التاريخ الشفوي.. عبق الشهداء «3»

التاريخ الشفوي.. عبق الشهداء «3»

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:00 8-7-2014

.. اعداد مفلح العدوان

 مفلح العدوان-  يستمر البوح حول سيرة الشهداء وبطولاتهم، وتفاصيل حكايات صعودهم نحو الأعالي مجللين بالطيب والغار والفخار.. هنا سيكون المرور على قريتين هما الذنيبة وطبقة فحل، وللشهادة هالات تتجلى في هاتين القريتين، وقصص يحكيها الرواة هناك بمهابة واعتزاز.

الذنيبة.. «خمسطعش شهيد»

يشكل عام 1972م في ذاكرة أهل قرية الذنيبة التي تقع شمال غرب مدينة الرمثا، منعطفا مهما في تاريخ القرية، والأثر النفسي على أبنائها، على إثر تهدم قريتهم، بعدما سقطت عليها القنابل، بعد معركة جوية فوق سمائها بين الطيران السوري، وطيران العدو الصهيوني.
يُفصّل بعض من تلك الذاكرة الحاج محمد الربيع (أبو محمود)، قائلا: «انضربت البلد بالثنين وسبعين(1972م)، وكنا عاملين مجلس قروي جديد، واعترضت الطائرات الإسرائيلية الطيران السوري، ورجعت الطيارات وكانت أربعة، ومحملة صواريخ، ورمت واحد من الصواريخ فأجا عالبلد».
يكمل الحاج محمد الزعبي (أبو قاسم)، مفصّلا بقية القصة لأنه كان رئيسا للمجلس القروي في تلك الفترة، مضيفا بأن «العملية صارت بين إسرائيل وسوريا، ولما وجدت سوريا إن الجو لصالح إسرائيل انسحبت، وتراجعت، ومنشان هيك كان لازم تخفف حمولتها، فرمت أول (كازان) في الجهة الغربية من القرية، وهزت ذنيبه، واتصدعت البيوت، واللي داره قريبه من هناك اتهدمت، يعني اللي انرموا كازانين، واحد بالوادي، وواحد غربا..واللي انفجر بالقرية، وقع على دار العفافي (محمود المصطفى العفافي)، ولأن البلد على حفة شفا، تأثرت كثير، واتهدمت بيوت، وراح شهداء بهذاك اليوم خمسطعش(15) واحد من القرية».
ويتحدث الحاج أبو محمود الربيع أنه كان في القرية عندما سقطت الصواريخ، وأنه أبلغ الدولة عن الحادث، من خلال التلفون الموجود في دكان مصطفى محمد أحمد (أبو معاش)، حيث هناك كان مكتب البريد، والتلفون، وبعد ذلك جاء الإسعاف والدفاع المدني إلى القرية.
 كما يضيف بأنه «أجا الملك حسين(الله يرحمه)، للبلد، ووقف في ساحة دار الناجي، وبوقتها كان صادق الشرع عندنا محافظ، وكان معه، فقال صادق الشرع:مولاي هذه بلد حدودي، وهي كل بيوتها الآن مهدومة أو آيلة إلى السقوط، فخلينا نعمرها، ووافق الملك، وأصدر أمره: (آمر بتعمير بلدة ذنيبه من جديد..)، وأعطى فترة ستة أشهر لإنهاء التعمير.. وكانوا الناس اللي مهدمه بيوتهم يسكنوا بخيام في الفترة بعد الصواريخ، وصار الإعمار على ثلاث دفعات، وكانت الدفعة الأولى ثمانين(80) نمرة».
ويتذكر أهل القرية أنه تم لهؤلاء الشهداء مراسم دفن سريعة، بسبب أن جثثهم كانت متفتتة، كما أن بعض البيوت مات فيها أكثر من واحد مثل محمود المصطفى الذي سقط «الكازان» على بيته، وماتت زوجته وثلاثة أولاد له، ولذلك فإن الملك الحسين الذي استمر على مدار ثلاث سنوات بعد التفجير يزور القرية، عندما حضر إلى ذنيبة، في إحدى المرات، أمر لمحمود بمسكن وأعطاه سيارة تاكسي ليعمل عليها.

طبقة فحل.. حرب الاستنزاف

للحرب والشهادة قصص يرويها دائما أهل قرية طبقة فحل تلك القرية الصامدة هناك في وادي الأردن، وبالتحديد أكثر، في الأغوار الشمالية، على مسافة 5 كيلومترات شرق بلدة المشارع.
داخل القرية هناك أمكنة تحتل تفاصيل خاصة في الوجدان الشعبي، والذاكرة الجماعية، لأهل قرية طبقة فحل، ومنها مرتفعات تل الحصن وسرطبة، تلك المناطق التي كانت تشكل مخبأ للمدنيين أثناء حرب الاستنزاف بعد عام 1967م، حيث كانت القرية مستهدفة وعرضة للقصف ردا على أي اختراق من قبل المقاومة التي كانت تتمركز حولها، أو مدفعية الجيش الأردني التي كانت تقصف العدو من المرتفعات المحيطة بها.
ويصف أهل القرية هذا الرعب بالقول أن بعض الصواريخ التي لم تنفجر في تلك الفترة، بقيت حتى وقت قريب، تشكل خطرا موقوتا على أهل قرية طبقة فحل، كما أنهم في تلك الفترة تأثرت معيشتهم بسبب قصف المدفعية والطائرات لمزارعهم، مما أجبرهم على اللجوء إلى المغائر والكهوف القديمة، لتصبح مأوى لهم ولعائلاتهم، وكان بعضهم ينام في قبور القرية الأثرية لمدة تصل أحيانا إلى أربع وعشرين ساعة، في تلك الليالي التي كانت سماؤها مكتظة، دائما، بأصوات الطائرات ودوي المدافع، وانفجارات القنابل، كانت طبقة فحل، آنذاك، ترزح تحت كل هذا الرعب.

نزوح أهل الطبقة

يقول الحاج علي إبراهيم الحسين(ابومحمد): كان مبدأ المقاومة آنذاك «اضرب واهرب»، وكنا نحن المواطنين العزّل نعاني مما يحدث من ردة فعل اسرائيلية في تلك الفترة، لذلك فالكثير من اهل القرية (فلّوا) منها، ونزحوا من الخربة إلى القرى المجاورة مثل الأشرفيةوجديتا هربا من الرعب الذي كان يسلط علينا من طيران العدو، وبقي الوضع على هذا الحال حتى عام1973م.
ويتابع أبو محمد وهو يسرح نظره في الأفق: بعض السكان بقوا في بيوتهم، بينما بعضهم الآخر نقل فقط أغراضه وعياله وبقي الرجال يحمون المساكن.. عائلات قليلة استمرت في اقامتها داخل القرية رغم الرعب حولها، وكان أبي من هؤلاء، وكان له دكان هو ورفيقه حسن المفلح الملقب (بالهبر)، الذي كان شريكه في الأرض والتجارة، وأحيانا كانوا حين يشتد القصف يباتون في المغائر المنتشرة حول القرية خاصة حين تحوم الفانتوم والميراج والمستير (أنواع طائرات كان يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي في تلك الفترة) فوق القرية.
 انا بقيت معي عائلتي، وكان يجتاحنا خوف حقيقي آنذاك، وفي البداية، كان الرعب كثيرا خصوصا في أول مرة أرى قنابل التنوير التي تطلقها الطائرات، كان هذا بعد المغرب، وكانت أم محمد «تدك البابور لتصنع ابريق شاي»، فتحت الباب ورأيت التنوير، وفكرت انه من البابور، فقلت لها «طفيه»، ورمت الطائرة «اللمبه» وانتشر «الضوء»، فخفت وقلت لها وزعي الأطفال على زوايا البيت، وبدأت الطائرات بعد ذلك تضرب، وتقصف، شاهدتها تضرب سيارة عسكرية، وبعد قليل  هدأ الجو، فنقلت أم محمد والأطفال إلى خندق قريب، وقلت لهم «ما تخافوا بس شهّدوا يا اولادي»، وغطيت الخندق بالخيش،أما أنا فاختبأت في مكان آخر عند صخرة قريبة.
كانت المشكلة في الطيران عندما يرمي الصواريخ، والكازانات(برميل كبير مثل الصاروخ فيه متفجرات ويعمل حفرة كبيرة)، إضافة إلى الرعب من مدفعية الجيش التي كانت تقصف من فوق رؤوسنا.. كان خوفا بمعنى الكلمة في لحظتها.
ولاحظ أبو محمد أن القصف «لم تسلم منه حتى الحيوانات، مثل حصان جارنا، الذي كان مربوطا شرق داري»، ولما طلعت الطيارة الاسرائيلية تحوم فوق القرية كان يركض ويدور من الخوف ومن الصوت، فاقتربت منه الطائرة وقصفته فتقطّع وتهدم معه جدار الجهة الشرقية من بيتي!!

دم فوق عجين الجائعين

خمسة أطفال حولها..
والقصف مستمر من الأعلى، كأن السماء يحرسها البارود، وتريد ابتلاع الأرض، والتهام قرية طبقة فحل، غير أن «آمنة عمايرة» لم يكن عندها في البيت أية قطعة خبز، وما من طعام تسد به جوع أبنائها الذين يبكون حولها..عجنت لهم الطحين، جهزته، ولم يتبق لها الا أن تخبزه، و»بيت الطابون» على مرمى خطوات من موقع خوفها وجوع أبنائها!!
آمنة  العمايرة، كانت تسمع صوت الطيران، وكانت تشعر بالرعب أيضا، لكن تلك الأفواه حولها كانت تنتظر من يبدد جوعها، فحملت المعجن بين يديها، وهي تدعو الله أن يلطف بهم..ونبض قلبها يعلو.. خطوة أولى، وكانت خارج المأوى..خطوة أخرى، على تلك التلة، وكأن قدرها كان ينتظرها،فاقتربت منها الطائرة..وأخطأتها في المرة الأولى كأنها تحذرها.
 لم تتراجع.. وبيت الطابون لم يتبق بينها وبينه سوى خطوات معدودة، فاستمرت نحو هدفها، لكن الطائرة عادت سريعا وأطلقت عليها النيران من رشاشها فتناثر الدم الطاهر فوق عجين الجائعين، وكانت شهيدة طبقة فحل أم الخمسة أطفال..الشهيدة آمنة!!

عروس الغور

قبل ثلاثة أيام كان عرسها..
والفرح مشوب بصوت الرصاص.. وعروس الغور كانت تهيء نفسها للخروج مع زوجها ومجموعة من الحصادين نحو طبقة فحل!!
كان كثير من أهل القرية قد غادروها، ورحلوا إلى القرى المجاورة، لكن أرضهم هناك كانوا قد زرعوها حبوبا، وجاء وقت الحصاد..السنابل أمام أعينهم، والطيران فوق رؤوسهم..العائلات تنتظر من يسد جوعها، وكان بعض هؤلاء الأهلين يغامر فيعود إلى أرضه، ويبدأ حصادها خلسة، وبرعب كامل، فالطيران في أي وقت سيأتي، بعضهم نجا، وآخرون كان نصيبهم الشهادة.
العروس التي خرجت مع الحصادين «الغوارنة»، كانت أساور الذهب ما تزال في يديها، وكأن سوء طالعها قد قادها في هذا الاتجاه، مع الحصادين، وكانوا منهمكين رغبة بالقمح، وخوفا من جهنم الطائرات.
كانت قريبة منهم فبدأ القصف، وبدأ الدم معه، وكانت عروس الغور تلك إحدى الشهيدات.. كانوا ستة وكانت هي المرأة العروس بينهم !!

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }