حسب سياق مسلسل البروبوغاندا التراثية الشهير، باب الحارة، فإن هنالك حارة من الطيبين المتكاتفين «الأباضايات»، ذوي الكثير من الشهامة والنخوة، والكثير الكثير من النوايا الحسنة، وهي ?أي النوايا الحسنة- دوما أقصر الطرق لجهنم!!
من باب النوايا الحسنة، دلف في الجزئين الأخيرأين الممطوطين من المسلسل، شخص «مأمون بيك»، وهو الذي يخفي خلف ستارها، شخص الضابط المتعاون مع الاحتلال الفرنسي، ويقوم بمهمات استخبارية قذرة له، باسم الملازم نمر!
الملازم نمر، أو مأمون بيك لا فرق، شخصية مخادعة ومراوغة، استطاعت التسلل إلى قلوب أهل الحارة، بعد الهبوط عليهم من لا مكان، وبقوة المال وسطوة النفوذ، وقليل من تاريخ مبهم استطاع الرجل أن يتزعم مضافة الحارة، ويلعب بتقاصيلها كما يريد.
أعوان الرجل، الذين بناهم كشبكة تنفيذية لمآربه، المحكومة بالأجندة الفرنسية، كانوا إما مرتزقة أتوا من لا مكان أيضا، ليزرعهم في الحارة، أو من أهل الحارة ومرتاديها المعروفين لكن من شخصيات القاع التي تتسلق على نفوذ مأمون بيك، وفي المقابل يستغل هو رغبتها الجامحة بالتسلق من القاع إلى أعلى قليلا، والنموذج الأوضح هنا في شخصية « النمس»!
في هذه الدائرة تقريبا تجري أحداث حكاية باب الحارة الذي خلعوه، منتظرين نهايته لتنتهي جدلية مواسمه المتلاحقة، لندخل في سيناريو مقاربة بسيطة بين «الحارة» المخلوع بابها، وواقعنا العربي المفتوح بابه على كل الخيبات.
كم مأمون بيك يا ترى لدينا منذ بداية صراعنا الوجودي مع إسرائيل؟ وكم «نمسا» تسلق وتسلل وتحول من صائد براغيث إلى سمسار عقار؟
الإسقاط منطقي حال طرحناه بقراءة فانتازية تشبه القراءة الدرامية لمسلسل خيباتنا العربية المستمر بلا أجزاء موسمية، وبحلقات لا نهائية، نحن أبطالها وضحاياها والمتفرجون والمخرجون، وبلاهتنا هي التي توحي بالسيناريو ليكتب ذاته.
في كل خيبة، كان هناك مأمون بيك، مخلب حاد تحت قفاز ناعم، نعطيه صدر البيت، وسلطة القرار بحياتنا وعيشنا، يضربنا ضربته ويغادر لنستقبل في خيبة عربية أخرى دوما مأمون بيك جديد ومتجدد، والنمس حالة نبدع في تفريخها بألف صيغة وألف شكل، يبيعنا ويسمسر علينا ويقبض الثمن ونصفق له، ليشترينا مرة أخرى!
القصة لا تكمن في السذاجة التي طرحها المسلسل، والمتمحورة برمزية بدائية في باب كبير على عتبة حارة بسيطة، فالخيبة ليس لها أبواب، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في تلك المتاريس الذهنية التي تقف أمام وعينا، وتمنعه من الانطلاق ليصل إلى مستوى واقع هذا العالم الذي نعيشه ولا يبقى أسيرا لماضي سينمائي سريالي نتواتره في التراثيات والمأثورات، ولا نبقى نحن رهائن فانتازيا العاطفة المشحونة والمعلقة على ذمة البطولات المسحوبة على كمية الأدرينالين في الدم، فيبقى دمنا هو الدم المجاني الوحيد المسفوح شرعا.
وختاما، لست من مدمني السقوط في غيبوبة «باب الحارة» ولا أفيون كل الفانتازيا التاريخية البلهاء على شاشات رمضان، أو التلمظ مع فتل الشوارب على قوام «الحاجة زهرة».
لكن فقط لدي ساعة تحفيز وعي يومية، أمارسها بضحك نظيف مع مسلسل ذكي ويحترم ذكائي اسمه «ضيعة ضايعة»، لأنه ببساطة، يصورنا كلنا أمام هذا العالم، كضيعة ضايعة، فعالمنا العربي من محيطه إلى خليجه،هو «الناجي الوحيد!» من صيرورة وتقدم التاريخ والحاضر والمستقبل!!