولوا حِصْنيّ.. ولم أسمع من نسب إلى الحصن نسبة صحيحة إلا وهو يريد الحقير»، بل اقتضت أمانته العلّمية التّوثيق الزّمنيّ لتاريخ سماع الكلمة للمرّة الأولى في الأردن، ومن أمثلة ذلك قوله: «إبروفة البَذْلة/ إبروفة المطبعة، وكلامهما دخيل لم يستعمل في البادية إلا بعد الحرب الكونيّة الثّانية سنة 1945 بعد أن تعلّم أبناء البادية ولبسوا الملابس الفرنجيّة»
والعزيزيّ بجمعه الميدانيّ للّغة، وتأريخ سماعه أو عدمه، وتحديد زمن سماعه، لم يخرج عن سَنن العرب في جمعهم اللغة بل وزاد عليهم؛ إذ كانت الرّحلة إلى البادية لسماع الأعراب ومشافهتهم، وقضاء الأزمنة الطّويلة في النّقل عنهم، والاستماع إلى الكيفيّة التي ينطقون بها أصواتهم وكلماتهم، أساساً عوّلوا عليه، وعدّوه أصلاً في الوقوف على قواعد اللغة ونظمها وضوابطها: صوتاً وصرفاً ودلالة وتركيباً.
ولَئِن انصبّ اهتمام العزيزيّ جلّه على جمع لهجة الأرادنة، وتغييب لهجة أهل الدّساكر (القرى) والحضر إلا ما ورد عرَضاً في مجال المقارنة أو المقاربة، فلأنّه حدَس حَدْس اللغويّين من قبل أنّ التّغيّرات الطّارئة على المنطقة ولا سيّما السّياسيّة منها، إنّما تملك القوّة الفاعلة القادرة على تغيير اللهجة تغييراً يبعدها شيئاً فشيئاً عن أصولها إيذاناً بطمسها فتُطمس بذلك هُويّة أمّة، ولأنّه صدر عن وعي متبصّر مفاده سعة لهجة البدو الأرادنة، وعمق لُحمتها بالعربيّة الفصحى زمن سيادتها، أمّا لهجة الحضر والدّساكر فهي وإنْ كانت مرآة عاكسة لنظمهم المعيشيّة في المجالات الحياتيّة كافّة، وتفي بمتطلباتهم التّفاعليّة التّواصليّة مع المجتمع وترتبط بسببٍ مع لهجة البدو الأرادنة، لا تحفل بما يؤهّلها لأن يكون مفتاحاً لهُويّة متكلّمها؛ فالذي شافَهَ القبائل والعشائر يستطيع أن يعرفَ المتكلّم معه إلى أيّ القبائل ينتسب مجرّد سماع كلامه.

مصادره المكتوبة
لم يتوقّف العزيزيّ عند حدود المسموع في جمع مادة «القاموس» اللغويّة، وإنّما واظب على مطالعة المصادر اللغويّة المتنوّعة التي تضمّنتها المكتبة العربيّة، فوعاها ووظّفها بمنهجيّة دقيقة سائغة في معالجة المداخل المعجميّة لمادة «القاموس».
فالذي لا يقرأ ثبت مصادره ومراجعه الذي ذيّل فيه الجزء الثّالث تحت عنوان «من ركائز القاموس» يقطع يقيناً أنّ كتب الأضداد، والفروق، والمشترك، واللامّات، والمعرّب، والدّخيل، والتّصحيح اللغويّ ولحن العامّة، وردّ العامّيّ إلى الفصيح، وفقه اللغة، والمعاجم العربيّة قديمها وحديثها، والمعاجم ثنائيّة اللغة، والنّحت، والأصوات، والنّحو العربيّ.. كانت عمدة تحليله المادّة اللغويّة وإنْ لم ينصّ على اسم كتاب بعينه غالباً؛ ذلك أنّ نصّه في متن الكتاب أنّ الكلمة من «الأضداد» أو «منحوتة» أو «فارسيّة» أو «إيطاليّة» وغيرها، حجّة لا تقبل الشّكّ على ارتياده آفاق هذه الكتب ارتياداً فاهماً مدقّقاً ممحّصاً واعياً.
وتوسُّلُ هذه المنهجيّة في الصّناعة المعجميّة تأكيدٌ لاتّباعه سنّة المعجميّين الأقدمين الذين لم يُرهقوا متون كتبهم بمصادرهم المعرفيّة اللغويّة التي استقَوْا منها مادّتهم إلا متى دعت الحاجة إلى ذلك. ولم ينصّ العزيزيّ عليها متناً إلا لهدف مخصوص؛ يعزّر فيه قولاً، أو يفرض رأياً جديداً، أو يصوّب خطأً، أو يخصّص عامّاً، ومن أمثلة ذلك قوله: «بَرْطل يِبَرْطل، بَرْطِيل، ج براطيل إمْبرطِل وإمْبرطَل: رشا يرشو رشوة.. وقد وردت بهذا المعنى في (الجامع المختصر)، ص161، وصوابها البِرْطيل، ووردت في (شفاء الغليل) بمعنى الحجر».
بل إنّ نصّه على اسم الكتاب تضمّن معلومات تفصيليةً حوله كالصّفحة، والطّبعة والسّطر. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على استحضاره جملة من المصادر إبان كتابته، وأنّه لا يقيم تأليفه على الذّاكرة حسب وإنْ شُهد له بحضورها الدّائم.
لقد أسفرت رحلة العزيزيّ إلى البادية لمشافهة القبائل، والسّماع عنهم، عن تفطّن واعٍ وحرص دائب على رصد القوانين الصّوتيّة التي يصدر عنها الأرادنة في أدائهم الصّوتيّ. ويتفطّن قارئ مبحث «الأرادنة ولفظ الحروف الهجائيّة» الذي صدّر به العزيزيّ كتابه «القاموس»، إلى أنّه أمام شخصيّة لغويّة لافتة بوعيها أثر الصّوت في التّأسيس للدّراسات اللهجيّة. ويتبدّى هذا الوعي عنده في عنايته بما يأتي:
1. رصد التّباين الصّوتي الجغرافيّ لكلّ هجاء، فهو إذ يصف آلية الأرادنة في أدائهم الصّوتيّ ترقيقاً أو تفخيماً، أو قلبهم بعض الأحرف أحرفاً أخرى تلتقي معها في المخرج أو في صفة التّحكّم أو في الجهر والهمس أو الشدّة والرّخاوة كما في قلب العين همزةً، أو الهمزة عيناً، أو السين صاداً، أو الصاد سيناً، أو الذال ضاداً، أو الضاد ذالاً، أو إلحاقهم بعض الأحرف بأواخر الكلمات اختصاراً كما في إلحاق (الشّين) في نطق أهل السّلط وعجلون وشمالي الأردن فيقولون: «ما قلتلكش» (أي: ما قلت لك شيئاً)، فإنّه يبصّر بالفروق اللهجيّة الصّوتيّة التي تجعل من كلامهم هُويّة لانتمائهم الجغرافيّ أو العشائريّ.
ففي وصفه «الهمزة»، بَيّن أنّ بني حسن وبني حميدة غالباً ما يلفظونها «عيناً» فيقولون: «مِسعَلة» و»هَيْعة» بدلاً من «مسألة» و»هيأة»، وأنّ الحويطات يلفظونها «ضاداً» فيقولون: «ضُبُط» بدلاً من «إبط»، وأنّه سمع من يقلبها «حاءً» فيقول: «حَحْدب» بدلاً من «أحدب».
وفي وصفه «الضّاد»، بَيّن أنّ الأرادنة عامّة لا يفرّقون بينها وبين «الظاء»، لكنّه فرّق بين الأرادنة عامّة وأهل عجلون خاصّة الذين يرقّقونها فيلفظونها «ذالاً» فيقولون: «إذْرب» بدلاً من «إضرب»، حدّاً جعل أهل البلقاء وأهل جنوبي الأردن يعيّرونهم بذلك، ويُطلقون عليهم «قوم إذْرب»، عِلْماً أنّ أهل الجنوب يفعلون ما هو شرّ منه –حدّ قول العزيزيّ- إذ يقلبون الذّال ضاداً فيقولون «خُضْ» بدلاً من «خذ».
وفي وصفه «العين»، فرّق بين بني حسن وبني حميدة الذين يبدلونها همزة فيقولون: «سأل» بدلاً من «سَعَل»، وأهل عجلون الذي يقلبونها مع الرّاء حاء مختلسة فيقولون: «ودّي أحترف» بدلاً من «ودّي أعترف».
ومتتبّع وصف العزيزيّ نطق الأرادنة الحروف الهجائيّة، بمكْنته أن يستخلص ملامح عامّة تميّز لهجة أهل الشمال عن أهل الجنوب عن أهل الوسط بما في ذلك لهجة أهل القرية والحاضرة.
2. حرصه على وصف آليّة نطق الأرادنة لحرف الهجاء وصفاً دقيقاً، فقد أدرك العزيزيّ عجز الأبجديّة العربيّة عن نقل أصوات اللهجة ولا سيّما في ما يتعلّق بمدّ الصّوت واختلاسه وتضخيم اللام والباء، فرأى لزاماً عليه إنصافاً للهجة الأرادنة، وتمييزاً لصنعته المعجميّة، اقتحام المنهج المقارن في تجسير الهُوّة على الدّارسين تارة، واللجوء إلى القياس بالنّظير تارة أخرى؛ ففي وصفه نطق الأرادنة (الألف) قال: «يضخّمون هذا الحرف مع اللام كأنّها في لفظ الجلالة»، واحترز بقوله: «المرفوع والمنصوب»، ودقّة في الوصف قال: «أو كأنّها في لفظة كال- kall – العبريّة».
وفي وصفه «القاف» قال: «تُلفظ في جميع أنحاء الأردن كالجيم المصريّة أو الكاف في كلمة (كبي) التّركيّة ومعناها في التّركيّة: مثل، وفي لفظ (Girl) الإنجليزيّة»، واستدلّ على وصفه بقول ابن خلدون: «إنّ مضر كانت تلفظ القاف متوسّطة بين الكاف والقاف». وبيّن أنّ بعض البدو يلفظونها جيماً صريحة.
وفي وصفه «اللام»، بيّن أنّ الأرادنة يضخّمون اللام، بل إنّ أهل عجلون يبالغون في تضخيمها فيقولون: «قبل» كما تُلفظ (L) المزدوجة في لفظة (Boll)، بل إنّ حرص العزيزيّ على دقّة الوصف الصّوتيّ دفعه إلى تمييز نطق الأرادنة الصّوت نفسه تبعاً لموقعه في الكلمة، إن كان صدراً أو حـشواً أو عجزاً كما في وصفه حرف (الكاف).
3.توثيقه بعض الغرائب في لهجة الأرادنة، ومن ذلك: أنّ أهل عجلون يلفظون الذّال ذالاً في كلمة واحدة هي «بَذَح»، وأنّ الأرادنة ينطقون «صايغ»: «سايغ»، لكنّهم عند الجمع يردّونها إلى أصلها إذا جمعوها جمع مذكر سالماً: «صوّاغون»، وأنّ أهل الجنوب يبالغون في تضخيم الذّال بعد قلبها ضاداً فيقولون: «خُضْ هاضا» بدلاً من «خُذْ هذا»، وأنّ أهل عجلون يضخّمون الباء تضخيماً يؤذي السّمع في قولهم «اضْبابة» بعد إبدالهم الذّال ضادا.
ويعتقد العزيزيّ أنّ العربيّة عرفت «القاف» القاسية كما يلفظها الأرادنة، وهي غير القاف الليّنة التي يُنطق بها من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى ويميل بها أهل عجلون نحو «الغين»، وأنّ الكثير من الألفاظ التي نكتبها بالقاف لم يكن الأصل في لفظها «القاف» لأنّ البدو يميّزون بين قاف «قلب» وقاف «كليب».
ويؤخَذ على وصف العزيزيّ الأداء الصّوتيّ لحروف الهجاء عند الأرادنة نأيُهُ عن الآليّة التي اتّبعها القدماء في وصف الصّوت اللغويّ وميكانيكيّة نطقه؛ إذ لو اهتدى بسنّتهم مع لجوئه إلى النّظير والمقارن لكان في ذلك زيادة نفع.
***
إن التّبصّر في مسيرة العزيزيّ في تدوين التّراث اللغويّ المحلّيّ تبصُّرٌ في الحياة الاجتماعيّة والثّقافيّة والشّعبيّة والفكريّة لأمّة زمانها يمتدّ ليشتدّ آصرة بالعربيّة الفصحى في فصول زهوها وتمكّنها وريادتها، وجغرافيّتها بلاد الشّام والحجاز عامّة والأردنّ خاصّة؛ ذلك أنّ كتبه «جعلت منه حجّة ومرجعاً للفلكلور والتّراث والتقاليد ليس للأردن وحده، بل لمعظم القبائل العربيّة المتّصلة بعروقها القديمة، وذلك لأنّ الكثير من معالم هذا التّاريخ الواسع في الماضي والحاضر من التّراث ما يجمع بين سكان الأردن وسكان الأقطار العربيّة ولا سيّما السعوديّة والعراق وسورية ومصر في كثير من أنّماط حياتهم، سواء في بيوت الشّعَر والأخبية، أم البيوت الحديثة، وإنْ في أساليب هذه المعيشة من الحروب والأمن والحياة والموت، وفي حالة المرض، وكيفية المعالجة، ووسائل هذه المعالجة لهم ولحيواناتهم، وما تركت الطّبيعة من أثر في نفوسهم من التّفاؤل قديماً وحديثاً، فجيء صورة صادقة للماضي والحاضر من بيئة البدو والحضر... لا يمكن أن يستغني عنها الباحثون في الأردن أو خارج الأردن إذا أرادوا الإحاطة بكلّ شيء يخصّ التّراث العربيّ والفلكلّور من الأخلاق والتّقاليد والعادات والعقيدة وسائر مفترضات الحياة».
بل هو تبصّر في الإنسان الذي ناضل ضدّ مثبّطات العزيمة، ومقوّضات الوجود، وأكّد بثقافته الموسوعيّة، ومنهجيّته الدّقيقة الشّاملة، وتسجيله الحرفيّ ليوميّات الأرادنة، وصلاته بأعلام الفكر والأدب واللغة، وإنجازاته النّفسيّة، أنّه ندّ لكثير ممّن عرفهم أو تعرّف إليهم، ولعلّه فاق بعضهم أفقاً وانتشاراً.
لقد رسم العزيزيّ في تدوينه تراث الأرادنة اللغويّ خَطّاً مزداناً بالحياة، فرُسمت له كلماتُ محبّة وتقدير وثناء تُحييه أبداً في ذاكرتنا المحلّيّة والعربيّة، فأيّ تزكية له أبدع من القول فيه: «يخطئ من قال: إنّ الموسوعيّين لم يعدْ لهم ذكر في العالم العربيّ منذ انطوى عهد الطّبريّ والمسعوديّ وابن خلّكان، فهذا العزيزيّ بين ظهرانينا يكذّب هذه المقالة»، وأيّ وصف له أبلغ من القول فيه: «ولكنّنا في الأحوال كلّها نصدر عن أعجاب كبير بهذه الشّخصيّة اللغويّة الاستثنائيّة، وتقدير رفيع المستوى لدوره في الدّراسات اللغويّة المعاصرة خاصّة المعجم وعلم اللهجات».
بل أيّ شهادة أصدق من القول عن كتبه: «والكتب عندي ثلاثة أصناف؛ كتب تمسح ما في الذّهن معلومات في الموضوع أو تشوّشه، وتجعله غامضاً مضطرباً، وأخرى لا تأتيك بجديد، وثالثة وهي العزيزة النّادرة تجعلك تنتهي منها وقد ازددت علماً، وخرجت منها أفضل ممّا كنت عليه، ويشهد الله أنّ كتب العزيزيّ من دون مجاملة أو محاباة من هذا النّمط الأخير بأحلى معانيه».
لقد غادرنا العزيزيّ العلّامة اللغويّ المؤرّخ الصّحفيّ الموسوعيّ الأديب الشّاعر الإنسان سنة 2004 جسداً، ليسكن فينا روحاً طيّبة تشعّ فجراً، وليظلّ فصلاً زاهياً من فصول الذّاكرة الثّقافيّة الأردنيّة، فمن حقّه علينا أنْ نضيف اسمه مع الخالدين.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }