حنان بيروتي
وسط أجواء أسطورية وتوظيف من التراث العربي لقصة الشاعر عنترة بن شداد، ابتكر هزاع البراري شخصيات مسرحيته «مرثية الذئب الأخيرة».. الشخصيات التي تسعى إلى خلاصها، لكن الحواجز تحيط بها وتحرمها وتسجنها.
فالأسود مسجون بعبوديته لأنه ابن زنجية سوداء رغم أنه ابن السلطان «شنخور»، والذي يُحكم عليه بالتيه والضياع في الصحراء هو أخوه «شاجار» الذي تعميه السلطة ورغبته بالاستئثار بها كي يسلخ أخاه عنه وينكره وينكر دمه رغم يقينه أنه أخوه ابن أبيه، لكن السلطة تعمي من يحاول الاستحواذ عليها.
محاولة الولوج إلى قلب مسرحية تنحت في الأسطورة ليست أمراً يسيراً، فالمسرحية هنا أشبه بمنحوتة في صخر الأسطورة، عجينة سحرية أسطورية مصوغة بلغة غاية في البلاغة، وتغرق في عالم خيالي لكنه مضيء بالمعاني، غريب لكن ما فيه من عمق وحفر في الذات الإنسانية يجعله مألوفاً قريباً يطرقُ بابَ الروح...
فهذا «شاجار» الابن الأكبر والشرعي للسلطان «شنخور»، يُقصي «الأسودَ» الذي هو أخوه لكن من خادمة سوداء كانت محظية للسلطان، ويتركه لتيه المصير في الصحراء ليستأثر بالسلطة ولتبزغ شمسه بعد أن رحل والده.
أما الكاهن وابنته «ابنة النار»، فيؤازران الأقوى ويداهنان السلطة، ويصبحان تابعَين مقادَين ومنقادَين، ينهشان لحم «الأسود» كي تعلو منزلتهما عند «شاجار».
وهناك «سيِّد الأسفار» الذي يلتقي العجوز «جرداء» في منفاها بعد إقصائها عن قصر السلطان وعن ابنهما «الأسود»، ويتعرّف على قصتها ثم يلتقي بـ «الأسود» ويبرم معه عهداً بأن يزوجه ابنته «شمس»، ثم يموت. وتكون «شمس» لـ «الأسود»، ثم تلاحقهما فتنة «ابنة النار» فيقادان مكبَّلين لـ «شاجار» الذي يحاول سلخ «شمس» من «الأسود» وأخذها بالقوة، لكنها تهزمه وتنتحر مفضّلة الموت على الخضوع.
ثم تحل نهاية «شاجار» وأتباعه ويظل «الأسود» حبيس عبوديته ووحدته وذكرياته، فكأن الكاتب يومئ لنا أنّ رصد الصراع الأزلي بين الخير والشر، بين العبودية والتحرُّر، بين الأنانية والأخلاق، لا يعني انتهاؤه، وأنّ النهايات المضيئة والتقليدية التي تنتهي بانتصار الخير وإحقاق الحق هي نهايات أقرب للأمنيات والأحلام التي يخترعها البشر ليتمكنوا من مواجهة الحياة بمكابداتها.
فالنهايات السعيدة التي تريح المتلقي آنياً وتفرحه، ليست مما يسعى إليه قلم البراري الذي يحفر في عمق النفس البشرية، ويستنطق النوازع الداخلية والآبار العميقة التي تنبع منها الأفكار والبوصلة التي تسيّر السلوك البشري على مرّ التاريخ الذي يستنسخ نفسه ويتكرر على مرّ الأعوام، فالخير والشر في صراع دائر ليس فيه غالب ومغلوب، إنه صراع مستمر لأنه في داخل النفس البشرية التي تتنازعها الأهواء، وتنهشها المخاوف، وتهذبها قسوة الحياة، وتخترقها الأفكار وتحلّق بها الأحلام..
النفسُ البشرية هي بؤرة الصراع الذي تعيشه البشرية، فداخل كلّ نفس صراع لا ينتهي إلا بالموت، النهاية الحتمية والحقيقة الأزلية الوحيدة الثابتة.
لم تكن نهاية المسرحية مثالية تنتهي بإحقاق الحق وانتصاره، فالنهاياتُ في الحياة مختلفة، لذلك أنهى الكاتب مسرحيته بطريقة ذكية، كأنه يشير إلى أن الصراع بين السلطة المظلمة والشمس، لا ينتهي ولن ينتهي، وأنّ التمييز العرقي والعبودية وجشع السلطة والاستئثار بالحياة ومحاولة احتكارها هي أمور لن تنتهي ما دام ثمة إنسان يتنفس ويحلم ويترك أنانيته العمياء تتضخم.
ينتهي «شاجار»، وتلقى «ابنة النار» حتفها، لكن هل ينقاد الكاتب وراء النهايات السعيدة كما في القصص الخيالية؟ هل ينير الظلام بنهايات مضيئة تجعل المتلقي ينهي العمل الإبداعي شاعراً بسعادة وارتياح قبل العودة إلى الواقع المأزوم بأنصاف النهايات وباستمرار حلقة الصراع الأزلي بين النقاء والسواد؟ لا، إنه يبقي «الأسود» أسير مصيره، فيظهر في حالة مزرية مقيداً وحيداً وسط الموات والسواد، لا يملك إلا الصور الماضية والصوت الجريح يناجي به صور من رحلوا، لا يملك غير العواء المجروح وصوت الألم الذي يجري في عروق البشرية ولا ينتهي.
تالياً وقفة مع الشخصيات، بنوازعها وهواجسها ومصائرها، بناء على اقتباسات من متن النص المسرحي:
«شاجار»
يصف أخاه «الأسود» بـ «وجه الليل»، ويقول إنّ شمسه ظهرتْ ويريد له أن ينمحي، يريد أن يستأثر بالشمس، وحده هو الشمس.. شمس أبيه وسلطانه، هو وهج السلطة والعزّ والنسب ولا شيء لأخيه إلا الظلام والمنفى والتيه في الصحراء.
«أما أنت، فابن الزنجية، تعيش عيشها وتموت موتها» (ص15). إنه حكم ظالم وأناني.
«كنتَ شبحاً قميئاً.. نقطة سوداء تستوجب النزع» (ص15)، فما يهمه هو التخلص من الأسود.
«ستختفي مثل شيء في الخاطر.. لتسقط في تيه المصير» (ص15)، إنه يتمنى اختفاءه لأنه يعي أن له الحق في مقاسمته سلطة أبيهما، لكنه لا يعطيه إلا إرث أمه، وهو إرث كالح قاحل.
«أنا كبير أبناء (شنخور).. أنا الابن الشرعي». هي الأنانية والاستئثار بالسلطة، وإنكار قرابة الدم للاستيلاء على السلطة كاملة غير مجزأة ولا مشطورة.
«شاجار» الذي اعتادت نفسه الجشعة أن يغنم ما يريد، يحاول الاستيلاء على لؤلؤة الصحراء وهبة «سيِّد الأسفار» لـ «الأسود»، لكن «الأسود» يرفض مكافأته الموعودة، فهو خارج سلطان النار، كافر بما لدى «شاجار» ويحمل نبوءة النهاية بقوله: «هي المصائر نفسها.. الآن أتذكر حكمة العجوز» (ص20)
يطارد عواء «الشمس» منذ تلك الليلة «شاجار»، ويبعثر أفكاره، ويشتت قوته، ويُشعره بالضعف في الليل. هل العواء هو صوت ضميره، أم هو تحدٍّ له ولسلطانه؟ ربما هو صوت الأخلاق التي تنكَّر لها حين سلخ عنه أخاه، وانقاد لظلمة التمييز العرقي، واستأثر بالسلطة والعز والجاه.. ربما هو صوت أخيه المظلوم والمطعون بإنكاره له.
«الأسود»
يحاول «الأسود» يائساً أن يسترجع لون روحه على الأقل، لون جلده الموروث من أمه الجارية «جرداء»، لكن روحه مضيئة حرة ولا أحد يصدقه، إنها عبودية الفكرة أو فكرة العبودية تلك التي تتمسك بها فئة أو جماعة، ويكونون عبيداً لها ليصبحوا أسياداً ويحظوا بكرسي السلطة، لكنها سياسة مجوفة وفارغة يفرضها منطق الأنانية.
«لست لوناً باهتاً.. أنا ابن (شنخور) تجمعني وإياك دماء العظمة» (ص13). اللون ليس المقياس، إنها دماء العظمة التي تجمعهما.
«هي خطيئة السلطان وليس ذنبي أنا» (ص14).
ما ذنب الأبناء في ما يقترفه الآباء؟ سؤال يظل صداه الجارح مدوياً عبر التاريخ البشري الذي يلطخ بالذنب والخطيئة أبناء الذنب والخطيئة، وهم بلا ذنب، كأنها ختم أو وشم أبدي يتحكم بمصيرهم.
«دعوني كما كنت في حياة أبي، آكل من خشاش الموائد شبه الخالية، شبه إنسان، وشبه خادم، وشبه ابن سلطان» (ص15).
هي صورة الإنسان المكسور المرذول بلا ذنب، والمدان بلا خطيئة.. يتمسك ببنوته للسلطان «شنخور» كملاذ أو خط دفاع أخير.
«أبي (شنخور).. ألا يشفع لي؟» (ص15)، لكنه «الأسود» ابن «جرداء»، أي الصحراء، نبتة مرفوضة ومرذولة، رغم أن النبات الصحراوي عنيد يحترف العطش، ويدمن الاحتراق، ويرفض الرضوخ، ولا تخيفه القسوة لأنه أدمنها.. لذلك ربما يخترع السراب كي يمده بالقدرة على مكابدة الحياة، ربما أن السراب هو حلمه الذي أشفق على عطشه المزمن فتجسد له.. أمه التي لم يتح له معرفتها هي سبب مأساته:
«جرداء جردتني من كلّ شيء.. غدوت قبيح العري» (ص15).
«أنا سليل سيد الأرض من البحر إلى حدود الثلج» (ص21).
وهو يتمسك بحقه في إرث شرعي من والده السلطان، ليس إرث السلطة، بل إرث الشرف والتحرر من عبودية اللون.
«الأسود» يتقن العواء، والعواء هنا رمز الحزن، بوح الوجع الدفين، صوت الحكايات المتوارثة للألم، حتى إنه يخدع «سيِّد الأسفار» في صوت الألم ومحاكاة عواء الذئاب الصحراوية المجروحة، لأنّ العواء منبعه الوجع السحيق، بكاء وبوح بلا عنوان.
الألم يغلبه، والوجع يسكنه، والواقع يأسره لأنّ روحه حرة، والدماء النبيلة تجري في عروقه رغم سواد جلده، يتوسل لـ «ابنة النار» أن تدعه يتمّ حديثه مع «سيِّد الأسفار» لأنه يشم رائحة أمه، ظِلّ نفسه الضائعة، ملامح أبيه السلطان، نصفه المغيَّب، ظلُّه المضيء، نصف روحه، ضوء وجهه الذي سرقته العتمة.
بحث عن ملاذه، عن الأم الوحيدة التي لا تنكره مهما كان، تناهشته حراب الإنكار والشك حتى بات يشك في كلّ من حوله، أمه التي لم يرها ولم يكن يعرف أنها منفية في القفار، ومتروكة للوحدة، ومكبّلة بعدم السماح لها برؤيته أو احتضانه، وهو وحيدها الذي سُلخ من حضنها الدافئ. إنّ قدره أن يجمع بين نقيضين، دمُه مضيء بالسلطة والنبل والشرف لكن أمه جارية سوداء ينكرها السلطان بعدما انقاد لها، وروى عطشه بأنوثتها، وعندما جاءت الثمرة (الأسود) لم يطاوعه قلبه أن يبعدها عن حياته، لأنّ «الأسود» منه، وفي عروقه تجري الدماء نفسها، لكنه أبعد الأم لأنها كما يرى بعض لحظات عابرة، مع أنها احتلت أعماقه.
يرى «الأسود» الصحراء صامتة لأنه لم يقرأها بعد كما يفعل «سيِّد الأسفار»، يحاولُ الانسحاب لأنه مثقل بذنبٍ ليس له، هو حمل غير شرعي، نتاج علاقة مسروقة خارجة عن إطار الشرعية وقوانين السيادة والعبودية الظالمة.. حياته كأنها مسروقة أو استعارة من القدر.
الكاهن
يحترف الكاهن الكذب ومداهنة السلطة: «إنها ليست من نسائه.. خادمة كانت وماتت، اليوم (شاجار) هو السلطان» (ص14).. «أنت كائن منتهٍ، مضغتك نار سابقة فتفحمت أوصالك» (ص15).
الكاهن يرفع قدر «شاجار» الى أعلى المراتب، ويقتل «الأسود» ويكسره حياً. أمر في منتهى القسوة.. كأنما «الأسود» رماد وحطب لنار لم يوقدها، وبقايا جسد متفحم.. بات شبه إنسان.. يلاحقه الكاهن يردد خلفه تعويذة، ويصل لأقصى حدود المداهنة للسلطة: «لتضيع في حضن غولة الأرض تنسج الأيام العجاف انتظاراً لمطر لا يأتي» (ص16).
يرسم الكاهن مصير «الأسود» بما يرضي سيِّده «شاجار»: «أنت ابن الزنجية، تعيش عيشها وتموت موتها» (ص25).
يستمر الكاهن بمداهنة السلطة حتى يقترح قتل جميع ذئاب الأرض. قتل الذئاب هل يوقف العواء؟ إبادة الشعوب وسحقها هل تمنع ارتفاع صوتها مطالبة بالحق؟ التعصب لفكرٍ بعينه هل يعني الانغلاق وإثبات هذا الفكر بقوة السيف والقتل؟ هل القتل مشروع لثبيت السلطة؟ هل على السلطة أن تكون معمدة بالدم دائماً؟
«ابنة النار»
إنها مقادة مثل أعمى، تنفذ مشيئة سيِّدها وسيِّد الكاهن: «أنت لست سوى فتات بشري مسفوح على دروب القوافل أبديّ الضياع» (ص22).
وهي تحاول التفريق بين «الأسود» و «سيّد الأسفار».. هي صوت ملعون يحاول أن يكون حاجزاً بين «الأسود» و «شمس»، بين صاحب الحق وحقه الشرعي، مدفوعة بالتبعية وبدوافع غامضة، ربما لأنها محرومة من إرثها الشرعي.. هي بقايا لعنة وذنب قديم تتجرعه من والديها. وحده «الأسود» من يرى لعنة «ابنة النار» التي تتبعه نحو نهايته.
«سيدك الجديد لن ينجيك»، إنها تقول ما تخشى منه؛ أن يُنجيه «سيد الأسفار» لأنه تعلم مجاهل الوجع والتيه، وحفظ أوجاع الصحراء، وأتقن العواء وفهمه.. اتحد مع ألم الذئاب وتيه السفر، وجعل ذاته هائمة لا تقف أمام هموم الحياة الصغيرة مهما كبرت..
إنها تخشى أن يساعد «الأسودَ» في استيعاب شقائه وقسوة ذوي القربى، وحرمانه من إرثه الشرعي، ومحاولة خروجه من ثوب العار الذي تلبّسه بحصر انتسابه لأمه، ليرث عبوديتها كما ورث سوادها. ذلك هو الظلام والظلم والعبودية والاستغلال والانكسار والانصياع لأوامر السادة بعيداً عن الشمس الشرعية الساطعة.
وها «ابنةُ النار» تصف «سيد الأسفار» بأنه «خرف، كثرة أسفاره تبعثر ذاكرته» لأنه يؤكد نسب «الأسود» لأبيه، وتدافع عن نفسها عندما يصفها الأسود بـ «ابنة جهنم»، إنها لا تريد أن تواجه ألمها، لذلك تكابر، وترضى أن تكون سجناً لـ «الأسود»، فكأنها مسجونة باختيارها.
«ابنة النار» مثل «الأسود»، ضعيفة، محكومة بقرار الأقوياء («شاجار» والكاهن).. تصف «سيد الأسفار» بـ «عجوز الذئاب»، والترحال والحزن قدَر الذئاب. متعَبة، تلهث خلف دروب لا تصل، سمحت للكاهن أن يصوغها للعذاب والصعاب والمستحيل، فأمها «فاتنة النار» جنية عشقت «كاهن النار»، وبعد أن أنجبتها هجرته، فأصبحت رهينة للنار، تكفّر عن ذنب لم تقترفه، وقصتها تشابه قصة «الأسود».
ينحت الكاتب هنا في أرض سحرية أسطورية: «في كل أرض عبرتها صادفت ناريات شقيات» (ص30). وتستعين «ابنة النار» بعدد من خدام النار: «شتتوا لقطاء الصحراء الخاوية.. لاحقوهم في دواخلهم» (ص31).
الحصار الداخلي للضحية من أقوى الأسلحة لإضعافها، لذلك فإن «ابنة النار» تلازم «الأسود» كظله، تشاركه الجرح بطريقة ما، لكنها تكابر وتهرب من جرحها، تحاول أن تطرد روح «سيد الأسفار» التي باتت تسكنه وتحمله على السفر والإبحار في الصحراء، تحاول تمزيق العهد بين «الأسود» و «شمس»، فيكون الرد: «دعي هذا الأسود.. إنه لي. ألصقوا قدري بلون وجهه» (ص39).
تتحدث لـ «شمس» بمنطق الأنثى العاشقة. إن «شمس» باهرة الجمال ستجد فرصاً أخرى، أما هي فـ «الأسود» فرصتها الأخيرة، تعي أن اللعنة نفسها تجمعهما معاً، ويربطهما الجرح نفسه.. لعنة لا ذنب لهما بها، بسبب خطيئة الآباء، فيولد الأبناء وقد التصقت اللعنة بهم مثل وشم، دافعةً إياهم إلى طريق التيه.
تحاولُ «ابنة النار» التقرب من «الأسود» بعد موت «شمس»: «بقي اثنان ممسوخان؛ أنا وأنت». لكنه مسكون بالشمس التي تشرق داخل روحه بلا أفول.
«سيّد الأسفار»
يحاولُ «سيد الأسفار» الهرب من الموت.. هو النزوع للخلود، والحلم الذي يراود البشر. الموت هو الحقيقة الراسخة التي تكسر كبرياء الإنسان، وهو ثيمة ملازمة في نصوص هزاع البراري، لكن الألم أكسب «الأسود» الحكمة: «الموت لا يمضي عن أحد» (ص24). وفي هذا يتجلى التسليم بالأمر الواقع، فهو يطلب الموت لأنه خلاص له من العبودية الملازمة لحياته المذبوحة بالقهر والمغمسة بالذل.
يصف «سيد الأسفار» لـ «لأسود» لقاءه بأمه: «عجوز سوداء، شعرها الأجعد حوّله الشيب إلى كومة ثلج يابسة» (20).
فكرُه نقي، ورؤياه واضحة، فقد أكسبه السفر الحكمة والنظرة الإنسانية الصادقة، فهو ضد التمييز العنصري، لأن الإنسان لا يختار لونه: «هي كما أنت، لم تختر لونها» (ص28).
يطوي الصحراء مترامية الأطراف بأسفاره كأنه بساط، يواجه الموت منكسراً: «الفرار من الموت لعبة بلهاء أعجبت عجوزاً أخرق» (ص31).
صاحب السفر هو الذئب، لأنه صاحب الحزن الحقيقي.. السفر تحايُل على الوجع.. المواجع أصل الحياة.. الحياة مجبولة بالمواجع.. سيد الأسفار يستنطق وجع الرمل الذي يساهر الصحراء يستمع إلى حكاياه. وبعد أن يبرم العهدَ مع «الأسود» يستقبل الموت، ربما أن الموت يتطلب الهدوء، هو ضيف يعرف موعده، للموت نبوءة وطقوس: «حتى الذئاب تعوي بحزن غامض» (ص33).
يدفنه «الأسود» في الرمال، ربما لأنها تحفظ القصص، وتمحو آثار الموت لكنها تظل تثور، ربما يسمع أحد ما التفاصيل، تفاصيل الحكاية المدفونة محملة بأوجاعها.
«جرداء»
ترسم «جرداء» ملامح مأساتها التي تعيها جيداً: «سوداء خرفة.. بشعر أبيض حزين.. وسط جبال لا يسكنها سوى الجليد والبرد القارس» (ص17).
الوحدة وعبور المعاناة الجسدية والنفسية أكسباها الخبرة. السفر خير معلم، تحاول أن تستشف ملامح «سيّد الأسفار» وهي تقابله للمرة الأولى.
علمتها القسوةُ معنى الصمت الإجباري، إنها قسوة السلطان «شنخور»، اتخذها محظية لليالٍ عديدة، وبعد أن أنجبت «الأسود»، نفاها السلطان وسجنها في سجن بلا قضبان، سجن الصحراء وجبال الجليد المستكينة مثلها لقسوة البرد والسكون.. فباتت رهينة المحبسين.
هدّدها السلطان بذبح وليدها الذي لم يُتح لها أن تضمه أو أن ترضعه، إنْ هي تكلمت، لكنها بعد طول جفاف أصاب الروح، وذبول أصاب القلب، تروي لـ «سيد الأسفار» قصتها، هي الزنجية التي تشبه الشامة على خدّ جميل.
مثل أي طفل مدلّل، قرّر السلطان أن يأخذها، نسيتْ لونها وكونها خادمة سوداء وهي بين يدي السلطان وعلى فراشه، لكن حكمه الظالم أرجعها لواقعها المظلم، إذ رماها مثل إسفنجة مهترئة، وأخذ ابنه بعد أن نال منها ما أراده: «ابن السلطان الذي دفّأ احشائي يشق طريقه بعيداً عني.. صرخته تزرع في قلبي بساتين حسرة، لم أره. سحبوه بعيداً وأنا أنوح كذئبة جريحة» (ص19).
لم تدرِ أنها دفعتْ «الأسود» لشمس انعتاقه وهي تروي قصتها.
يدفعها «سيِّد الأسفار» للتذكر وقد أثارتْ الحكاية فضوله، وكيف تنسى صوت وليدها؟ موسم ربيعها اليتيم وخصبها المنقوص؟ وليد لحظة الحلم والانعتاق والتحرر التي عاشتها؟ إذ كانت تحرَّرت من الفقر والعبودية ومن الإحساس بالنقص والدونية، وباتت بين يدي السلطان مثل جوهرة: «نسيتُ لوني». لكن قيد العبودية المغروس بلحم العنق، صعب أن يزال إلا بعد أن ينزف دماً غزيراً.
تتذكر صوت وليدها لأنه الشيء الوحيد الذي طالته بحواسها المشرئبة المتعطشة غريزياً وإنسانياً له، ربما لمحته، استرقت النظر إليه، عرفت أنه «أسود»، لكنها تعرف مَن أبوه، وتميِّز دماء العظمة التي تجري في عروقه: «صرخته تنبئ عن حزن عميق» (ص19). فهل يتنبأ الوليد بشقائه القادم؟
السكوت الإجباري سجنٌ يطوق عنقها، ويحرق قلبها على وليدها، فتباكي ذئاب الثلج لأنها ذات ألم لا ينتهي، صوت الحزن، بوح الألم، حكاية الجراح الغافية، أنين البوح وبوح الأنين.. إنها تروي قصتها بلغة العواء، لأنها لا تستطيع أن تتكلم. وأين تذهب بفيض الألم الذي يحرقها من الداخل؟ حيث أعماقها المتيبسة بالوجع والمحترقة بما تجرعته من ظلم..
«الشمس»
ويكون اللقاء بين «الأسود» و «الشمس» التي تفهم موت أبيها الذي اختار السفر المتواصل.. من ملامح «الأسود» تستحضرُ الغياب وتعرف مشيئة الراحل وتسلم قيادها لـ «الأسود»: «أترضى شمس مشرقة بليلة فاحمة باردة؟!». «الأسود» يصف نفسه بـ «ليلة باردة» بسبب تخلي ذوي القربة عنه وإنكارهم له وسلخه عن عز أبيه السلطان وتاجه، أما «فاحمة» فلأنه ورث السواد من أمه «جرداء».
«شمس» لـ «الأسود»، شمس قلبه، تمنحه النور والخلاص والحب الذي حُرم منه، تطهِّر روحه من سواد الظلم وظلام النفي وظلمة التيه بلا دليل، وهي عصية.. كبرياء الأنثى حين تعي عفة نفسها ويصبح الجسد عصيّاً على الانتهاب، تواجه حقد «ابنة النار» المرتبطة بـ «الأسود» باللعنة نفسها أو بوجع العشق من طرف واحد أو بغيرة أنثوية من «الشمس» بجمالها المشع وبرفعة نفسها وكبريائها.. هي أنانية العشق العمياء، وحكمة ابن السلطان «شاجار» الذي أعماه الحقد وعشقه لذاته: «ما لم يكن لي.. لن يكون لغيري» (ص47).
«الشمس» تواجه «شاجار» بالعواء الذي يكرهه، ربما لأنه يخافه ولا يفهمه، يعرّيه من الداخل، يفضح ظلمه وظلامه الداخلي وإن كان لونه أبيض، يضيء ظلمة «الأسود»، أخيه الذي أنكره ولم تنكره الشمس.
العواء لغة الألم والبوح الدفين، والحكايا الموؤودة في قلب الصحراء، أم الصمت، سيدة السكون، ملهمة العطش وحاضنة المنفيين. عواء «شمس» سلاح في وجه رغبة «شاجار» الآثمة، ورغباته الظالمة التي جرّدت «الأسود» من إرث أبيه ودفنته حياً وسجنته في سجن «جرداء». «الشمس» تقمع شهوته وتذله وتهزمه، لا بل تختار الموت الشريف وتتجرّع المنيّة من كأس الشرف، الشرف خيار، تختاره بدل حياة وضيعة أرادها لها «شاجار»، تبتلع سماً قاتلاً احتفظت به في خاتم بيدها، وتموت وهي تقاوم وتهزمه حتى اللحظة الأخيرة.. تغرس عواء رفضها في قلبه، وتكسر شموخه الأجوف وجشعه المتضخم، وهو لا يصدّق أنها تقاومه.
«الشمس» جعلت «شاجار» يعي أنّ «الأسود» ابن «الجرداء» هزمه، لأنها أعطت الأخيرَ كلّ شيء وأخلصت له، ولم تسمح لـ «شاجار» أن يلمسها، فأحس أن سلطانه خادع، سلطته كذبة، امتلاكه كل شيء وهم مآله إلى زوال.. إنه مضيء كونه ابن السلطان الشرعي، لكنه مظلم لأنّ «الشمس» هجرته وركلته بكبرياء أنثى عفيفة ونفس نبيلة شفافة.
يظل «الأسود» مخلصا لـ «الشمس» ويرهن عمره لها، فهو يعرف أنها ابتلعت السُّم لأجل الأفضل، وكي تجرّع «شاجار» الخسارة والذل وتصفعه بالخيبة.. ويظل «الأسود» نكرة، منذورً للاّموت واللانهاية، ولعذاب مقيم، ففي لونه لعنة لا تموت.