«أسيادٌ وعبيد..!؟»

«أسيادٌ وعبيد..!؟»

لم يكن ما قاله مدير أمن محافظة البحيرة المصرية، اللواء مجدي أبو قمر، أمراً يخصّ مصرَ وحدها. بل هو شأنٌ عربي عام، يتّصل بثقافة الحكم، التي صُنِعت في بلادنا خلال عقودٍ طويلة، والتي شوّهت التنظيم المجتمعي وثقافته، وقلبت موازينه، ما أخرج المواطن العربي بالكامل من فكرة المجتمعات الحديثة. وقد ظهر اللواء أبو قمر، في أحد مقاطع الفيديو، المنشورة على موقع «يوتيوب..» على «الإنترنت..»، وهو يشنّ هجوما حادًّا على المواطنين، قائلا: «أي شخص ساهم في أي عملية، خلال الثورة، سيتم إتخاذ الإجراءات ضدّه، وستتم محاسبته فورًا..». وقد وصف أفراد الشرطة، بقوله أنهم «أسياد البلد..»، مضيفًا: «الّلي يمد إيديه على سيده تنقطع، ونحن أسياد البلد، وإحنا الّلي مْخلِّيين فيها أمن..». ففي البحيرة، وقف مدير أمنها، وسط الأهالي، يسخر منهم ويهدّدهم بقطع أيديهم، لأنهم إعتدوا على رجال الشرطة. ما دفع القوى السياسية بالبحيرة إلى تنظيم مؤتمر حاشد أمام مقر» أمن الدولة بدمنهور، الذي حرقه الأهالي خلال ثورة 25 كانون (ثاني/يناير)، وحلّ جهاز مباحث أمن الدولة، وتحويل ملكية المقرّ إلى وزارة الثقافة، لكونه مبنى أثريًّا، وإقالة اللواء طارق هيكل، مدير الجهاز في المحافظة، واللواء مجدي أبو قمر، مدير الأمن. وفي ردّ فعلٍ مباشر،أصدر السيد محمود وجدي، وزير الداخلية، قرارًا بنقل(!؟) «اللواء مجدي أبو قمر..»، مدير أمن البحيرة، في أواخر شهر (شباط/فبراير) الماضي، وذلك بعد ساعات من نشر الفيديو المسيء للشعب المصري والعربي أيضاً. قيل هذا الكلام في حضور اللواء محمد بدراوي، مدير مباحث البحيرة، واللواء طارق هيكل، مدير مباحث أمن الدولة بالبحيرة، وجميع القيادات الأمنية للدولة في البحيرة، كما تظهرهم الصور، الواردة في مقاطع الفيديو، وكلهم تابعون لوزارة الداخلية المصرية في الحكومة المستقيلة، وبما يعني موافقتهم الضمنية على مضمون كلام أبو قمر وشكله..!؟ ولعلّ تأمّل أسماء المؤسسات الأمنية، التي يمثّلها هؤلاء، بإعتبارها راعية للشؤون الداخلية، يُنبيء إلى أي حدٍّ كانت ثقافة الحكم في هذه الدولة ترى في المواطن خطراً عليها، ومهدّداً للأمن العام أو لأمن الدولة..!؟ فمن: مديرية المباحث العامة، إلى مديرية مباحث أمن الدولة، إلى مديرية الأمن العام..!؟ ناهيكَ عن الدوائر الفرعية، التي تتبع لتلك المؤسسات، التي أضاع فيها المواطن البسيط عُمره، بين محنة ثقافة الأسياد والعبيد..! إنّ الأزمان الطويلة من الحكم، إستناداً إلى الأحكام العُرفية وقوانين الطواريء، فضلاً عن الأحكام العسكرية، خلقت ثقافة جديدة، وأجيالاً مختلفة من القائمين على تنفيذ القانون، قوامها أن القائم على تنفيذ القانون هو «السيّدُ..!»، وأنّ الناس، أو مَن يقع تحت طائلة القانون، متهماً أو مذنباً أو محتاجاً أو مشتكياً، هو «عبدٌ..!». معلومٌ أنّ تعبير الثورة ودلالاته ومعانيه جرى إمتهانه بعنفٍ وقسوة، ولا يزال التعبير ممتهناً ومشوّهاً. فمضمون المعنى الحقيقي للثورة، هو التغيّر الجذري والعميق للمجتمع، بكلّ فئاته، وثقافته، عبر مجموعةٍ كبيرة القوانين والأنظمة، التي تُحدِث تحولات حقيقية ملموسة في حياة الناس. ومن المفهوم بالطبع، أنّ نقْل الناس، في الأذهان والثقافة، من عبيدٍ لغيرهم إلى أسيادٍ لأنفسهم، أمرٌ لا يزال يحتاجُ إلى الكثير الكثير، وبلا شعاراتٍ فاسدة وجوفاء. أليس كذلك..؟!