عبد القادر الرباعي.. النقد الثقافي مشروعاً تنويرياً

عبد القادر الرباعي.. النقد الثقافي مشروعاً تنويرياً

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 16-5-2014
-
-

د.يوسف محمود عليمات

تتأسس التجربة النقدية لعبد القادر الربَّاعي على بنية فكرية رصينة ولّدت بدورها وفاعليتها مشروعاً علميّاً تنويريّاً ومفتوحاً في الآن نفسه.
وقد كان هذا المشروع الذي أنجره الرباعي متحموراً حول قيمة أساسية في قراءة الخطاب، هي المنهج. ووفقاً لهذا التصوّر، برهن الربَّاعي في مشروعه النقدي منفتح الآفاق، أنَّ قراءة النصّ –أيّ نص سواء أكان شعريَّاً أم نثريّاً- تستأهل كفاءة معرفية من لدن المتلقي المختلف كي يتمكن من محاورة النصّ وتفكيك شيفراته وأنساقه.
إنَّ موضعة النصوص في إطار مرجعياتها الفكرية والثقافية والجمالية، تسمح، والحال هذه، بانبثاق التعدّد القرائي وسؤال المنظارية، فتبدو هذه القراءات/ المنظورات آثمة كما يقول النقاد التفكيكيون.
لقد تمكّن الربَّاعي وفقاً لطروحاته الفكرية والنظرية، تنظيراً وإجراءً، من إنجاز دراسات نقدية جادَّة أفاد منها النقد العربي كما أفاد منها تلاميذه ومريدوه على مدى أربعين عاماً، وإلى هذا المعنى أشار الناقد خالد بن محمد الجديع في مقالة نشرها على موقع «الجزيرة» الثقافي بعنوان «الأردن يدير دفة النقد الثقافي»، إذ يقول: «لم يعش الرباعي على مجده السالف، بل قرّر أن يواكب الجديد الذي أصبح خياراً استراتيجياً لبعض تلامذته، فألّف في سنّه المتقدمة كتاباً سماه (تحولات النقد الثقافي)؛ ليبرهن لتلاميذه إن المقدمات التي يكتبها لهم ليست ذات طابع إنشائي، وإنما هي حصيلة بصر دقيق بخلفيات هذا المنهج وآلياته، كما لم يقنع الرباعي بإسهام ضئيل يكون بمنزلة تحلة القسَم، بل استحال شاباً نشيطاً يرصد حركة النقد الثقافي منذ منتصف القرن العشرين حتى الآن...، ومن تحت عباءة الرباعي خرجت رسائل علمية في جامعة اليرموك تتناول الأنساق الثقافية من زوايا نادرة ومثيرة، ولقد بُثّت روح الخصوبة في مفاهيم هذا المنهج فغدا أكثر رونقاً وإشراقاً».
وإدراكاً لقيمة هذه التجربة وتبجيلاً لهذا المشروع النقدي الجادّ، فقد نهد ثلّة من النقاد إلى إهداء عددٍ من البحوث نُشرت بين دفتي كتاب إلى الناقد الربَّاعي بعنوان: «رحيق المعاني: بحوث مهداة إلى عبد القادر الربَّاعي»، صدر عن دار جرير للنشر والتوزيع بعمّان (2014)، وأعده الناقدان موسى ربابعة وعمر الفجاوي، وقدّم الكتاب العلاّمة ناصر الدين الأسد.
شمل الكتاب سبع عشرة دراسة نقدية يمكن بيانها على النحو الآتي: «الأعمال الشعرية الكاملة لعبد الرحمن بارود» للناقد إبراهيم الكوفحي، و»أثر أبي العلاء في الشعر العربي الحديث» للناقد إبراهيم السعافين، و»الأنا الناقدة: حركة لا تهدأ» للناقد إبراهيم ملحم، و»علاقة النقد العربي الحديث بالنقد الغربي» للناقد إبراهيم الياسين، و»قصة إيقاع» للناقد أحمد حيزم، و»جماليات اللون في الخطاب الشعري عند أبي تمام» للناقدة أمل نصير، و»ملامح من الغربة السياسية والاجتماعية في شعر الشريف الرضي» للناقدين إيمان الكيلاني ومحمد الخلايلة، و»عرار الناقد الشاعر.. من الروح الشعرية إلى الإيماءة الدلالية» للناقد جمال مقابلة، و»منهج عبد القادر الربَّاعي بين النموذج وفرضية القراءة» للناقد سلامة محمد الرضا، و»سؤال التراث في الخطاب النقدي المعاصر» للناقد عبد الفتاح يوسف، و»التكامل المعرفي: همّة عالية أدركها القدماء: الحافظ بن عساكر نموذجاً» للناقد عمر الفجاوي، و»تحقيق في وفاة الشيخ أبي عثمان الجاحظ» للناقد محمد الدروبي، و»خطاب المقدمات وميثاق القراءة في شروح حسن كامل الصيرفي على الشعر الجاهلي» للناقد محمد العبسي، و»تأنيث المكان وتمكين الأنثى: دراسة في ثنائية المرأة – المدينة في شعر عبد الله رضوان» للناقدة مريم فريحات، و»البيئة الفنية البرغماتية في شعر أبي الطيب: (أطاعن خيلاً) نموذجاً» للناقدة مها خير بك ناصر، و»بنية التوتر: مقاربة سيميائية لنص جاهلي» للناقد موسى ربابعة، و»اللغة الشعرية وتحولات النسق.. قراءة ثقافية في شعر أبي عيينة المهلبي» للناقد يوسف عليمات.
تمثّل العنونة، أو «هدبية النص» بحسب الناقد الفرنسي جيرار جينيت، عتبة مهمة وفاعلة، ذلك أنها تنطوي على إشاريَّات لا متناهية تمتد إلى المضامين والعناوين الرئيسة والفرعية في بنية العمل الأدبي.
وتُظهر القراءة الفاحصة أنَّ هذه الدراسات المهداة على تغاير موضوعاتها، تندرج، ضمناً، في سياق العنوان المركزي: رحيق المعاني.
فالنص، وهذي سمته، منتج للمعنى/ المعاني، وهذه المعاني لا تغدو صيرورة أو حضوراً إلاّ بفعل القراءة العميقة للنصوص مما يسمح بالثراء الدلالي أو النسقي الذي يجعل النصوص مشرعة دائماً على الممكن والمحتمل، ولهذا يعتقد «شارل موريس»: «أنَّ الشيء لن يكون علامة إلاّ إذا تمّ تأويله بوصفه علامة على شيء من لدن المؤوّل».
ولا شك في أنَّ العنوان «رحيق المعاني» يشي بمفهوم «معنى المعنى» كما نرصده عند عبد القاهر الجرجاني وآ. ريتشارد؛ أي أن المعاني التي تنتجها النصوص بفعل القراءة الفاحصة تكوّن شبكة من الجماليات المتجددة التي تدهش المتلقي، فيكون الرحيق هنا بمنزلة اللذة/ لذة المعنى أو لذة النص التي تكلّم عليها رولان بارت. لهذا، يمكننا الذهاب مع «دريدا» عندما أشار إلى أن النصّ يمثل شبكة من الآثار التي تحيّل إلى علامات لا نهائية من الاختلافات بين العلامات الخطّية، إذ يبقى نشاط التفكيك مرتبطاً أساساً بالقدرة على استجواب النصوص، والغور في لعبة المعاني، أي العمل على تكملة المعنى من خلال تقويض سلطة المعنى الثابت.
يضاف إلى ما تقدّم، أنَّ عملية البحث عن جماليات المعاني، وما تضمره هذه الجماليات من أنساقٍ مخاتلة في البنى النصية تتماسّ في سيرورتها مع المنهجية النقدية التي كرّسها الناقد الربَّاعي في مشروعه المفتوح؛ فالصورة الفنية في أيّ نصّ ترتكز في تشكّلاتها على طاقة اللغة وما تضمره من إيحاءات ودلالات فيضية ذات أبعادٍ موضوعاتية لا حصر لها.
بناء على ذلك، كما يؤكد الربّاعي في دراساته ومقولاته النظرية، فإنَّ النفاذ إلى عوالم النصّ من قِبَل المتلقي العارف، يستوجب فرضيات وإستراتيجيات ومنطلقات واعية بغية الاشتغال على هذه النصوص وتأويل شيفراتها الجمالية. لهذا، يرى «أمبرتو إيكو» أنّ النصّ نتاج يرتبط مصيره التأويلي والتعبيري بآلية تكوينه ارتباطاً لازماً؛ فأنْ يكوّن المبدع نصّاً يعني أن يضع حيّز الفعل إستراتيجية ناجزة وتوقعات غير محدودة.
يقول الربَّاعي في كتابه «الصورة الفنية في النقد الشعري: دراسة في النظرية والتطبيق» (1995): «إنّ القناعة التي تولّدت عندي منذ التقيت بالصورة لأوّل مرَّة، شدتني إلى هذه الوسيلة الفنية الجميلة التي أرى أنها يمكن أن تكون قلب كل عمل فني ومحور كلّ نقاش نقدي...، فالصورة الفنية مولود نضر لقوة خلاّقة هي الخيال، والخيال نشاط فعّال يعمل على (استنفار كينونة الأشياء) ليبني منها عملاً فنياً متّحد الأجزاء منسجماً فيه هزة للقلب ومتعة للنفس».
ومن ثمَّ؛ فإننا نلحظ أنَّ عناوين الدراسات التي حواها «رحيق المعاني» بدت مؤكدة لجذرية المعنى/ المعاني في بنية النصوص؛ فهي قراءات ناقدة تطرح أسئلة مشروعة حول التراث والنقد قديمه وحديثه، وفق منطلقات ومنهجيات قابلة للتشظّي والتأويل.
وهكذا، يؤكد النصّ بما هو حادثة ثقافية ونسقية، أنَّ مقارباته منفتحة دائماً على فضاء/ كونية المعنى، وأنَّ نظامه الإشاري/ النسقي قمين بتشكيل عوالم وموضوعات ونمذجات تظل بحاجة دائمة إلى الكشف والقراءة.
لقد وُسمت تجربة الناقد عبد القادر الربّاعي بأنها مشروع نقدي أو منجزّ مفتوح؛ أي أنه منجَز، كما يبدو في تجلياته منظَّم، ومنهجي، ومعرفي يفيد من طروحات الحداثة وما بعدها قصْدَ إضاءة المعمّى والنسقي والمسكوت عنه في بنية الخطاب الأدبي؛ وفي هذا المنجز الذي أفاد منه النقد العربي رؤية ثاقبة ووثابة للنقد والتراث بعيون معاصرة؛ فهي -أي الرؤية- تتفاعل مع مستجدات الفكر الإنساني والعالمي على مستوى النظرية والمنهج؛ وتوظّف نتاج هذا التفاعل في قراءة النصوص الأدبية والتراثية ليغدو النص الشعري النثري نصاً حياً ومدهشاً في أبعاده وتجلياته الثقافية والجمالية والوجودية.
وبالفعل، فقد تمكّن هذا المنجز المفتوح على نظريات ومنهجيات متعددة: بنيوية، وتفكيكية، وسيميائية، وتأويلية وثقافية... إلخ، من إضاءة كثيرٍ من النصوص الأدبية التي تجعل الشاعر العربي القديم، مثلاً، معاصراً في فكره وفي نظرته لقضايا الإنسان والوجود التي يثيرها مبدعون معاصرون مثل: شكسبير، وأدونيس، وعرار، ومحمود درويش... مثلاً لا حصراً.
إن هذا المنجز المفتوح الذي رسخه الناقد عبد القادر الرباعي في الدرس النقدي العربي المعاصر على مستويَي الرؤية والمنهج، أحدث تحوّلاً جذرياً في رؤية الناقد إلى النصّ، فأضحى السؤال «كيف يقول النصّ» نقيضاً لمقولة «ماذا قال النصّ»، كما يظلّ في الآن نفسه فضاءً معرفياً قابلاً للقراءة والتأويل؛ فالأثر النقدي تماماً كالأثر العلامي/ السيميائي؛ يتذاوت مع ثيمات البحث والتحقق والديمومة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }