الطبقة الوسطى في المجتمع

الطبقة الوسطى في المجتمع

نتحدث عن الوسطية فنمتدحها، نقول واسطة العقد فنشعر بأهميته، وتسأل عن جمال فتاة يراد خطبتها فيقال هي وسط فترتاح لها. كلمة الوسط تعني منطقة بين الطول المفرط والفقر... بين الشبع المفرط والجوع، بين الإسراف المفرط والتقتير... وكان بين ذلك قواما. وهو كذلك منطقة وسطى بين الغنى والفقر وهذا هو صلب موضوعنا في هذا المقال. لو نظرناً إلى غنى الدول في العالم... ثم إلى أفقرها، لرأينا أن هناك طبقتين أحداهما بالغة الثراء والأخرى بالغة الفقر... ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال طبقة من الفقراء يحددها الباحثون بنسب معنية... ولكنه فقر نسبي... الفقراء هناك يعيشون على التأمينات الاجتماعية البسيطة أو على مهن متواضعة لا يكفي دخلها لتلبية مطالبهم الأساسية... وعليه فإنهم فقراء... ولكنهم ليسوا كفقراء بعض الدول الأفريقية التي يصل الفقر بأصحابه إلى الموت جوعاً وعطشاً على سبيل المثال. وكما لكل أمر بداية ووسط ونهاية فإن للترتيب الاجتماعي طبقات ثلاث: أغنياء ووسط وفقراء... هذا هو الوضع الطبيعي لكل المجتمعات... فقدرات الإنسان على الكسب والتحصيل متفاوتة وليست متساوية... ولو تساوت لأصبح الناس طبقة واحدة... ولو أصبحوا طبقة واحدة لاختلت موازين المجتمع وبالتالي موازين الكون. ولو كان الناس طبقة واحدة لما وُجد من يعمل في هذه المهنة أو تلك، ولا أصبح الاختلال داخل المجتمع حقيقة واقعة حتى في المجتمع الإسلامي الأول وفي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. كان هناك الأغنياء وغير الأغنياء... كان هناك عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما... ولكنهما كما يؤكد التاريخ لم يبخلا بهذه الأموال لا على الفقراء ولا على تجهيز الجيوش... ولكن الطبقات الثلاث كانت قائمة كأعمدة ارتكاز لأي مجتمع من المجتمعات السليمة. أما دور الطبقة الوسطى في المجتمع فهو نابع من كونه الأقرب إلى الطبقتين الأخريين.... وهمزة الوصل بينهما... فهم عدد من أصحاب المهن والتجار... وفئة من الموظفين والمزارعين وأصحاب المؤسسات الصغيرة وبعض مالكي العقارات وغيرهم من يرتقي بهم دخلهم عن الفقراء ولكنه لا يصل بهم إلى خانة الأغنياء... هؤلاء هم أصحاب الدور الأساسي في دوران عجلة الحياة في أي مجتمع... إليهم يرنو الفقراء، وعنهم لا يترفع الأغنياء... وكلما ازدادت هذه الطبقة... وهاجر إليها الفقراء كلما كان المجتمع يسير في الاتجاه الصحيح. أن أي حركة إصلاح داخل مجتمع من المجتمعات تنبع من دعم هذه الطبقة بمزيد من الفقراء الذين ينتقلون إليها بجهدهم وعملهم وكفاحهم، ليخلوا أمكنتهم لآخرين في خانة الفقر تمهيداً لدعم الطبقة الوسطى بهم فيما بعد. وعليه فإن ضعف هذه الطبقة أو زوالها يحول المجتمع إلى طبقتين أحدهما بالغة الثراء والأخرى بالغة الفقر... أي إلى طبقة من السادة والأخرى من العبيد. وهذا هو الخطر الماحق على أي مجتمع من المجتمعات. وعليه فإن الطبقة الوسطى في المجتمع هي صمام الأمان، والمؤشر الواضح على صحة مسيرته وخلوها من العثرات لأزمان طويلة قادمة فالمطلوب إذن هو دعم الطبقة الوسطى لا بما يوصلها إلى طبقة الأغنياء بل بما يرفدها بالمزيد من طبقة الفقراء.