- -

أبي.. وأنا

أبي.. وأنا

مؤنس الرزاز(1)دخل بعد ثلاث ساعات. جلس على طرف سريري. طبع قبلة على جبيني ومال نحو أذني، على الرغم من أنّ أحداً لا يستمع، قال:- حتى تكون قوياً.. عليك أن تعرف كيف تضحك لتظفر بشيء ما. فإذا ظفرت بهدفك، اذهب واحتفل. وإذا فشلت اذهب أيضاً واحتفل.. لأنك حاولت بعد تدريب واستعداد مضنيين ولم تنجح. لأنك بذلت جهدك. وحاول.. المحاولة، أي الوسيلة، أي النضال والمجابهة نهاية بحدّ ذاتها. فإذا ظفرنا بما نصبو إليه نحتفل. وإذا فشلنا سنحتفل. فلقد نجحنا بالسعي والنضال في أيّ حال. وقدّمنا كل طاقاتنا. قبَّلني مرة أخرى، وقال:- تذكَّر أن الوسيلة لا تقل أهمية عن الغاية.وراح يغنّي كعادته: «الموجة تجري ورا الموجة عايزة تطولها».ويعلِّق على صوته وكلمات الأغنية والطرب قائلاً:- «يا عيني، يا سلام، بيحرس دينك، كويّس كده؟».(2)أبي يدرك أنّ مدير المدرسة والأساتذة يعاملونني معاملة خاصة. وأنّ الناس، وما يسمّى «العامّة» والبسطاء كانوا يبجّلونني بالامتيازات، يغمرونني بالمحبة والكرم والإخلاص.. لأنني ابنه.عام 1969، على ما أذكر، أنشأت جبهة التحرير العربية (واجهة حزب البعث الفدائية) قاعدة في «العنيّة» قرب الكرك. ما زلت أذكر الماء والأشجار واستقبال الناس المميَّز لي ما إن يعرفون اسم والدي.كنا نزور الكرك بين الحين والآخر، ودعانا رجل من عشيرة «الهواري» إلى العشاء في «بيت راس» على شرف وجود مؤنس منيف الرزاز في المنطقة. وبدأ الهرج عن منيف الرزاز وانتهى بالقضية الفلسطينية. «ختيارية» وشباب يجلسون على بُسُطٍ تحاصر الغرفة الفسيحة كحزام داخلي. تدور وتلفّ مع دوران الغرفة.قال رجل شيخ إنه لا ينسى كيف أنقذ والدي ابنته من موت محقّق. قال: «الله سبحانه وتعالى (وأشار إلى سقف الغرفة) والتكتور والد هذا الزلمة (أشار نحوي) أنقذاها. الله كتب لها عمراً جديداً. والتكتور منيف نفّذ ببراعة. وما رضي يأخذ فلساً واحداً». قال كهل يجلس إلى جانب الشيخ:- كان يجمع، سبحان الله، بين الحكمة ونضال إنسان مؤمن بأنه يحمل رسالة.قال شاب:- تقصد يا حاج أنّه طبيب ممتاز، ومفكر جيد، ومناضل صلب العود.قال الكهل كالمُحتَجّ:- وهل غلطت حتى تشرح كلامي. طبعاً.قال الشاب:- ثمة فارق بين «الحكيم» أي الطبيب، وبين الحكيم أي المُفكر.طرد الكهل ذبابة عن وجهه، وتناول كأس الشاي بحركة تنمّ عن انزعاج. قال:- جاي تعطيني دروس، وتتفلسف عليّ وأنت ما طلعت من البيضة بعد. أقول: مطر.. تقول: شتاء.. وبعدين معك؟(3)كنتُ أشعر بالناس يغمرونني بالمحبة والمعاملة الخاصة. وإذا كنتُ أنا قد اطمأنَنْتُ بعض الاطمئنان وارتحت «غارشاً» نتيجة هذه المعاملة، فقد كان والدي منزعجاً منها أشدّ الانزعاج.في اليوم الثالث عشر من التدريب في قاعة «العنيّة» داهمنا أبي عند الفجر. استنفر المعسكر، وهجم قائد المعسكر، أبو العبد، عليه، وراح يقبِّله. وهتف بعضهم بهتافات تحيّي الحزب والوالد.بعد أن ألقى أبي كلمة حماسيّة أمام الشباب. قال: «لأبو العبد»:-    أريد المحضر اليومي أو البرنامج اليومي لنشاطاتكم. خرج أبو العبد (وأظن أنه كان ضابطاً من عشيرة الغرايبة التي تقطن في شمال الأردن قرب إربد) من الخيمة، وناول أبي «دفتر اليوميات العسكرية»، أي الدفتر الذي يحتوي على جميع تفاصيل حياتنا هنا بالإضافة إلى برامج التدريب الذي لم ننته منه بعد.كانت الشمس قد بدأت تُطلّ مرسلة شعشعتها شحيحة حذرة، كأنما ترغب في جَسّ نبض العالم قبل أن تصل إلى الذروة، وأن تتحسّس برويّة وصبر إذا كان الليل قد زرع لها ألغاماً ومقالب قبل انسحابه. ما كان الليل يثق بالنهار. وما كان النهار ينام في الليل تحفُّزاً واحترازاً. فما إن تُطلّ (أرصدة) الشمس الذهبية، حتى ينسحب الليل لينام في منطقة أخرى من الكوكب.. حيث لا نهار. كأنها رحلة الشتاء والصيف، طيور تحلّق نحو الشرق، وطيور تحلّق نحو الغرب في رحلات تفرضها الطبيعة فرضاً. قلت لابن خالتي هيثم:- الإنسان لم يدجِّن الطبيعة بعد. الحرب ما زالت في أوجها.أشاح هيثم. كان شاباً عملياً، ولا يحب أن تميل أذنه نحو حوار فلسفيّ أو فكريّ.تناول أبي القهوة العربية بهدوء، ثم شرب الشاي وأفطر مع الشباب. أبو العبد كاد يطير فرحاً. سيكتشف الدكتور وحده، من دون إشارة من قائد المعسكر (الغرايبة) أنه كان يعامل ابنه «مؤنس» معاملة خاصة محفوفة بالامتيازات.عزّزت شعشعة الشمس خيوطها، ونسيج استطلاعاتها، وقرون استشعارها، بنار أقوى. صارت مواقع الخطوط المتقدمة الذهبية منيعة حصينة.هتف أبي بنبرة تشي بالعصبية والغضب:- لا أرى اسم مؤنس في لائحة الحرّاس الليليين.ارتبك أبو العبد، وقال متلعثماً:- البرد قارص في الليل دكتور. وصحة مؤنس لن تتحمل الوقوف في العراء في الليل البارد. إنه أصغر المتدربين سنّاً وأقلّهم وزناً.قال أبي بحدّة وانتفخت أوداجه. قال بغضب واضح وهدوء من يغالب في سبيل ألاّ تفلت أعصابه:- هل أنا طبيب أم لا؟قال «أبو العبد» رداً على هذا السؤال الغريب الذي جعله يستريب استرابة رجل يشعر أن صديقه يقوده إلى فخّ:- طبعاً دكتور. طبعاً. وهل ثمة من يشكّك..سأله أبي مقاطعاً:- هل يحب الأب ابنه أم إنه يحقد عليه؟ظهرت البغتة في وجه «أبو العبد»، فقال وقد تأكد أن الدكتور يقوده إلى فخّ (المشكلة تكمن في جهل «أبو العبد» لموقع اللغم حتى يتجنبه).. قال وقد امتقع وجهه وشعر أن الدكتور يستفزّه:- لا. لا يمكن للأب أن يحقد على ابنه.فقطب أبي وقال: «إذا كان كل ذلك صحيحاً ومتماسكاً منطقياً، فلماذا لا يشارك مؤنس في نوبات الحراسة. أنا طبيب وأعرف أن صحة مؤنس تليق بصحراء الليل التي جربناها في (الجفر) -عام 1957 على ما أذكر. ولو كنت أعتقد أن أجواء الصحراء القاسية ستهدّ حيله.. لما كنت لبّيت رغبته وجعلته يلتحق بمعسكر التدريب هذا».هرع أبو العبد. كأس الشاي ويده ترتعش غيظاً، ولعله كان يقول في نفسه: (الحَقّ عليّ لأنني عاملت ابنك معاملة خاصة... خَرْجي، أستحق كل هذا التعنيف). هتف منادياً مساعده. أقبل المساعد وأدى تحية عسكرية. قال أبو العبد إنّ فترة التدريب سوف تنتهي بعد خمسة أيام. سأل على مسمع من أبي (عن قصد طبعاً): «كم هي مدة الحراسة العادية التي يقوم بها الشباب؟».ردّ المساعد:- ثلاث ساعات... رفيق.قال «أبو العبد» بخبث من يرغب أن ينتقم بشكل غير مباشر:- يبدو أننا نسينا وضع مؤنس في قائمة الحراس. ضعه في القائمة وليحرس كل ليلة ست ساعات حتى يوفي الساعات المطلوبة.جحظت عينا أبي. لكنه فطن إلى ما يدور في خلد «أبو العبد» فلم يعلّق. قضى النهار معنا، ثم قفل عائداً إلى عمّان بالسيارة العسكرية. وبدأت حملة اضطهاد ضدي لم يشهد تاريخي شبيهاً بها. أبو العبد أصدر أوامره بأن أحرس كل ليلة ست ساعات، على الرغم من أن الرفاق كانوا يحرسون ثلاث ساعات ليلية فقط، ثم يُستبدَل بهم بفدائيون شبعوا نوماً «نسبياً». وأمر أبو العبد أن أشغل أكثر مواقع المعسكر وحشة ورائحة كريهة. فقد كان المكان الذي أمرني أن «أناوب» فيه ست ساعات أشبه ما يكون بقفر لا شجرة تُظلّه ولا جبل يردع برده، كان مكشوفاً للعدو، وكنت مكشوفاً للبرد. وكان قرب هذا الموقع دغلٌ كثيف يستخدمه الرفاق بديلاً للمرحاض. وكان يحلو لي أن أختفي في الدغل تقية للبرد.. ولكن من دون دفع ثمن الروائح المنتنة.اكتشفت أنني أمام خيارين أحلاهما مُرّ. البرد والخطر، والدغل الشائك والروائح الكريهة التي تنتقل عدواها إلى الإنسان أحياناً، فاخترت البرد والخطر.حين عدنا إلى عمّان، روى هيثم متضاحكاً شامتاً ما جرى لي في الليالي الخمس الأخيرة. في غرفتهما أعلنتْ أمي عن امتعاضها، وقالت إنّ قلب أبي لا يعرف الرحمة. وهتف أبي:- ينبغي ألاّ يتمتع بمزايا تفصله عن الآخرين من أقرانه.وكنتُ أنا وهيثم في الصالة، نستمع إلى جدالهما العقيم. فالذي حصل حصل، ولا داعي لتناول الموضوع مرة أخرى.(4)...................................أعتقد أن مأساة أبي الحقيقية كانت تكمن برهافة حسه بحقوق الإنسان. فوراء هاتين العينين القويتين، وخلف اللسان اللاذع والسخرية السوداء، ونقد الآخر بطريقة لا هوادة فيها (نقد أشبه بجزر ولد أو شتيمة وقحة).. أقول وراء كل هذا القناع، إنسان لا يستطيع السكوت عن حقوق الآخرين.. حتى أولئك الذين يختلف معهم سياسياً وفكرياً.........

.......•»لوحات» كتابية غير مؤرَّخة، عُثر عليها بين أوراق مؤنس، وهي محفوظة لدى شقيقه عمر. والعنوان من اختيار هيئة تحرير مجلة «أفكار».