- -

30 عاما على رحيل (بلبل مصر حامد مرسي) .. أول من غنى .. زوروني كل سنه مره

30 عاما على رحيل (بلبل مصر حامد مرسي) .. أول من غنى .. زوروني كل سنه مره

زياد عساف - من طبيعة الانسان ،نسيان اغلب ما يمر على حياته من مثيرات وحواس ، ربما كانت تدغدغ مشاعره وابداعاته او شكلت شخصيتة العاطفية او الانسانية والحضارية . ..و الغناء العربى الحديث و القديم ، تكون من استعراض وأداء ألحان مختلفة ومقامات موسيقية تنوعت عبر شخصيات الغناء العربي ورموزه في مجالات الغناء والتلحين والتوزيع والموشحات ومختلف الاشكال الموسيقية الشرقية والعربية الاسلامية. ان ان البحث في المنسي من تراث الاغنية العربي ، هو نبش في القوالب الغنائية القديمة، التي باتت مع جهود مبدعيها منسية الى حد ما . الباحث والكاتب «زياد عساف» ظل يقلب ما نسي من الرموز والاغاني والحكايات وخص « ابواب - الراي « بثمرات جهودة التي تنشرها منجمة كل ثلاثاء في هذا المكان من الملحق حيث سيتم طباعته على اجزاء في القاهرة. لقد ارتقى الغناء العربي مع ظهور الحركة القومية العربية فى مواجهة الثقافة التركية السائدة على يد الشيخ محمد عبد الرحيم المسلوب وعبده الحامولى ومحمد عثمان ، ، عبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب وطروب وفيروز وام كلثوم كما لحن وابدع جماليات حياتنا وفنوننا امثال: سلامة حجازى وابراهيم القبانى وداود حسنى وأبو العلا محمد وسيد الصفتى محمدالقصبجى وسيد درويش وزكريا أحمد ومحمود صبح ومحمد عبد الوهاب،ورياض البندك وجميل العاص ومحمد القبنجي وغيرهم كثر.حامد مرسي مواليد محافظة البحيرة، اشتهر بلقب «بلبل مصر» نظراً لجمال وعذوبة صوته، لمع اسمه في بدايات القرن العشرين، في وقت تواجد فيه نجوم وأسماء لامعة في عالم الطرب والغناء في مصر من أمثال: صالح عبدالحي، عبداللطيف البنا، منيرة المهدية، فتحية أحمد، محمد عبدالوهاب، وملحنين من أمثال سلامة حجازي، أبو العلا محمد، محمد القصبجي ورياض السنباطي.بداياته..في سنوات عمره الأولى، بدأ في حفظ وتجويد القرآن الكريم، وقراءته قراءة صحيحة، بصوت واضح المخارج، سليم النطق وكان محل رعاية واهتمام شيوخ الكُتّاب، والتحق بعدها في المعهد الديني في طنطا، في تلك الفترة كان يغني التواشيح والمدائح النبوية في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام في المناسبات التي يحتفل بها أهل القرى والنجوع.«لقاء الصدفة مع سيد درويش »في الإسكندرية، وهو يغني على احد مسارحها، تواجد سيد درويش هناك بالصدفة وبعد نهاية الحفل ذهب إلى الكواليس وهنأه مبدياً إعجابه بصوته وقرر أن يعطيه لحنا من ألحانه وكان «زوروني كل سنة مرة حرام» الذي لحنه خصيصاً له، وسمح له بغناء كل ألحانه وهذا ما كان، وهذه الأغنية أُعيدت بأصوات مطربين معاصرين، فيروز وصباح فخري وتوجد لها تسجيلات قديمة بصوت سيد درويش، وكل مطرب غناها بطريقته، ولكن حامد مرسي أداها بصوت فيه شجن وحنين بشكل لافت، ويعزى ذلك الحزن البادي في أدائه إلى انه عاش يتيم الأبوين منذ الطفولة فكانت كلمات الأغنية أقرب لإحساسه.ويقول حامد مرسي في لقاء إذاعي مع الإعلامي مفيد فوزي ضمن حلقات أسبوعية خاصه كان يجريها «فوزي» مع الفنانين لصالح الاذاعه الأردنيه، استعاد حامد مرسي ذكرياته عندما غنى «زوروني» لأول مره على أحد المسارح في القاهرة، وكيف ألح الجمهور بأعادتها لغاية الثالثة فجراً وخرج الناس للشارع وبدأوا يرددونها، وهو يصف المستعمون زمان كان بالهم «رايق» ولا يوجد ما يشغلهم من أمور الحياة المادية.في بدايات عمله بالمسرح، كان يغني بين الفصول بمسرح جورج أبيض، وتابع بعد ذلك مع فرقة سيد درويش، حيث غنى في أوبريت شهرزاد، وحلاق اشبيلية، و ورد شاه ، وسرقوا الصندوق يا محمد، كما عمل في فرقة علي الكسار ونجيب الريحاني، ومع افتتاح الإذاعة المصريه، برع في غناء الأدوار والألحان في الحفلات.حامد مرسي والسينماشارك حامد في أعمال سينمائية عديدة منها «بواب العمارة» مع فتحية محمود، وأبواب الليل، والحلوة عزيزة، وفتاة الاستعراض، طريق الدموع، ورد وشوك، والحياة نغم.وآخر فيلم ظهر به «مولد يا دنيا» حيث أدى شخصية «عم سيكا» قائد لفرقة موسيقية شعبية, وابتعد عن البطولة في الأفلام السينمائية في بداية الأربعينيات لظهور نجوم غناء أكثر شهرة أمثال إبراهيم حمودة, عبدالعزيز محمود, كارم محمود, محمد فوزي, محمد أمين وجلال حرب.«عرس على المسرح»التقى بالفنانة عقيلة راتب والتي كانت في بداياتها, وقدمها لمسرح علي الكسار لتكون بطلة الفرقة ومطربتها, وشكلا معاً دويتو غنائي ناجح ، شارك في زيادة ونجاح شعبية فرقة علي الكسار, وكان قد عبر حامد مرسي وأثناء الاستراحة بين الفصلين عن رغبته لعقيله بالارتباط بها ووافقت على الزواج منه وبعد أن علم علي الكسار بالنبأ خرج لجمهور المسرح ليعلن هذا النبأ السعيد وخرجا «حامد وعقيلة» ليحييا الجمهور على خشبة المسرح وصفق لهما طويلاً تلك الليلة.كان له كثير من المعجبات لجمال صوته واطلالته ، وخبر زواجه ادى الى تعرضه لحادث اعتداء شهيره من قبل احدى المعجبات التي أغاظهاخبر زواجه فرشقت وجهه «بماء النار « مما ترك أثار حروق في وجهه ادت الى اعتكافه فتره طويله .«المسرح الغنائي في مصر والوطن العربي»شارك حامد مرسي في عشرات المسرحيات الغنائية وكان هذا مؤشرا على ازدهار هذا الفن في مصر تلك الفترة, وللمسرح الغنائي في مصر جذور وتاريخ قديم, حيث تم عرض «أوبرا عايدة» من تأليف الموسيقي الإيطالي «فيردي» والتي تم إعدادها خصيصاً لافتتاح قناة السويس عام 1869 في عهد الخديوي إسماعيل, وهي تحكي قصة من أعماق التاريخ المصري, ولحن بمنتهى الحداثة مع فريق اوركسترا بمواصفات عالمية, ونظراً لوجود الكثير من الجاليات الأجنبية ومجيء فرق أوروبية لمصر لتقديم عروضها آنذاك, كان هذا مؤثراً مهماً في ظهور المسرح الغنائي في مصر وهذا الشكل الفني استهوى العديد من الفنانين, مع بداية القرن العشرين على يد سلامة حجازي وكامل الخلعي وداود حسني وسيد درويش وزكريا احمد وبعد ذلك نجيب الريحاني وعلي الكسار.مع تطور وسائل الإنتاج والعرض مثل السينما والاسطوانات والإذاعة ابتعد الناس عن المسرح الغنائي ،وظهور الصورة السينمائية بإمكانياتها الهائلة غذى الموسيقى بأبعاد جديدة وزاد جمهور المستمعين ولكنه أدى إلى انحسار المسرح الغنائي.تم انشاء المسرح الغنائي المصري عام «1960» وقدم اوبريتات عصريه تتناسب مع النهضه الفكريه والمسرحيه الجديده للمجتمع العربي في مصر وعام «1962» تم تأسيس الفرقه الأستعراضيه الغنائيه ،وفي الستينات ايضاً ،حاول بليغ حمدي إحياء المسرح الغنائي وقدم «مصر العروسة»، وفي أواسط السبعينيات قدم مسرحية «تمر حنّه» لعزت العلايلي ووردة الجزائرية، ومحمد الموجي قدم مسرحية «هدية العمر» وفي عام 82 تم إعادة مسرحية «الشخص» للرحابنة وقامت المطربة «عفاف راضي» بدور البطولة بدل «فيروز» وشارك البطولة في العرض الفنان «سيد الملاح» حيث تم «تمصير» المسرحية وقدم العرض باللهجه المصريه ،ولم تنل المسرحيه النجاح المرجو حيث بقي دور فيروز حاضراً في الأذهان لدى الجمهور.وفي أوائل التسعينيات تم عرض مسرحية «الانقلاب» لنيللي وإيمان البحر درويش .في لبنان تعود الجمهور على المسرح الغنائي الذي تعايشه ولعقود مع مسرح الرحابنه ، وبعد عاصي ومنصور، ظهر فراغ ملحوظ في هذا المجال، مع وجود بعض العروض المسرحية وعلى فترات، والتي غاب عنها الفلوكلور اللبناني وحرارة الحوار التي اوجدها الرحابنة في اعمالهم، وغياب فنانين بقامة وديع الصافي وصباح وفيلمون وهبي الذين تركوا بصمتهم في المسرح الغنائي اللبناني, وفي الاردن كانت التجارب المسرحية قليلة في هذا المجال، مثل مسرحية «برجاس» للشاعر حيدر محمود، والمغناة الشعبية «خالدة» لعبدالرحيم عمر، وهذا النوع من العروض يحتاج الى ميزانية وتكلفة مادية لا تشجع على تقديم هذه المسرحيات وهي نفس الاشكالية الموجودة في معظم البلاد العربية.أزمة الأغنية العربية ما بين التراث والحداثةبقيت اشكالية الأغنية العربية بين التراث والمعاصرة قائمة إلى الآن في الوقت الذي استطاعت معظم بلاد الغرب التخلص من هذه الثغرة، بينما في المنطقة العربية بقي الصراع قائماً ما بين اعتبار التمسك بالتراث مناقضاً للتطور، ويجب على كل جيل ان يعبرعن نفسه، وبين من بقي متمسكاً بالقديم ولم يحدث الارتقاء المرجو في الأغنية.الا انه كانت هناك أسماء في الغناء العربي استطاعت أن تحدث حالة المواءمة والتوازن بين الحالتين من أمثال محمد القصبجي ومحمد عبدالوهاب ورياض السنباطي فبعد ان تعمقوا في التراث الغنائي العربي، بحثوا في الموسيقى الاوروبية فبدأوا يقدمون ألحانهم مستعينين بموزعين موسيقيين يملكون الخبرة في الموسيقى العربية والغربية مثل فؤاد الظاهري وعبدالحليم نويرة وعطيه شرارة وعلي إسماعيل واندريا رايدر.إلا انه لم يأت بعد ذلك من المطربين والملحنين من يسير على نفس الطريق، أغلب ما ظهر في مرحلة السبعينات والى الآن اقرب للون الغربي وكانت النتيجة أغاني عمرها قصير تعتمد على ألحان راقصة وأنغام متكررة باستثناء أسماء فنية قليلة أمثال علي الحجار ومحمد الحلو ومحمد منير مع غيابهم المتقطع على الساحة الغنائية وتفاوت في مستوى الإبداع.حامد مرسي الصديق الوفيرحيل سيد درويش المفاجئ ترك اثراً بالغاً وحزيناً في نفسية حامد مرسي وبقي وفياً لتراثه حتى آخر ايام حياته، فانتقل من أغاني الطرب واتجه إلى الغناء التعبيري الذي ابدعه وتميز به درويش، ولم يتوقف عن الغناء في الفرق المسرحية، وتفرغ في سنوات عمره الأخيرة للعمل في» جمعية اصدقاء سيد درويش»، وشارك في كل احتفالاتها لإحياء ذاكراه وغناء ألحانه التي كان يعشقها ويتفانى في غنائها.في أوساط الاربعينيات تم تعيينه مشرفاً على الموسيقى في وزارة الثقافة، واحيل على المعاش وهو في سن 65 وكان في أواخر أيامه يتندر على الزمن الجميل عند سماعه للأصوات الجديدة ويعزو سبب هذه الظاهرة تخلي الإذاعة المصرية عن مهمتها في إنتاج الأغاني والمؤلفات الموسيقية ورعايتها، حيث كانت في إذاعة القاهرة، لجان لاختيار المطربين والملحنين وكُتّاب الكلمات لضمان المستوى الفني للأغنية لذلك زخرت المكتبة الموسيقية بأعمال فنانين ومطربين تركوا ارثاً متميزاً في عالم الغناء، وشتان ما بين زمن حامد مرسي الذي كان يغني بدون ميكروفون مما يظهر جمال صوته وقوته وما بين تكنولوجيا تحاول إخفاء عيوب الصوت بالمؤثرات التقنية والتركيز على الصورة لتشتيت ذهن المشاهد والمستمع، ومع هذا الصراع الغنائي والذي معظمه ابعد ما يكون عن الحس المرهف والغناء الراقي، تعود إلى الذهن أغنية اقرب ما تكون لوصف هذا الحال، غناها زكريا احمد وكتبها بيرم التونسي «يا هل المغنى دماغنا وجعنا .. دقيقة سكوت لله .. دا احنا شبعنا كلام ما له معنى.. يا ليل ويا عين ويا آه ه ه ه ..».باحث في الموسيقى والغناء والسينما وأدب الطفل