عرار وفلسطين

عرار وفلسطين

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 14-3-2014
-
-

محمد سمحان - رغم كثرة الدراسات التي تناولت عرار شعرا وشاعرا، فإن هذا الشاعر قد لقي من الغبن في مماته كما لقي في حياته، وإذا كان الساسة قد جحدوه في حياته فإن دارسيه لم ينصفوه بعد مماته في بعض القضايا التي تناولها، فمن ملتصقٍ به من زاوية رؤية إقليمية ضيقة قصرت عن بلوغ أو استقصاء آفاقه القومية التي بلغها.. أو إلى مزايد عليه رماه من خلال تغنّيه بربوع موطنه بالإقليمية وببعده عن الروح القومية العربية التي على أساسها قامت الثورة العربية الكبرى وأنشئ الكيان الأردني أيضا، وحرمه من حق الإحساس والمعايشة والمعاناة والمشاركة مع أبناء أمته.
ولقد أخطأ الفريقان في اجتهادهما وحكمهما البعيد عن الموضوعية وروح النقد العلمي، فبقيا بعيدين عن عرار وعن فهم حقيقة شعره وأبعاده ومراميه.
ذلك أن شعر عرار يكشف عن روحه القومية وحسن انتمائه وسلامة حسه وعمق وعيه ومشاعره مع ما كان يجري على امتداد مساحة الوطن العربي الكبير وبخاصة قضية فلسطين، شأنه في ذلك شأن الغالبية العظمى من أبناء شرق الأردن قبل تأسيس الإمارة وبعدها وفي كل مراحل القضية الفلسطينية.
يقول عرار في مقطوعة بعنوان «الحنين إلى الجزيرة» من ديوانه «عشيات وادي اليابس»:
«وكل بلاد يلفظ الضاد أهلها
بلادي وإن كانت بمثلي تضلع».
بهذا يحدد عرار، وبلسان شعره، هويته القومية وعمق انتمائه للعروبة أرضا وشعبا، متجاوزا حدود الكيانات المصنوعة والانتماءات الإقليمية الضيقة، وكأنه هنا يرد على أولئك الذين يحاولون تشويه صورته الناصعة النقية من الفريقين المشار إليهما اعلاه، مهما حاولا أن يزجا بدعاواهما واستشهادهما بأبيات يتغنى بها بوطنه الصغير ويتباهى به أمام من حاولوا الغمز من قناة هذا الوطن حين قال:
«تعالى الله والأردن
لا بغداد والرطبة».
علماً أن أمه كردية عراقية، وقد عاش في كردستان عند أخواله ردحا من صباه، لكنه الشاعر حين يُستفز فيتطرف في لحظة انفعال تخرجه للحظات عن مسار فكره ومشاعره، وتحوطا من عرار من بعض المتصيدين في الماء العكر، فإنه ينبه على الأمر في مقطوعة شعرية بعنوان «قالوا سيجمع أشعاري» :
«لأن شعبي جزائي كان منه وكم
ناصرته في مجال الروع خذلاني».
فعرار لم يغلق بوابة الأردن على نفسه، ولم يغلق عينيه وقلبه وشعره عن العروبة وفلسطين وأهل فلسطين، نلمس ذلك في قصيدته «برّاً بالحسين» التي نظمها في رثاء الحسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى ونُشرت في صحيفة «الكرمل» الفلسطينية (1/7/1931). يقول فيها:
«علمتنا كيف الفناء بحب أمتنا يكون
وأعز ما ملكت يدان وما يعز المالكون
في نصرة المثل العلية كيف يجدر أن يهون
غامرت بالتاج الثمين تصون بالعرش المكين
المسجد الأقصى وحق بني أبيك بفلسطين
لا غرو أولى القبلتين أن اصطفيت لها خدين
ما زلت بين حماتها في السابقين الأولين
أأصبت أم أخطأت في مسعاك نهج المحسنين
شأنان لن يعنى بمثلهما مؤرخك الرصين
يكفيك أنك كنت عف النفس وضاح الجبين
لم تشر إذ بلفور سامك موطنا دنيا بدين
صلّى الإله عليك يا ابن الطيبين الطاهرين
وعلى الذين قضوا بعهدك للعروبة عاملين
في ساحة الشهداء من فيحاء دينهم تدين
في الرمل في بيروت في عكا وفي مضض السجون
في الغوطتين وفي العراق وفي مشارف ميسلون
شم المعاطس مجدهم في المجد منقطع القرين
أسد المفاوز ما ثنتهم عن معاقلها الحصون
حتى اشتروا بدمائهم حرية الوطن الغبين
وبنيه واستقلالهم لولا حبائل مكماهون».
فالغناء بحب الأمة والوطن العربي والمسجد الأقصى وفلسطين، والدعوة لحمايتها مما يحيق بها، والإشادة برفض وعد بلفور وبالذين قضوا فداء للعروبة في دمشق وبيروت وعكا وبغداد، والتنويه بحبائل بريطانيا ومكائدها وخذلانها للشريف وغدرها بثورته.. هذا الغناء الذبيح من أعماق مشاعر عرار وأحاسيسه يجيء صادقا عميقا لا يقل في توتره وحرارته عن غنائه لإربد والحصن ووادي اليابس وشيحان وسواها من مواقع وطنه الصغير الأردن، وهل بعد هذا من يجيء ليرمي عرار بالإقليمية البغيضة حبا به أو كرها له؟!
وفي قصيدته «هب الهوى» المنشورة في صحيفة «الجامعة الإسلامية» (31/5/1933) يقول عرار:
«باعوا البلاد وحضرتي وجنابكم
لكن بلا ثمن إلى حاييم».
وفي هذا البيت إشارة واضحة وفاضحة للصهاينة والمتصهينين الذذين كان عرار يخشى من تآمرهم على فلسطين والأردن.
وفي قصيدته «نوَر نسمّيهم» يقول:
«أوَلم ترَ العرفاء كيف تهوّدوا
أوَلم ترَ المتعلمين تنصروا
والبائعين بلادهم بقلامة
قد أقدموا والمخلصين تقهقروا
باعوا العقائد بالقلائد وانبرى
 منهم لبيع تراث يعرب أزعرُ
ما زال من كنا نؤمل خيرهم
قد أصبحوا عن رأي وايزمن يصدروا
ولَقائل: لك في العراق وملكه
واقٍ يعيذك ما تخاف وتحذر
فهناك لا بلفور يزعج وعده
أحدا وليس هناك من يتبلفر».
أوَليس في هذه الأبيات إشارة واضحة أيضا إلى المتهودين والمتصهينين والمتفرنجين والسماسرة والخائنين الذين باعوا تراث الأمة العربية وارتبطوا بـ «وايزمن» وقبلوا بوعد بلفور؟! وهذه كلها كان يعاني منها عرار وعرب فلسطين مجتمعين.
وفي قصيدته «عشيات وادي اليابس» المنشورة في صحيفة «الأردن» (15/7/1933)، يشير عرار إلى نبوءة مشؤومة تنذر وتنبّه بعين الرائي البصير إلى ما آلت وستؤول إليه أحوال العرب أردنيين وفلسطينيين ومسلمين ومسيحيين إذا لم يتداركوا أمرهم وبقوا على ما هم عليه:
«لله قَومي كيف عكّر صفوهم
طيش الشيوخ وخفة الشبان
وتسول المتزعمين حقوقهم
من زمرة (الأذان والغلمان)
وتظاهر المتصدرين لبيعهم
لا عن تقى بحماية الأديان
يا رب إنْ بلفور أنفذَ وعدَهُ
كم مسلم يبقى وكم نصراني
وكيانُ مسجد قريتي من ذا الذي
يبقي عليه إذا أزيل كياني
وكنيسة العذراء أين مكانها
سيكون إن بُعِثَ اليهود مكاني؟!».
فأيّ رؤيا قادت عرار في ذلك الوقت المبكر من تاريخ الصراع العربي الصهيوني إلى ما صار من أحوال بعد ذلك وما قد يصير لا سمح الله نتيجة قراءته الواعية والعميقة لأحوال العرب والمسلمين؟!
ومن قصيدة بعنوان «جيران وادي الحوارث» (واد مشهور في فلسطين)، يقول عرار:
«إني أرى سبب الفناء وإنما
سبب الفناء قطيعة الأرحام
فدعوا مقال القائلين جهالة
هذا عراقي وذاك شآمي
وتداركوا بأبي وأمّي أنتم
أرحامكم برواجح الأحلام
فبلادكم بلدي وبعض مصابكم
همي وبعض همومكم آلامي
وكما على وادي الحوارث دمعكم
يهمي دما فهنا الدموع هوامي
فدياركم داري وبعض تلادكم
هو طارفي ومناكم أحلامي
وكما لكم هدف فإن لمثله
سعيي وغاية صبوتي وهيامي».
هذا هو عرار المبتلى بضياع وادي الحوارث كأهله ويزيد، يبكي ويتألم لما ضاع، ويشارك أهله نكبتهم ومصابهم الجلل والمواجع والفواجع، ويؤكد على وحدة الهدف والمصاب والمصير بين أبناء الأردن وفلسطين والعرب والمسلمين في فيض من الوجدان الشفاف الصادق العميق.
ويقول عرار في قصيدته «عبود» (8/8/1933)، محذرا ومنذرا من سوء الحال والمآل إذا استمر الأمر على ما هو عليه:
«هيهات مني كل ما أريد
إن غدا وما غدٌ بعيدُ
لسوف يبدي بعض ما أعيد
فحسبنا لبعضنا نكيد
ضل غويٌ واهتدى رشيد
إن فاز بالغنيمة اليهود
فحوضهم لا حوضك المورود
وظلهم لا ظلك الممدود
وسعيهم لا سعيك المحمود
فليهنك القيام والقعود
ويهنك الركوع والسجود».
فأيّ إنذارات متتالية كزخات المطر كان ينبه بها عرار بني قومه حكاما وشعوبا لم يصغوا لها ولم يلتفتوا لخطورتها، بل لم يلقوا لها بالا، ليلتقي بمخاوفه مع زميله إبراهيم طوقان في فلسطين وهو يصرخ من الجرح نفسه وبالإحساس نفسه.
ويقول عرار في واحدة من قصائده الأخيرة قالها يوم قبول الدول العربية المقاتلة في فلسطين بالهدنة في العام 1948، باكيا حزينا على ما كان من هزيمة وفقدان وضياع وتشرد للأهلين وانتصار للصهاينة المستوطنين، مذكرا ومقارنا بين ضياع فلسطين والأندلس مع تشابه العوامل والمصير:
«يا أربع الشؤم قد أودى بطارفنا
مع التليد زمان قد تحدانا
إنا رزئنا لأن الحظ عاكسنا
وحالف القوم من أتباع هاغانا
قد أعطي الناس ما شاءوا وما رغبوا
إلا الرزايا فكانت من عطايانا
من كان يحسب أن العرب يخدعهم
مَن كنت تحسبهم للعرب إخوانا
إن الوعود التي منوا وما صدقوا
بها علينا لعمري كن َّ بهتانا
لو أن ساستنا أوفوا بما وعدوا
ما كان يا سيدي ما كان ما كانا
أطلال يافا وحيفا أمس برقهما
قد رفّ وهنا فأشجانا وأبكانا
يا ابن النبي ألم عن أهل أندلس
تأتيك دارعة تروي حكايانا».
هذا هو عرار، وهذه بعض دموع شعره وصيحات تحذيراته وصرخات آلامه وزفرات وداعياته لفلسطين، وهذه أصداء تنهداته الحرى على أطلال الوطن السليب، وتلك اشتعالات أحزانه ونزيف جوارحه على فلسطين وما ألمَّ بفلسطين منذ بواكير صباه وبوحه الشعري وحتى أخريات أيامه، لا يقل في جهاده الشعري عن أخدانه في فلسطين وسوريا ولبنان والعراق ومصر وغيرها من فسيفساء الوطن الممزق والمتناثر من المحيط إلى المحيط من أمثال إبراهيم طوقان وأبي سلمى وعبد الرحيم محمود الفلسطينيين وأبي ريشة والخوري وعلي محمود طه والجواهري من شعراء العربية الرائعين.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }