يقولون من باب التباهي والإعتزاز ان السلطي يظل سلطيًا حتى لو ولد في القطب الجنوبي! ويقصدون من ذلك ان الجينات السلطية غلاّبة في الخير والتضامن والحميّة ولا تعترف بمكان الولادة ما دام الوالد سلطي. خذ مثلاً على ذلك اللواء الركن المتقاعد فخري أبو طالب.. فهو من مواليد عمّان حيث كان الوالد يعمل في الجيش. جده كان يملك البستان الذي بنيت عليه مكاتب أمانة عمّان الكبرى في راس العين. نشأ ودرس في عمّان ومع ذلك فانه من رواد تأسيس مؤسسة أعمار السلط التي منحها أيضًا من تخصصه العسكري في العمران والبنية التحتية ومن مكتسباته الثقافية في السلك الدبلوماسي الشئ الكثير المضاف إلى الرعاية والعمل بروح الفريق. هو من جيل العسكر الذي دخلوا الجيش أيام كلوب إذ كان بنفسه شخصيًا يفحص ويختار. ولا يرى أبو طالب غضاضة في ان يعترف بأن الضباط الإنجليز قبل تعريب الجيش كانت لديهم مناقبيات الإنضباط والموضوعية التي أعطت للجيش الأردني خصوصيته بين الجيوش العربية. ما بين الروح العسكرية التي صبغت عقلية اللواء الركن أبو طالب، ثم العمل الدبلوماسي الذي ذهب به في عديد عواصم العالم وثقافاته، وانتهاء بعضوية مجلس الملك الخاص، فان الرجل يمتلك إطلالة عريضة الطيف على الصورة المحلية والإقليمية المتحركة في هذه المرحلة، ويعززها بذاكرة ثرية من المشاركة المسلحة في سلسلة من الحروب والمعارك التي شارك فيها دفاعًا عن تراب هذا الوطن. ومضافًا إلى هذه الذاكرة الوجدانية المشتعلة بمشاعر الإنجاز والوفاء فان الرجل يمتلك حسًا أردنيًا عاليًا بالرضى الذي لا يمنع الدعوة إلى المزيد من الحرص في مواجهة مستجدات هجينة تسللت إلى المجتمع الأردني في السنوات الماضية. رغم مرور اكثر من ثلاثة عقود على حرب حزيران 67 الا انها لم تدون تاريخيا من الجانب الأردني على نحو موضوعي متكامل. أنتم شاركتم في تلك الحرب ، ماذا لديكم الآن لتقولوه مما لم يقل؟عندما اندلعت حرب الـ 67 التحقتُ باركان العمليات. مسودة أمرانسحاب قواتنا المسلحة من الضفة الغربية إلى الشرقية « أعدت من قبل ضباط الأركان والفريق عبد المنعم رياض وسلمت لي لطباعتها» فذهبت لمكاتب مديرية العمليات وانتظرت مدير القلم الوكيل محمد علي أبو عمير، وعندما انتهى من طباعتها اخذتها للفريق رياض حيث صحح واضاف عليها فعدت للطابع مرة ثانية واخذتها للفريق رياض فوقعها وسلمت الأوراق جميعها بما فيها المسودة والمصححة إلى العميد الركن محمود شابسوغ مدير العمليات الحربية وقال سنحتفظ بكل هذه الأوراق كما هي للمستقبل.ضباط الأركان الأردنيون أو من جاءوا مع الفريق رياض من مصر كانوا على مدار الوقت منهمكين في تلقي الاتصالات واصدار الأوامر والتعليمات على الهاتف أو كتابة البرقيات، وبالنسبة لي فان اول أربعة أيام الأولى امضيتها في مركز العمليات على مدار الساعة ولم أغادر. واذكر قصة طريفة في مركز العمليات حيث كان ضباط الأركان منهمكين في واجباتهم.. في الأثناء دق جرس الهاتف، ولم يرد أحدا فقام جلالة الملك الذي كان متواجدا على مدار الساعة طوال أيام الحرب .. جلالته رفع سماعة الهاتف