كثير ما نطلق عبارات ونستخدمها وكأنها منهج حياة لشدة ما نرددها، في الوقت التي هي عبارة عن كلمات نتلفظ بها على اعتبار انها موروثة او معتادة فقط لا غير .
الجود من الموجود، لربما السجع الجميل في الجمله هو الذي جعلها تعيش معنا، وليس المعنى الذي تحمله، لانني وللاسف لم ارَ هذه الايام جودا من المتاح والممكن، بل هو شحا من الموجود او كرما من المتلوف، على اعتبار ان الجود هو اعلى مراتب الكرم ولا داعي للتحدث عن معاني الكرم او سرد قصص الكرم عبر التاريخ لان ما من احد في ظني الا ويعرف معاني الكرم واصوله عند العرب وان لم يكن كريما .
ما يحدث اليوم يدعونا بل ويجبرنا على البحث والتنقيب بين المصطلحات والمعاني في قواميس اللغة العربية لنستبدل هذه الكلمة بكلمة تتناسب والتحولات التي طرأت على معظم المفاهيم ومنها مفهوم الكرم لدينا، صرنا ندّعي الكرم ونكرم بما لا داعي لوجوده لدينا وليس من الموجود لدينا ناهيك عن اختلاط المعاني فالكثير اصبح لا يميز بين الصدقة والكرم وبين الكرم والجود وبين وبين ... لربما معظم القراء قادرون على معرفة المعاني والدلالات تماما ولكن لا اعلم كم منهم قادرين على ممارستها وتطبيقها .
ما الذي جرى ؟ ما الذي يحدث ..؟ أهي التقنيات الحديثة أم الازمات الاقتصادية، ام التحولات العصرية .. ام نحن الذين تغيرنا وقدنا انفسنا الى الوراء بحجة ان ما يدور في العالم لم يعد يتناسب وما دار بتاريخ اجدادنا العرب العلماء الذين ما تنازلوا عن كرمهم وجودهم، فاكتفوا بكل ما لديهم بل وتباروا فيما بينهم ايهم اكثر كرما وعزا وشهامة ...؟! فتعذر التفرقة بين فقير وغني وبات الكل دافئا بعزة نفسه بفضل الجود من الموجود .
وبالمناسبة على الكريم ان لا يتحدث عن نفسه فلا يعرف من يرافقه اين يذهب كرمه وعلى مَنْ يكرم .. بل عليه ان يجود من الموجود لكل موجود فيتحدث عنه الغائب والموجود .
ولو كرم كل منا مهما قلّت امكانياته متمشيا مع مبدأ « الجود من الموجود» لما انتفت اجمل الصفات « الكرم « عن الجميع، ولوصفنا بأمة الكرم والاكرمين .