«ساحل فلسطين..»

«ساحل فلسطين..»

شرق المتوسط، أو الساحل الشرقي لبلاد الشام، هو المنطقة الممتدّة مِن «رفح» إلى «الإسكندرون»، كما هو معروف. ما لم أكن أعرفه أن ساحل فلسطين التاريخية، «المحتلّة حالياً»، يشكّل خمسة وثلاثين بالمئة، مِن ذلك الساحل الشامي الطويل. فطول ساحلها، مِن رفح إلى الناقورة، هو (224) كيلو متراً، وإذا أُضيف إليه طول سهل عكا(42 كم)، يصبح الطول الإجمالي هو (266)كم. في حين يبلغ طول الساحل اللبناني على المتوسط (216)كم. أما طول الساحل السوري عليه، بدون لواء الإسكندرون ( المُقتطَع لتركيا منذ العام 1937)، فيبلغ (180)كم. وهنا تكمن القيمة التاريخية لما تبقّى (!) مِن ساحل فلسطين التاريخية، الممتدّ على طول ساحل قطاع غزة المحاصرة، والبالغ نحواً مِن (40) كيلو متراً. فهل يفسّر ذلك للعرب بعضاً مِن القيمة الإستراتيجية لغزة..؟! فمن المعروف ، أنّ فلسطين ومعها بلاد الشام تتوسطان قارات العالم القديم (آسيا وأفريقيا وأوربا). وعليه، فإنّ الإزاحات البشرية والحملات العسكرية والنشاطات التجاريةكان لا بد أن تمر بفلسطين. بمعنى آخر، أنّ فلسطين، كانت وما تزال، جغرافياً وإستراتيجياً، هي «المعبر أو الجسر البري الوحيد الذي يصل آسيا بأفريقيا فأوربا وبالعكس». فساحلها الأطول على البحر المتوسط، من بين أقطار البلاد الشامية، وموانئُها الطبيعية، التي كانت مؤهّلة لنقل التجارة و الجيوش عبر برِّ فلسطين إلى غرب آسيا أو إلى أوروبا، جعلت منها مطمعاً للغرب بشكلٍ مبكّرٍ في العصور الحديثة، إدراكاً منه بأهمية الموقع الإستراتيجي لها. ما كان سبباً مباشراً عند الحكومة البريطانية إلى الدعوة ل»عقد مؤتمر خبراء الاستعمار»، في العام 1907، لتدارس الوسائل التي ينبغي إتباعها للحيلولة دون إنحسار الإمبراطورية البريطانية، كما حدث مع الإمبراطوريتين اليونانية والرومانية. ففي تقرير الخبراء ، المشار إليه، ترد حقائق ما تزال تحكم واقع القارة العربية إلى اليوم. إذ يؤكد التقرير على أنّ: «البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، وهو ملتقى طرق العالم. ولا بد لنجاح آية خطة، تستهدف حماية المصالح الأوروبية المشتركة، مِن السيطرة على هذا البحر، وعلى شواطئه الجنوبية والشرقية». أما لماذا؟ فيواصل تقرير الخبراء تفسيره ب»أنّ مَن يسيطر على هذه المنطقة، يستطيع التحكم في العالم». ولا يدعكَ التقرير تتساءل عن الكيفية، فيجيبك مباشرة: «..فعلى طول ساحله الجنوبي، من الرباط إلى غزة، وعلى طول ساحله الشرقي، من غزة إلى مرسيليا، وعلى الجسر البري الضيق، الذي يصل آسيا بأفريقيا، وتمرُّ فيه قناة السويس، شريان حياة أوروبا(!). وعلى طول الساحل الهندي وبحر العرب حتى خليج البصرة، حيث الطرق إلى الهند والإمبراطوريات الإستعمارية في الشرق، في هذه البقعة الشاسعة يعيش شعب واحد، تتوافر له وحدة تاريخية ودينية، ووحدة اللغة والآمال، وكل مقومات التجمّع والترابط والإتحاد، وتتوفر له في نزعاته التحررية، وفي ثرواته الطبيعية، وفي كثرة قبائله، كل أسباب القوة والتحرر والنهوض». أما الحلّ، الذي يقترحه الخبراء، فحديثٌ طويل عن: «إيجاد الحاجز البشري»، وإقامة السدّ المنيع أمام قيام أية وحدة بين أجزائه وشعوبه، و ضرورة فصل الجزء الأفريقي من هذه المنطقة عن جزئها الآسيوي، عبر حاجز بشري قوي وغريب، يقام على الجسر البري الذي يربط آسيا بأفريقيا ويربطهما بالبحر المتوسط..!؟ يبدو ما سبق وكأنّه درس ابتدائي مكرّر في حقائق الجغرافيا والتاريخ. ولكن هل تغيّر شيء مِن تلك الحقائق طوال العقود الماضية؟ وأنّ موقع فلسطين الجغرافي، وساحلها الطويل، كانا أحد الأسباب الرئيسية لإستيطانها واستعمارها وطرد سكانها..؟!