وليد سليمان - نذكرها بالشوق والحنين لأيام الماضي – قطعة الأثاث تلك المليئة بالبهجة ومؤونة الدار ، إنها خزانة المطبخ حامية الطعام وأدواته المتنوعة ، و المصنوعة من الخشب القوي الذي يعمر لسنوات طويلة متحملاً البرد وسخونة فصول الحياة .
كانت لدينا نملية واسعة في خمسينات و ستينات القرن الماضي ، تضع فيها أمي الصحون والكاسات والفناجين والملاعق والسكاكين والصواني ، وبعض المأكولات ...فلم تكن وقتها الثلاجات منتشرة للشراء والإستعمال لحفظ الأطعمة واللحوم!!.
وفي هذه النملية كانت الأمهات يضعن أيضاً مرطبانات الجبنة البيضاء واللبنة بالزيت والزيتون والمخللات ومربى الفواكه : وعلب مستعملة وأكياس قماشية صغيرة وبداخلها العدس والأرز والبرغل والفريكة والحبوب اليابسة كالفاصولياء والبازيلاء واللوبياء وبزر البطيخ والسكر والملح والشاي الناشف الحلل والقطين والزعتر ... الخ .
« النملية « ... لعل الكثير من الجيل الجديد الذي تربى على السهولة في التعامل المعيشي في البيوت والعصر الحديث لا يعلم معنى هذه الكلمة أو الغرض من استعمالها مع الكثير من الأشياء القديمة أيضاً .
فالنملية هي عبارة عن هيكل خشبي في شكل يشبه خزانة الملابس في هذه الأيام ،حيث كان الطعام يوضع بداخلها لكي تحميه من الغبار والحشرات وتوفر دخول الهواء من خلال الشبك الحديدي « المنخل « الناعم الذي يكسو معظم وجهها الأمامي.
و كانت النملية أشبه بثلاجة بدون كهرباء !!!! وتقسم إلى ثلاثة أقسام ،العلوي يضم ثلاثة رفوف يغطيها من الخارج بابان يفتحان إلى الجانبين ويؤمنان دخول الهواء عبر الفتحات الدقيقة للمنخل الناعم (الشبك) بينما يضم القسم الأوسط كان عبارة عن جرارين أو ثلاثة لوضع «الملاعق» أو السكاكين أو الحاجات المنزلية الأخرى، أما القسم السفلي فيضم «المرطبانات» الكبيرة وتنكات الزيت والبرغل أو «المونة» التي يتطلب حفظها البعد عن نور الشمس، ويغطي القسم السفلي بوابتان أيضا مغلقتان بخشب رفيع « التربلاي « أو مفتوحتان للهواء عبر المنخل (الشبك) . وكانت النملية في الأيام الماضية تدخل ضمن « جهاز العروس» حيث كانت غرضا أساسيا في المنزل كما هي الثلاجة في وقتنا ،واليوم ربما انقرضت النملية ولم يعد لها وجود إلا في بعض البيوت القروية فقط .
الطول والإرتفاع والعرض حسب رغبة صاحب أو «النملية « مختلفة و صاحبة البيت، حيث كان الطعام يوضع بداخلها لتحميه من الغبار والحشرات وتوفر دخول الهواء من خلال الشبك الحديدي الناعم الذي يكسو معظم وجهها الأمامي المطلي باللونين الاخضر و الازرق .. كما وكان يصنع الظهر (أعلى النملية) من خشب سميك بحيث يتحمل الأغراض الثقيلة مثل المطرقة و وسياخ اللحمة اذا كانت موجودة وأي شيء معدني او أدوات خاصة بالبيت .
وكانت النملية في الأيام الماضية تدخل في ضمن»جهازالعروس» حيث كانت غرضا أساسيا في المنزل كما هي الثلاجة في وقتنا الحاضر .)».
« ويُقال ان النملية «هي كلمة مشتقة من النمل ..وتأتي بتشديد النون ..وهي تعني تجمع النمل ... و هي كما ذكرنا صنعت لتحفظ المونة و الطعام من نور الشمس ولإبعاد القطط و الحشرات مثل ( النمل)عن الطعام .
ومن نشيد قديم كان يردده الاطفال أثناء ألعابهم نذكر :
عالنملية.. عالنملية
نطت قطة مشمشية
هِيا حلوة بس شقية
نطت حتة نطة
وخطفت ورك البطة
سوسو زعلانة
هي اللي غلطانة
سابت النملية شوية
شوية مفتوحة
إخص عليكي ياقطة
قطة حرامية ..!
وأذكر في عمان قديماً أن أبي ظل كل سنة يشتري علبة بويا خضراء اللون ليدهن نمليتنا الخشبية لتظل محافظة على مظهرها الجميل الذي يبعث في النفس السرور .
وكانت أخواتي يتسابقن بصنع أرضيات من الورق لرفوف النملية ، مع جعل حواف الورق مخرماً بواسطة استعمال المقص .
ومع السنين في الثمانينات ظهرت نمليات أخرى في عمان مصنوعة من صاج الحديد والزجاج في الواجهة العلوية للنملية .. إلا ان النملية الخشبية كانت أروع وأجمل .. ومع ذلك فإن التقدم التكنولوجي في صنع الأجهزة والادوات السهلة والمتطورة قد أزاح النملية جانباً من حياة الناس .. لتصبح ذكرى لطيفة وتراثاً تتحدث عنه الأيام الخوالي بكل تأمل وإعجاب .