صعود المطر

صعود المطر

يحيل المخرج السوري عبد اللطيف عبد الحميد في فيلمه «صعود المطر» المنتج العام 1995، فعل سقوط المطر لحظة التقاء عاشقيْن تحت رذاذه الحالم، إلى فانتازيا صعود يهيم الجميع في معانيها المتخيلة. من أجل هذه اللحظة التاريخية العارمة بالمشاعر والتفاعلات والمد والجزر، يمكن أن تتغير المعاني كلها، وتتبدل الأحوال، وتنقلب المفاهيم رأساً على عقب. يتناول الفيلم من بطولة سهيل إدريس ومي سكاف وأمل عرفة ورنا جمول وعابد فهد وغيرهم قصة صباح، الكاتب المبدع، الذي يعيش تعقيدات الحياة وإحجامها في مدينة تنبذ أبناءها عن مركزها إلى أطرافها، يعاني صباح مثل معظم المبدعين والكتاب في بلادنا من ضائقة مالية مزمنة، لا يبدو أن لها مخرجاً، في خضم ذلك تنمو قصة حب بين فتى وفتاة، يلتقيان ليلاً تحت المطر ويراقصان شوارع الحارة القديمة المنسية. في بلدي الرابض بين نبض القلب وسكنات الروح، تأخر المطر كثيراً، ولكنه عندما جاء، غزيراً هطل، وأكيداً وطيباً وكريماً إلى أبعد الحدود. ولعاشقة مطر مثلي، فإن الرقص تحت حباته المقدسة أصبح حلماً يراودني آناء الليل وأطراف النهار، ولمّا جاء في ظروف مرتبكة قليلاً، ومتشعبة الانشغالات والهموم، فقد اكتفيت بطقس المشي تحته، أمشي مسافات ممتدة خارج حسابات الزمان والمكان، أترك شعري يشرب عصير الغيم عن آخره، يرشفه قطرة قطرة، ويرفع نخب الفرح عالياً حتى حدود النجمة الطالعة من بين قبائل السحاب. يقولون إن المطر ينحبس أحياناً مع ازدياد مساحة الشر في نفوس البشر، ومع تراجع قيم كبرى ترعرعنا عليها وعلى تمثلها والالتزام بها ديدن حياة وعنوان وجود. ويقولون إن المطر هو الوشيجة العظيمة بالخير والبركات بين الأرض والسماء. أما أنا فأقول إن المطر هو رفيق شتائي، وأنيس مشواري المسائي العاشق لروح المغامرة وحاجة الإنسان للحظة تطهر عمق الدلالات. المطر هو فعل الناموس الكوني العظيم، وصوته سيمفونية الخلود، يبدأ هطوله وئيداً خجولاً حريصاً على عدم مفاجأة الناس والأطفال والعواجيز الملولة من البيوت العتيقة، ثم ما يلبث هذا الهطول المتأني أن يتسارع بالتدريج، ويرتفع صوته بإيقاع بليغ الدقة الرياضية الموسيقية المدروسة، وصولاً إلى لحظة الذروة المشتهاة، وهي اللحظة التي تترافق مع البرق والرعد والصخب العظيم، ليبدأ بعدها تراجع الزخة المطرية حتى حدود الانحباس مرة أخرى، بدورة ناموسية تتقاطع كثيراً مع مراحل المقطوعة الموسيقية: بداية (مدخل) وذروة ونهاية (قفلة أو خروج). ويبدو أن سيرة المطر وتصاريف دورته الواحدة قد ألهمت موسيقاراً أوروبياً معاصراً فقاد فرقة فولهارمونية لتقدم بيديها وأرجلها وأقدامها ودون أي آلة موسيقية على الإطلاق معزوفة «صوت المطر» بعبقرية فذة، باتت ترى بأي معطيات متاحة بدائل ممكنة لتبني فعلا إبداعيا رياديا بقليل من الأدوات والإمكانيات أو بانعدامها في بعض الأحيان. المطر يصعد بعيداً في آفاق روحي، ويعدني بالمزيد، فأنام ممتلئة بأحلام الزمن والحب وشعارات الوطن الكبير...