الدخول إلى أقصى الحديقة

الدخول إلى أقصى الحديقة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 18-7-2014
ميسلون هادي
ميسلون هادي

هدية حسين

ببساطة، بحميمية، من دون ضجة، من دون البحث عن زخارف الكلمات، تواجهنا شخصيات ميسلون هادي المألوفة والقريبة من النفس، والتي يمكن لمسها ومعايشتها واكتشاف صدقها الإنساني والفني الذي أمسكت به الكاتبة وقدمته لنا في مجموعتها الأخيرة «أقصى الحديقة» الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2013).
تترك ميسلون هادي لشخصياتها حرية التنقل والحكي وأسلوب الحياة البعيد عن التعقيدات، تلك الشخصيات التي يمكن أن تكون، أنا أو أنت أو إحدى الصديقات أو الجارات، أو من يعيش معك في البيت أو يصادفك في الشارع.. ميسلون هادي بقصصها الأخيرة تخففت من عبء النهايات المحتومة والحلول التي لا بد منها، لماذا لا بد منها؟ هذا هو شكل القصة وأسلوبها ورؤية الكاتبة إليها، قد تقطع تسلسل القصة المعتاد، بطرفة هنا، أو مقطع من أغنية، أو معلومة، ثم تعود بالقارئ إلى المكان الذي تركته فيه، وحينما ينتهي من قصة ما، أو فكرة تناولتها إحدى الشخصيات، سيجد نفسه يتساءل: «بالضبط، هذا ما كنت أفكر فيه»، أو «هذا ما كان على طرف لساني وغاب عني».. أفكار قد تبدو سهلة، لكنها من السهل الممتنع، الذي لا يجيده الكثيرون.. دعونا إذن نقتطف بعض ورود تلك الحديقة الغنّاء التي غرست شجيراتها ميسلون هادي.
فعلاً هذا ما كنا نفتقده، عطر الأرض الذي اختفى من حدائقنا وبيوتنا، بعد أن أصبحت قوارير العطر المصنّع هي البديل، تصحّرت الأرض وفقدت ألوانها، وعندما حلّ الربيع هاجت جموع النحل باحثة عن الرحيق، تتبّعت الرائحة التي تتسرب من أحد البيوت، غضب الزوج على زوجته، معتقداً أنها استخدمت العطر، احتدم النقاش بينهما، أغلقا النوافذ وسدّا جميع المنافذ لكي لا تدخل أسراب النحل إلى البيت، ماذا يفعل النحل إذا لم يجد الأزهار؟ بالتأكيد يضج ويهاجم أي مكان تنبعث منه رائحة، أيّ رائحة حتى وإن كانت مصنّعة.. إنها قصة عطر الوردة، قصة تدعونا لأن نتذكر أمنا الأرض ونعيد إلى حدائقنا بهجة الورود، وتجانس الطبيعة.
وفي قصة «ديجافو»، نلتقي تلك الكومبارس، التي منحها المخرج دور ملكة، أكل العيش أحياناً يقود بعضهم إلى أن يتلبس دوراً غير دوره الحقيقي، لم تعرف من قبل كيف تعيش الملكات، وفي غرفة الماكياج بقيت لساعات بين أصابع الكوافيرة، لتغيير صبغة الشعر وتسريحه، بعد ذلك تناولها الماكير ليحولها من امرأة بسيطة كل ما تفكر فيه هو إطعام أطفالها، إلى ملكة بملابس فاخرة وخواتم ذهبية ولؤلؤ وديكورات فخمة، ما عليها إلا أن تقول عشرين كلمة لا غير بعشرين دقيقة، بعد نهار كامل في التحضيرات.. مساعد المخرج ينتظر، والملقن يوصل لها الكلمات، والمشهد يصوَّر أكثر من مرة، وهي لا تعرف لماذا يُعاد السؤال، كما لو أنها سمعته في زمان آخر، ترتبك أكثر حين يقول لها مساعد المخرج: «أنا من برج الميزان، فهل أنتِ من برج العقرب؟»، مع أنها سبق أن أخبرته أنها من برج الجوزاء. الكلمات تقف متحجرة على شفتيها، يتأجل التصوير، ماذا تفعل؟ لا شك أن دور الملكة صعب، صعب للغاية مع هذا الماكياج الثقيل والخواتم وتكرار الأسئلة تحت أضواء الأستوديو.
وما نزال في أجواء التمثيل، لكن هذه المرة مع قصة «ليالي زمان» أو «المفرمة اللهلوبة ذات الزرار السحري»، حيث تمطر الزوجة زوجها بالأسئلة عن الممثلين القدامى في الأفلام المصرية، مَن مات منهم، ومَن ما يزال على قيد الحياة، هي قصة طريفة وحزينة في الوقت نفسه، تأتي طرافتها من الأسلوب الساخر الذي استخدمته الكاتبة، ويكمن الحزن في ما تؤول إليه القصة في نهايتها.. تورد ميسلون هادي أسماء كثير من الممثلين والممثلات الذين رحلوا عن دنيانا وتركوا لنا أدوارهم في الأفلام التي مثلوها، مع ضحكاتهم وغضبهم ورومانسيتهم وأغانيهم وطرابيشهم ومناديلهم وكراسيهم ودراجاتهم، عاشوا معنا في حياتهم وبعد مماتهم: حسين رياض، ومحمود المليجين وأمينة رزق، وهند رستم، وفريد الأطرش، وعبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، وتحية كاريوكا، وفؤاد المهندس، وكمال الشناوي، وزكي رستم، وعماد حمدي، وأحمد مظهر، ورشدي أباظة، وعبد السلام النابلسي، وزينات صدقي، وفريد شوقي، ويوسف وهبي، وصلاح ذو الفقار، وزوزو شكيب، وميمي شكيب، وزوزو ماضي، وزوزو نبيل.. ومن بقي حياً لكنه شاخ: فاتن حمامة، ونادية لطفي، ومديحة يسري، وشادية، وشويكار، وصباح، وحسين فهمي، وحسن يوسف وآخرون..
كل هؤلاء جاءت بهم ميسلون هادي وأجلستهم على سجادة القصة، وجعلت الزوجة هي التي تسأل والزوج يجيب، من قبيل: «هل هذا الرجل الذي يأكل الملوخية ما يزال حياً؟ وهؤلاء العازفون على الكمان في الكورس، ماذا عنهم؟ أكلهم ماتوا؟ ولكن انظر، لعل عازف الطبلة ما يزال حياً؟ وهل هذا الشاب الذي يقهقه ما زال حياً؟ ماذا عن بابا أمين وماما أمينة؟ إلى آخر تلك الأسئلة التي لا شك أن الكثيرين يسألونها عندما يشاهدون فيلماً قديماً.
تتوالى أسئلة الزوجة وأجوبة الزوج، ومن خلالها تعيد ميسلون هادي الكثير من ذكرياتنا مع الأفلام المصرية التي سبق أن شاهدناها، لنكتشف بعد كل مشاهدة أن هؤلاء الذين أحببناهم، كلهم ماتوا، ومن بقي سيمضي إلى الطريق التي مضى إليها من سبقهم، لتنتهي القصة بذكاء الكاتبة، إلى إعلان يتكرر عن المفرمة التي لا يمكن الاستغناء عنها في البيت: «اتَّصِلوا بسعر المكالمة العادية، وقولوا أهلاً بالسعر الجديد، تسعة وتسعون جنيهاً زائداً مصاريف الشحن، وأول المتصلين سيأخذ المفرمة ذات الزرار السحري، زائداً مروحة منضدية مجاناً.. إنها هديتنا إليك من أجل إحساس دائم بالانتعاش والحيوية.. مروحة منضدية تلف وتدور من أجل هبوب الهواء في البيوت والمكاتب والشركات.. فلا تتردد لحظة واحدة، اتصل الآن، اتصل حالاً، وإذا وجدت الخط مشغولاً فعاود الاتصال مرة أخرى لتكون أول المتصلين فتحصل على المروحة المنضدية مجاناً مع المفرمة اللهلوبة ذات الزرار السحري» (ص107).
وهكذا هي الحياة، لا تعدو كونها في نهاية الأمر مفرمة، تشبه مفرمة الإعلان، الكل يمضي ولا يترك سوى الأثر، سواء كان هذا الأثر صورة فوتوغرافية أو صورة متحركة في الأفلام.
في قصة «من جنات جرمانة إلى جنات البط» تخرج بطلة القصة «انتصار» من مدينة جرمانة السورية، تجر حقائبها إلى المطار ذاهبة إلى كندا، بجواز سفر مزور، وهناك تعرض على المحققين كثيراً من حروق التنور على أنها آثار تعذيب وحشية، وكلما كذبت أقسمت «تعمى عيوني إذا كنت أكذب»، وبعد أن تتمتع باللجوء هي وزوجها المقْعَد يبدأ نظرها بالضعف وتُصاب بالعمى فعلاً، كأن القسَم ارتدّ عليها، لكن العمى يأتي في نهاية القصة، وسنمر قبل ذلك بالكثير من التفاصيل عن أحوال اللاجئين ومعاناتهم في دول اللجوء، فليس الأمر كما يظن بعضهم أن هؤلاء يعيشون في الجنة، ولا بد لقارئ هذه القصة أن يتوقف عند نقطتين مهمتين، الأولى تتعلق بالعراقي الذي يترك البلاد ويهاجر، والثانية بالأسباب التي تجعل هذا الإنسان يغادر الوطن، وهي أسباب قاهرة وموجعة.
إدانة الهجرة واضحة من قِبَل الكاتبة لأبطالها، وهي إدانة جاءت مطعَّمة بالسخرية من الأوضاع التي يعيشها المهاجرون، لكن من جهة أخرى ونحن نتمعّن في الأسباب سنستخلص أن ما أحاط بهذه الشخصيات من ظروف قاسية وسط محيط لا يريد الخروج من خرابه قد دفع بهؤلاء إلى الهجرة، فالمترجم «منتصر» الذي لم يستطع إيجاد عمل له في كندا سوى الترجمة، نراه عازفاً عن العودة للديار «لأن زميله الذي أنهى المنحة وعاد قد قُتل بكاتم صوت، وزميله الآخر اختُطف واختفى بلا أثر، والثالث ما يزال في السجن المركزي ينام مع الصراصير، بتهمة التآمر على النظام الجديد».
أما زوج «انتصار» فقد صُلمت أذنه بسبب فراره من الجيش، وقُطعت رجْله بسبب انفجار لغم، وهو الآن مقْعَد تخدمه زوجته.
ميسلون هادي في أعمالها الأخيرة، الروائية والقصصية، اتخذت من السخرية أسلوباً نجحت فيه وتميزت، حتى عندما تعرض بلاوي شخصياتها فإن السخرية تخرج من بين الدموع، ومن زوايا الأمكنة، ومن المفارقات الغريبة والعجيبة لسلوك شخصياتها، والقصة التي تبدأ بنكتة قد تنتهي بدمعة، والعكس صحيح، وقد تنتهي بحكمة مكثفة تشد الانتباه بعد أن ظَنَنّا أن الكاتبة تريد المزاح فقط.
فقصة «الفيل والنملة» تبدأ بنكتة تلخص حواراً بين فيل ونملة، الفيل وجّه الدعوة إلى النمله بالتنزه على الشاطئ، لكن النملة رفضت. لماذا رفضت النملة دعوة الفيل؟ هذا ما تطرحه إحدى البنات على صديقاتها، ومن هنا ندخل إلى القصة بعد هذه الطرفة التي تقودنا إلى مشكلة بطلتها التي تنحاز إلى النملة (لأن القضية قضية مبدأ)، مثلما هي لا تسمح لأحد أن يدخل عالمها وتحسب للناس ألف حساب، لكن في النهاية، وبأسلوب طريف، ستشجع هذه البنت جارها الذي جاء في إحدى الليالي متخفّياً ليراها من نافذة غرفة نومها، وتستدرجه لغايتها في الزواج منه، على الرغم مما سيقوله الناس لأن «الناس بيت بلاء، ولا شغل لهم سوى الكلام على ناس آخرين، مما يعني أن العيب فيهم وليس في الفيل المسكين».
«بغداد عام 2093».. هذا هو عنوان القصة التي تأخذنا فيها ميسلون هادي إلى مستقبل العراق، وأيّ مستقبل؟ لعلها القصة الأكثر وجعاً، والتي لم ينفع معها الأسلوب الساخر حتى لو آمَنّا بأن شر البلية ما يُضْحك، لا ضحك ولا ابتسامات، قصة تترك في النفس مرارة العلقم.
أدخلت ميسلون هادي نفسها كشخصية ماضَويّة في القصة، هي الجدة، التي يستذكرها العم الذي يحكي لابنة أخيه عن ميسلون التي عاشت في بغداد ولم تمت فيها، وتَرِدُ بعض أعمال الكاتبة في سياق ونسيج القصة، ومن خلال الحوار بين العم وابنة أخيه سنتعرف على ما كان يسمى «العراق»، لكنه الآن، في العام 2093، صار دولاً كثيرة يصعب التنقل بينها إلا بفيزا، بل صارت «الفيزا» حتى بين جهتَي بغداد، الكرخ والرصافة، وغزا الشوك هذه المدينة، وانتشرت فيها القطط السائبة، وصار الناس يعدّون الخبز بطريقة إشعال الشوك، وتحولت المدينة إلى مدينة حمراء تشبه كوكب المريخ.. كل شيء تغير، وكل شيء صار من الماضي البعيد، مجرد حكاية تأتي كذكرى بعيدة ذات صدى شاحب، كيف خسرنا بعضنا بعضاً وتعذّر الوصول إلى ضفة الأمان.
هنا، مع هذه القصة، لا ينفع التلخيص ولا الاكتفاء بهذا العرض، لأن جوانب كثيرة، في سطورها وما بين السطور، تدعونا لأن نوجه الدعوة للقارئ لأن يقرأها، ويتمعن بما جاء فيها، إنها القصة، النبوءة التي نتمنى من الله ألاّ تتحقق!
يبقى أن نقول إن حديقة ميسلون هادي حديقة غَنّاء، وثرية، ومتنوعة الثمر، ومتشابكة الأغصان، وكثيفة الظلال، ووارفة الخضرة، وإضافة نوعية لقصص المبدعة ميسلون هادي.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }