ابراهيم كشترغم أن الموسوعات والمراجع الفلسفية ، والكتب المتخصصة في علم الجمال ، وكذلك الدراسات التي تناولت مجالات الفن المختلفة ، تزخر بمحاولات بحث مفهوم الجمال ومعناه ودلالاته ، فقد آثرتُ أن ألجأ إلى عبارات أدبية لطيفة ومُعبّرةٍ ، قالها « جبران خليل جبران « في سعيه لتوضيح فهمه لمعنى الجمال ، وهي عبارات تفي ـ فيما أرى ـ بالغرض من ناحية ، وتلائم موضوع الجمال بمـا فيه من شاعرية وسمو من ناحية أخرى . يقول جبران ، موجهاً حديثه إلــى (إبنة الأحراج ورمز الطبيعة) التي زارته في خياله :(( ما هذا الجمال ؟ فقد تباين الناس بتعريفه ومعرفته مثلما اختلفوا بتمجيده ومحبته . قالت : هو ما كان بنفسك جاذب إليه ، هو ما تراه وتودّ أن تعطى لا أن تأخذ ، هو ما شعرت عند ملقاه بأيدٍ ممدودة مـن أعماقك لضمّه إلى أعماقك ، هو ما تحسبه الأجسام محنة والأرواح منحة ، هو أُلفة بين الحزن والفرح ، هو ما تراه محجوباً وتعرفه مجهولاً وتسمعه صامتاً ، هو قوّة تبتدئ في قدس أقداس ذاتك وتنتهي في ما وراء تخيلاتك .. )) . ننجذب لما هو جميل .. وننفر من القبيح :تنطلق أهميّة التأمّل في موضوع الجمال والتَّفكُرِ فيه وبحثه من حقيقة أساسية ، وهي أنَّ لإحساسنا بالجميل والقبيح أثراً كبيراً في حياتنا وعلاقتنا بالآخرين وصلتنا بالأشياء والأحياء ، فثمة شعور بالحبِّ والانجذاب والبهجة يبعثه الشيء الجميل في نفوسنا ، يقابل ذلك إحساس بالنفور والكره والضيق يرسله الشيء القبيح فـي وجداننا ، وهل لأحدٍ أن ينكر ما للحب والكره من أثر في تحديد علاقاتنا بمن حولنا ، أو بما حولنا ؟إذن ، فالإنسان بطبيعته يميلُ إلى الجميل وينجذب إليه ، ويَمقُتُ القبيح وينفِرُ منه ، والحبّ والكره أهم العواطف التي تحدد مواقفنا وسلوكاتنا نحو الأحياء والأفكار والجمادات 0 والمسألة المهمة هنا ، هي أن شعورنا بالجمال والقبح ـ أي ذوقنا ـ لا يخضع غالباً لقواعد عقلانيّة ، أو أحكام منطقية ، فهو إحساسٌ ذو جذورٍ منغرسَةٍ في أعماق اللاشعور ، أو منطلقة من خبرات قديمـة ، أو غرائز دفينة ، غير أننا نسعى بعد أن نتخذ الموقف الإيجابي من الجميل (أو الموقف السلبي مـن القبيح) إلى استغلال العقل في الدفاع عن هذا الموقف وتفسيره منطقياً ، والبحث عـن الأسباب العقلانية لتبريره ، وإضفاء صِبغَة النُّضج والرُّشد عليه ، في كثير من الإحيان .ومما يُعزز صدق هذه الفكرة ، أن الجمال ، من حيث منطلق الشعور بـه ، غير ذي علاقة بمعاني الأخلاق أو الخير والشر أو النفع ، فنحن نحسُّ بجمال الأسد رغم أنه أشد الحيوانات افتراساً وفتكاً بالكائنات البريئة ، ونتذوق جمال زهرة نبتت في جبل رغم أنه لا نفع يرجى منها . وأنا أتحدّث هنا بطبيعة الحال عن منطلق الاحساس بالجمال ، أما الشعور ذاته بالجمال ، وتذوقه ، فهو يزكي النفس ، ويبعث فيها المحبة والإيجابية والمعاني السامية . ورغم أن الفلاسفة يربطون الجمال بالحواس ، وبخاصة الحاستين اللتين يعتبرونهما الأرقى ، أي السَّمع والبصر ، فإني أرى أننا نشعر بنفس الإحساس الذي يبعثه فينا الجمال حين نقعُ على فكرة رائعة خرج بها حكيم أو مفكرٌ أو فيلسوف ، مما يشير إلى أن شعورنا بالجمال لا يرتبط بحواسنا فقط ، بل ثمة ذوق يخصُّ الأفكار والمعاني أيضاً ، وهو الذي يبعث في قلوبنا غبطة عند إدراكها ، ويشعرنا بالانجذاب إليها . الجمال نسبي .. لكن النسبية ليست مطلقة :ليس ثمة شك في أن الجمال نسبيٌّ ، فالشكل الواحد أو الصوت الواحد لا يؤثر في الأشخاص تأثيراً واحداً ، وقد يحكم البعض بقبحه والبعض بجماله ، غير أن هذه النسبية ليست مطلقة ، فثمة أشياء أو أشكال قد يُجمِعُ معظم الناس على جمالها أو قبحها 0 ومما قد يفسّر نسبية الجمال هذه ، ولو جزئياً ، ارتباط ما نراه أو نسمعه أو نشمَّه أو نتذوقه أو نلمسهُ بخبرات لاشعورية ، كارتباط رائحة شخص مـــا برائحة الأم التي كان يشمُّها المرء حين كان رضيعاً ، أو ارتباط شكل شخص معين بحادث مـؤلم ، أو ارتباط صوتٍ ما بواقعة سعيدة ، وبمعنى آخر فإن ارتباط الأشكال والأصوات وسواها باللذة أو الألم في تجارب الإنسان ، التي قد يكون معظمها منسيّاً على المستوى الواعي ، مخزوناً موثّقاً على مستوى اللاوعي ، لها تأثير فاعل فيما قد يحسُّهُ الشخصُ جميلاً أو غير جميل 0 الأُلفة .. تزيد احساسنا بالجمال أو تقلله :يرتبط الإحساس بالجمال عادة بالأُلفة ارتباطاً مزدوجاً ، فقد يقل إدراكنا للجمال نتيجته أو يزيد ، فساكِنُ السهول الخُضْرِ قد لا يتأملها كل يوم متذوقاً جمالها لأنه أَلِفَ مشهدها ، أما من يزورها مرات قليلة فسوف يكون أكثر إحساساً بجمالها 0 كما قد يزيد إحساسنا بالجمال نتيجة الألفة أيضاً ، فالألوان (والموديلات) التي تكون منفِّرة في زمنٍ ما ، ما تلبث أن تغدو جميلة في النّظر بعد أن أصبحت مألوفة نتيجة وجود (موضة) جديدة أقرتّها ونَشرَتها 0 إضافة إلى أن الأُلفة تبعث على عدم إدراك القبيح والإحساس بـه ، فاتّساخ الجدران والعيوب في أثاث المنزل مثلاً ، يألفها أهل ذلك المنزل فـلا يأنفونها ، بينما يلاحظها ، وقد ينفر منها ، الزائر الذي يراها أول مرة ...في الجمال بهجة وارتقاء ..إذا أردنا أن نربط موضوع الجمال بالواقع والحياة ، فإن أهميته تتبلور في تنمية الإحساس به ، أي تذوقه ، وتذوق الجمال لا يقتصر أثره على ما يبعثُهُ فـي النفس من بهجة ومحبة وإقبال على الحياة ، لكنه يرتقي أيضاً بالمشاعر والأفكار والأحاديث والتّصرفات والمواقف ، ويجعلها أقربَ إلى معاني الحُبِّ والسّلام والهـدوء والتّهذيب ، كما يجعل المرء يمقتُ الفَظاظة والغِلظَةَ والعُنف والعدوان والصَّخب والفَوران والعصبيّة ، إنه يسمو بالروح حتى يجعلها تترفَّعُ على السفائف والصغائر ، ويبعث في القلب مشاعر الحنان والعطف والإحساس بالكائنات .وعلى مستوى آخر واقعي ، فإن تذوق معاني الجمال والشعور بأهميته ، تبعثُ على الاهتمام بقيمة (الشَّكل) ، وهي قيمة كانت دائماً مدار بحث واختلاف بين المفكرين ، لكن يبدو أنه لا مناص في النتيجة من الاعتراف بقيمة الشّكل وأهميته ومدى تأثيره في الجوهر وتأثير الجوهر فيه ، فكم من معانٍ رفيعة لا تلقى اهتماماً حين تُعرض بأسلوب يعوزه الجمال ، وكم مـن مضامين عميقة لا يُلتفتُ إليها نتيجة طرحها فـي ثوب ينقصه الحُسن ، وكـم مـن أعمال جليلة تذهب هدراً حين لا تقدم بقالب جميل ، وبما أن للشكل علاقـة وثيقـة بالجمال ، وبالتالي بالتقبّل النفسي والانجذاب ، فهو (أي الشكل) إذن جزء مـن المضمون ، وليس نقيضاً ولا ضداً له . علاقة الجمال بالذوق :الذوقُ في الأصل هو الحاسّة الموجودة في اللسان ، والتي يتم من خلالها التّعرف على الطَّعمِ وتمييزه . غير أنّ هذا اللفظ استُخدِمَ مجازاً ، وعلى نطاق واسع ، للدلالة على تلك القدرة على التمييز بين الحَسَنِ والقبيح في الأشياء والأشكال والأفكار والكلام والأدب والفن والسلوك ، وقد استُخدم لفظ (ذاقَ) في اللغة منذ القدم بمعنى (أَحسَّ) ، وقيل في مفهوم الذوق بوجه عام : إنّه حاسّة معنوية يصدر عنها إنبساط النفس أو انقباضها ، لدى النَّـظر في أَثر من آثار العاطفة أو الفكر (2) .وموضوع الذوق مُهمٌّ ومؤثّـر في حياة الفرد والمجتمع ، لأنه يرتبط بالجمال والإحساس به وتقديره والتأثر به ، مع ما لهذا الأمر من انعكاس على الشّعور والسلوك . وإنـه مما يُعبِّر عن إيمان الناس بأهمية الذَّوق وأثره ، أنه يَسودُ في أحاديث عامة أفراد المجتمع وصف صاحب اللباقة والتهذيب في سلوكه بأنه يملك ذوقاً ، حيث تستخدم للتعبير عـــن ذلك عبارات عاميـــة مثل : (كُلَّكْ زوق) أو (هذا من زوقك) ، كما يوصف من يُعنى بجمال الأشياء وتنسيقها وترتيبها وتناسق ألوانها وأحجامها ومواضعها بأنه صاحب ذوق جميل ، ويقال في العامية : إنه (مِزْوِقْ) . الذوق الرفيع .. والذوق الوضيع :مع أن الحكم على ذوق شخص ما في ناحية من النواحي بأنه ذوق رفيع أو ذوق وضيع مسألة نسبية ، فما قد يراه شخص ما ذوقاً راقياً ، قد يراه آخر متدنياً ، غير أنه ـ وكما ذكرنا قبل قليل ـ ليست هناك نسبيّةٌ مطلقةٌ ، فلا شك أن غالب الناس ممن أُوتوا القدرة على التفكير وصواب الرأي ، يحكُمون على من يثير الصوت العالي والجلبة والضجة والصخب بأنه ذو ذوقٍ مُتدنٍ ، بينما يحكُمون على الهادئ المؤدّب المهذّب اللبق بأنه ذو ذوق سامٍ ، تماماً كما يحكمون على الإعجاب بالفن الهابط والأدب الرَّكيك والفكر الضَّحلِ بأنه من قبيل تردّي الذوق ، ويحكمون على تقدير الفن الرفيع والأدب الراقي والفكر العميق بأنه يمثل قدرة عالية على التذوق ويشير إلى حسن الذوق . الاهتمام بالجمال كجزء من ثقافة المجتمع :إن الانتباه للجمال ، والاحساس به ، وتذوقه ، وطلبه ، والنظر إليه كقيمة ، والسعي إليه ، والاهتمام بعلمه ، ومراعاة مقتضياته ، كل ذلك جزء من ثقافة المجتمع ، وهو جزء أَزعُمُ بأنه يغيب إلى حد كبير عـــن ثقافة مجتمعنا ، ومظاهر هذا الغياب متعددة ، منها المستوى المتدني من الاهتمام بالشعر والأدب والمسرح والرسم والموسيقى وشتى الفنون ، والمستوى المتدني من الاهتمام بالفكر والفلسفة والقراءة ، ومنها أيضاً مستوى ما تسمع وتشاهد من برامج هابطة في بعض وسائل الاعلام ، أو ما تراه في الشارع من عبوس في الوجوه ، وصخب وعدوان فـي الحديث ، وما تسمعه من زعيق أبواق السيارات الذي يحمل معنى (الشتيمة الآلية) ، وكل ذلك دليل على تـدني الاحساس بالجمال ، وغياب قيمته عن ثقافتنا ، إلى حدٍّ بعيد ، وهذا ما يُذكّرنا بمقولة الفيلسوف الألماني نيتشه (1844 ــ 1900) والتي جاء فيها : (( كل ما كان قبيحاً يضعف الإنسان ويقبض صدره ، إذ يذكره بالإنحطاط والخطر والوهن )) . وبعد :ربما كان مناسباً أن أختم هذا الحديث عن الجمال ، بعبارات رائعة وعميقة المعنى للمفكر الجزائري المرحوم «مالك بن نبي» (1905 ــ 1973) وردت فـي كتابه (مشكلة الثقافة) ، ويقول فيها : (( لا يمكن لصورة قبيحة أن توحي بالخيال الجميل ، أو بالأفكار الكبيرة ، فإن لمنظرها القبيح فـي النفس خيالاً أقبح ، والمجتمع الذي ينطوي على صور قبيحة ، لا بد أن يظهر أثر هذه الصور في أفكاره ، وأعماله ، ومساعيه )) . Facebook.com/Ibrahim.kasht
الإحساسُ بالجمالِ .. جزءٌ من ثقافةِ المجتمعِ
12:00 10-7-2014
آخر تعديل :
الخميس