في تمايز الحضارات.. وفي تحاورها أيضاً

في تمايز الحضارات.. وفي تحاورها أيضاً

لا تمضي الحضارات في تطورها, في تقدمها او نكوصها, في ترقّيها أو في تسفلها, على نهج واحد متماثل, على الرغم من الطموح العلمي المشروع الذي ابتدأه ابن خلدون في افتراض قواعد لقيام الدول وزوالها, إذ الحضارة غير مرهونة بقيام هذه الدول وبزوالها, كما أن عصور ازدهارها – أي الحضارة – لا تتوقف على قوة الدول أو ضعفها. وفي التاريخ أنموذجات شتى على أن التدهور السياسي واضطراب أحوال الدول غالباً ما يصاحبه ازدهار في الآداب والفنون وتمسك بالنماذج العليا منها, فيما يجتهد المتأولون بأنه دفاع حضاري عن الذات في مقابل عوامل التشظي والانهيار.ثم إن ما تسلخ بعض الأمم قروناً متطاولة في دركه من اسباب نضوج الفكر وارهاف مناهجه وأدواته, قد يدركه بعضها في مدة أقصر من ذلك كثيراً. مثال ذلك أن الامم الاوروبية تقلّبت في ستة قرون من المكابدة العقلية والوجدانية حتى وصلت الى الفلسفة النقدية في القرن التاسع عشر, في حين بدأت الامة الاسلامية تُحكمُ مناهجها النقدية منذ القرن الهجري الثاني, ثم نضجت هذه المناهج نضوجها المعجب في القرن الرابع ثم استفاضت وتشعبت فيما وراء ذلك من قرون, ثم انحسر العقل العربي المسلم انحساره الفادح بغياب الاسلام نفسه عن الحواضر التي انشأها, وبحلول طبائع الاستبداد محل آداب الاسلام, فضلاً عن الهمالة السياسية ومدابرتها لمقتضى العقل والعدل والذوق السليم المعافى في آن..واذا كانت هذه كلها «أسباباً ذاتية» نفسّر بها النكوص العربي الاسلامي عن الذرى العالية التي حصّلتها مناهج النقد وطرائقه في «الزمن الاسلامي» فإن اجتياحات الهمج القدماء (في مقابل الهمج المحدثين الذين نعرفهم) قد فعلت فعلها في تدمير ملايين الكتب التي تمثلت هذه المناهج أو قاست عليها في كل اجواب العلم والمعرفة. ولأوروبا التي طال تلددها قبل وصولها الى الفلسفة النقدية الكانطية (نسبة الى عمانوئيل كانت الالماني) الدور الأعظم في تدمير معطيات الفكر العربي الاسلامي, وهي دائبة اليوم, مع امتدادها الاميركي الوحشي في تدمير ذخائر هذا الفكر, وفي صرف ورثته عن ادراك ما فيه من اسباب الحياة والقوة والتنوير ترغيباً وترهيباً وبكل سبيل ممكن، ولعلنا لا نجد فارقاً يذكر - لا في الدوافع ولا في النتائج - بين تدمير المغول لكنوز بغداد المعرفية بأيدي عساكر (هولاكو) وبين تدمير الاميركان لذخائر بغداد الحضارية بأيدي عساكر «بوش» فكلا الامرين محمول على الهمجية والتخلف الاخلاقي وان تباعدت الوسائل والتقنيات.وفي منأى عن كل ما سبق، وخلوصا منه الى حيثيات «النقد» نفسه وآفاقه او الى مناهجه وادواته وموضوعاته، فإن من الجدير بتراجمة العرب ان ينقلوا الينا كل ما انتجته المدرسة النقدية الاوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وان تكون هذه الترجمة دقيقة واضحة، مشفوعة بقراءات «نقدية» تضيء مباحثها، وترى اليها في بيئتها التي نبتت واستوت على سُوقها فيها، وان تتم في تضاعيف ذلك مقارنات علمية نزيهة بين ما نترجمه من مناهج النقد وما تحفل به مكتبتنا العربية من ذلك؛ بما تتطلبه هذه المقارنات من تحقيقات علمية دقيقة لمخطوطاتنا في هذا الباب الواسع، او في اعادة تحقيق ما نشر منها.انها مهمات ينوء بحملها الافراد، وتعجز عنها المؤسسات الثقافية والتعليمية القائمة. ونحن في امس الحاجة الى قيام كليات جامعية خاصة بالترجمة، وبتحقيق التراث، والى قراءة واعية (يقوم بها اساتذة متخصصون ذوو كفايات) لما تنجزه هذه الكليات، وليس يملك القدرة على تحقيق ذلك الا الحكومات، والحكومات في غير هذا الواد، ولا تُلقي سمعها حين التنادي.واذا كنا لا نعدم من يقول إن ثمة مؤسسة عربية للترجمة قد تقوم بالشق الاول من مهمة تعزيز الوعي النقدي في عالمنا العربي، فاننا نرى ان تجربة هذه «المؤسسة العربية للترجمة» لم تدلف بها الى خطة شاملة تترجم من خلالها «الاعمال الكاملة» لاعلام الفلسفة النقدية او لاعلام الفكر الغربي بوجه عام، وانها ما لم تتوفر على مثل هذه الخطة، فان اعمالها التي نعتز بكثير منها سوف تظل دون طموح النهوض الحقيقي لوعينا اللّهام المتعطش الى استكمال شروطه أو توفير اسباب يقظته التامة, وأوّل ذلك – بعد فهم الذات – هو فهم الاخرين..ولقد يكون لنا, إن نحن ترجمنا لاعلام اوروبا, منذ نهضتها في بواكير عصور أنوارها الى يومنا هذا, أن نرى بالغ تأثير فكرنا العربي الاسلامي فيها, وأن نعيد تفسير كثير من حركات الاصلاح الديني فيها في ضوء هذا التأثير. وأن نخلص من ذلك الى «المّشترك» و»المتماثل» فيما بين الاسلام وأوروبا, أو الى بعض ما نُضَمِّنُهُ دعوتنا عقلاء القوم الى كلمة سواء, إن كان فيهم من يملك السمع في ضجيج قاذفات الصواريخ أو القنابل العنقودية والانشطارية التي يحاور الغرب بها, ليل نهار, أجساد أطفالنا, ويقتل كل أحلامنا بعالم إنساني سعيد..