وأجاب، وكنا قد انتبهنا اليه وهو يقول: «أنا حسين، كيف الأمور عندكم؟» ثم يبتسم:» ماذا تريد أنا حاضر» ولما لم يستجب له الطرف الآخر نادى احد ضباط الأركان وقال له:» رد عليه لأنه لم يقبل ان يقول ماذا يريد» وتبين فيما بعد ان الطرف الثاني من الهاتف العقيد عريقات قائد مركز الأغرار في الفصائل بالغور معتقدا ان الذي اجابه الرائد «حسين أبو جمعة» وليس «الحسين بن طلال «وانه لا يريد ان يبحث معه الموضوع لانه يريد ركن من الرتب العليا او حتى مدير العمليات اومساعده. ومن معركة الكرامة ماذا تتذكر الآن؟في نهاية العام 1967 نقلت آمرا لمدرسة الهندسة العسكرية وقد أوليت اهتماما كبيرا لتدريب دورات الهندسة للضباط وضباط الصف والأفراد‘ وكان ذلك من اقتراح النقيب هشام فوزي العواملة الذي تخرج من دورة الصاعقة من جناح المظليين في مدرسة المشاة . كنا نطلب تنسيب الجنود وضباط الصف من وحدات الهندسة ويجري الإعداد والتدريب من قبل هشام ومساعديه ،ما رفع من الكفاءة القتالية لجنود وضباط صف الهنسة بسبب التدريب الشاق الذي يتلقونه في هذه الفترة.. بدأت هذه المقدمة لأقول انه في 21/3/1968 وفي اثناء الليل كانت لا تزال معركة الكرامة مشتعلة عندما طلب مني تجهيز سرية هندسة ميدان للذهاب إلى ميدان المعركة بعد انسحاب الجيش الاسرائيلي منها وذلك لتفجير القنابل والالغام غير المتفجرة وتطهير أرض المعركة قبل دخول العسكريين والمدنيين إليها، حيث جهزت سرية هندسة ميدان بقيادة الرئيس هشام العواملة وثلاثة ضباط مدربين وتحركت السرية وأدت واجبها وقد ذهبت بالتفتيش عليها بصحبة قائد سلاح الهندسة الملكي العقيد الركن المهندس عبد الهادي المجالي والتقينا في الكرامة بقائد كتيبة هندسة الفرقة المقدم سعد صايل، وشاهدنا في الموقع آليات العدو مدمرة في أرض الكرامة. ومن حرب أكتوبر1973 .. ماذا يحضرك أيضاً؟كنت آمرا في في الكلية العسكرية الملكية عندما استدعيت الى القيادة العامة من قبل العميد الركن قاسم الدويري مدير العمليات الحربية.. كان ذلك مساء 9تشرن أول 1973. قدم لي العميد الدويري ايجازا عن سير العمليات على الجبهة السورية في هضبة الجولان... السوريون حققوا اختراقات في الدفاعات الاسرائيلية، وحرروا قسما من أرض الهضبة المحتلة، ولكن بعد أن استكمل الاسرائيليون دعوة الاحتياط في أقل من24- 48ساعة دفعوا بقواتهم تجاه الهضبة وهي اخطر من الجبهة الغربية المصرية لقربها الى قلب اسرائيل فقد تمكن العدو من من صد رؤوس هجوم السوريين وهم مستمرون في دفاعاتهم وأوقعوا اصابات كبيرة في الدبابات السورية باستخدامهم صواريخ « التو» التي كانت تطلق من قاعدتها نحو الهدف مباشرة دون ان تخطيء.. «التو» كانت من مفاجآت هذه الحرب بسبب استخدامها في هذه المعركة للمرة الأولى. العميد قاسم الديري أبلغني رسالة الى القيادة السورية عن خطورة الموقف فتحركت ليلا الى دمشق وعدت قبل الصباح وقدمت ايجازا لسيادة الشريف زيد بن شاكر ثم الى جلالة الملك وامر جلالته انذار اللواء المدرع 40 ليكون جاهزا للحركه الى سوريا. فنقلتها وعدت الى عمان الى مكتب الشريف زيد بن شاكر وأبلغته بطلبات السوريين وانطباعاتي الشخصية وحديثي مع اللواء الأتاسي وبعد ان استمع الي قال : ان جلالته قادما ليستمع مني تفاصيل ما قلته لأبي شاكر .. جلالته امر فورا الشريف زيد تجهيز اللواء المدرع الـ 40 وان يصدر أوامر لتحريكه الى منطقة الرمثا، وكان اللواء 40 يتألف من كتيبتي الدبابات الثانية والرابعة وكتيبة الأمير عبدالله الأولى وقائد اللواء العميد الركن خالد هجوج المجالي. ساءت الأمور يوم 11/10 على الجبهة السورية وحقق العدو اختراقات أعمق. في الأثناء سلمني الشريف زيد رسالة لتسليمها للعميد المجالي قائد اللواء الموجود في قيادته على الحدود الاردنية السورية وطلب مني متابعة سيري الى دمشق لابلغهم تحرك اللواء المدرع 40 تجاه مواقعه الى الجبهة السورية .وطلب مني الشريف زيد أيضا البقاء في القيادة السورية كضابط ارتباط بين الجيشين الأردني والسوري. ومن الجدير ذكره ان قيادة الفرقه المدرعه 3 الملكية واللواء المدرع 99 تحركا الى الجبهه السوريه. في أثناء احد الاجتماعات نصح العميد خالد هجهوج السوريين بالطريقه للقضاء على صاروخ التو وذلك بناءا على خبرته ودورته في مدرسة الدروع الأمريكيه فورت نوكس. وعندما تم اعلان وقف اطلاق النار في 24/10/1973 وقبلت به سوريا والأردن عدت للقيادة في موقعي السابق في الكلية العسكرية الملكية.. وبالنسبة لقواتنا المرابطة في الجبهة السورية بقيت لفترة ثم عادت لمواقعها على الأراضي الأردنية.وماذا عن دورك كمشارك في اللجنة العسكرية الدائمة بمقر الجامعة العربية ؟ في العام 1974 اتخذ قرار في مؤتمر القمة العربية بتفعيل التعاون العسكري بين الجيوش العربية بارسال مندوبين عسكريين إلى الأمانة العسكرية لجامعة الدول العربية تقوم اللجنة الدائمة بدورها بإجراء دراسات تتعلق بالأمن القومي العربي... داومت في مكتبي وكنت برتبة عقيد ركن والمندوب المصري برتبة لواء ومندوبون من السودان والسعودية والكويت والصومال بالإضافة لضباط برتبة عقيد من الاستخبارات المصرية ومسؤول الإدارة ضابط متقاعد برتبة لواء. وقد قمنا بعدة دراسات منها دراسة أمن البحرالأحمر وأمن المضائق العربية وكانت هذه الدراسات تأخذ وقتا طويلا ومملا، فانتهزت زيارة رئيس الوزراء زيد الرفاعي إلى مصر وبصحبته الشريف زيد بن شاكر القائد العام للقوات المسلحة الأردنية لزيارة المنطقة المحررة شرق القناة حيث رافقتهم في هذه الزيارة وعندما سألني الشريف زيد عن واجباتي وما اقوم به من عمل أجبته: « ان الواقع هو وجود ضابط برتبة عقيد يقوم باضاعة وقته غير المستغل» فقال: « ستعود لموقعك في جيشنا وسنستفيد من خبراتك».عدت في العام 1975 بأمر لتنسيبي لدورة كلية الحرب في الصين الوطنية لحضور دورة عسكرية كانت عبارة عن دراسة استراتيجية لميدان المعركة .. هذه الدورة كما علمنا من الجنرال بي. سي. يو، ان الملك الحسين اشترك فيها بالمراسلة ، وانهى جميع فصولها. وبعد انتهاء الدورة عدت في العام 1976 الى الأردن وقد رفعت الى رتبة عميد وعينت مديرا لسلاح الهندسة الملكي ووفي الـ 1977 نقلت مديرا للعمليات الحربية واثناء خدمتي في هذا الموقع كلفت بزيارة ليبيا مع العقيد سالم الترك والعقيد زهير الطراونة للتعرف على حاجة الجيش الليبي من المدربين لمختلف الأصناف وقد رافقنا من عمان السفير الليبي صالح السنوسي ..وفي العام 79 عينت قائدا للفرقة الآلية 12الملكية وفي العام 1980 عينت مساعدا لرئيس هيئة الأركان للادارة في القيادة العامة وفي ورفعت الى رتبة لواء وأحلت على التقاعد في 20/8/1981 لكم شخصيا مع مؤسسة اعمار السلط فضل المشاركة في التأسيس وفي وضع أهدافها وبرامجها التنموية:مؤسسة اعمار السلط هي مؤسسة خيرية تطوعية كانت في بدايات تأسيسها عندما استلمت ادارتها وانتظمت في المكاتب التابعة لبلدية السلط. اجتماعات مجلس الادارة بدات تصل الى قرارات ملموسة لتحقيق اهداف المؤسسة في المجالات التربوية والتنموية الاجتماعية والرياضية والصناعية والحرفية والصحية وكنت اتابع تنفيذ كل ما يتعلق منها بالتدريب الحرفي حيث قمنا بعمل مسح للحرف التقليدية الموجودة والتي اندثرت في مدينة السلط في سبيل احيائها وتجديدها. هي الحرف التي تساعد على تنشيط السياحة لمدينة السلط. اضافة لمشاريع ناجحة اخرى منها مشروع المركز الثقافي وسوق الخضار والمنطقة الحرفية والمركز الصحي ونادي السلط الرياضي وكلها من المشاريع الرائدة لخدمة ابناء السلط. استراحة أجمل ما تقوله عن عمّان التي ما تزال ذاكرتك تحتفظ بأجمل سنين عمرك فيها: ما أجملها من مدينة ولدت فيها وعشت طفولتي ومراهقتي وشبابي وتقدم سني عمري.. عشت تفاصيلها منذ كانت قرية صغيرة يعيش سكانها حول السيل الذي ينبع من راس العين إلى الزرقاء عندما كانت تنتشر بساتين الخضار والفواكهة على جانبي السيل حتى المحطة. في الذاكرة لعمّان الحبيبة جامع رويزق اسم لرجل متدين سكن مغارة بجانب هذا المسجد وكان يصلي فيه ويؤم المصلين.. هذا الشيخ الصالح كنت عندما أتحدث معه لا أرى إلا البسمة والبشاشة لا تفارق قسمات وجهه.. أما جبل النظيف فهو اسم اطلقه عليه الملك المؤسس عندما كان أميرا. سكان منطقة السيل كانت بيوتهم ولا أجمل من الطين والقصيب.. سيل عمان وعيون الماء التي كانت ترفد السيل على طول مسار جريانه. وفي الذاكرة سبيل الحوريات الذي ما زال حتى الآن وشتان ما بين عمّان الماضي والحاضر.. حاضرها امتد فأخفى روعة معالمها بتطور ببنائها وشوارعها حتى دمرت الأرض الزراعية الخصبة مثلما غيرت حضارتها طيبة ناسها وعفويتهم وصفاء نفوسهم. طفولتي في عمّان لا تنسى؛عشتها على أكف الراحة والبساطة وصفاء القلوب .. وما زلت أتذكر رفقتي لجدي لشراء مستلزمات البيت وهو يؤشر بيده لأحد «العتالة» يحمل سلة على ظهره لمساعدتنا بنقل مشترياتنا من لحوم وخضار وفواكهة إلى المنزل.لا استطيع ان افرغ كل ما تحمله الذاكرة عن عمّان الشامخة في الأعياد والحفلات ووسائط نقلها والألفة والمحبة بين ناسها لكنني أجزم ورغم كل المفارقات ما بين ماضيها وحاضرها ستبقى عمان عروس الوطن ترتدي أزهى ملابسها المزركشة بأكاليل الفرح والعزة والكرامة.
اللواء الركن المتقاعد فخري أبو طالب
12:00 7-7-2014
آخر تعديل :
الاثنين