روائي أردني يرى أن الأدب والنقد والمجتمع في مأزق صعبحاورته: سميرة عوضيمتاز الروائي الأردني قاسم توفيق بالجرأة في طرح الموضوعات المسكوت عنها، ويمتلك القدرة على مزج الأسطورة بالواقع. هذا ما تكشف عنه روايته الأخيرة «البوكس» (دار فضاءات، 2013)، والتي رصد فيها أجواء قاع المدينة من خلال بطل الرواية الذي يحمل أمراض مجتمعه من جهل وقسوةِ عيش في ظل سيطرة طبقية على الكادحين.أصدر توفيق عشرة مؤلفات في السرد، تميز بعضها بالواقعية الحادة كما في روايته «أرض أكثر جمالاً»، و«عمّان وردٌ أخير»، كما عالج موضوعة الاغتراب العربي في روايته «الشُّنْدُغّة». تالياً حوار مع الروائي قاسم توفيق، حول تجربته الإبداعية.من أين تستوحي شخوصك الروائية؟ وإلى أي حد يلهمك الواقع؟ - حياةُ كلٍّ منا مجموعة متشابكة من الحكايا والقصص. الروائي هو من يمتلك الذاكرة ويمتلك القدرة على إعادة سرد هذه الحكايات، والوعي الذي يتملكه هو الأداة التي يستخدمها لصنع هذه الحكاية بنص فني وفكري وبموقف إنساني عام على الرغم من ذاتيته.إن حالة الإلهام التي تأتي من الواقع إلى نفس الأديب لا تأتي من الشخصية أو الأحداث، بل تأتي من طريقة تشكُّلها في وعي الكاتب، لذلك نجد أن الكثير من الشخصيات التي تكون مُلهمة للمبدع، تتحول في نهاية الأمر إلى شخصيات جديدة وغريبة عن تلك التي ابتدأ منها.أنا لا أؤمن بفكرة الموهبة الفطرية، وأنا على قناعة أن هذه المقدرة التي يتملكها الكاتب في خلق الشخصية الجديدة هي نتاج تجربة وثقافة أهم ما يميزها أنها تجربة وثقافة جمعية وليست فردية بالمطلق، لذلك يوجد في حياة كل واحد منا شاعر وفنان، لكنا نفتقر للوعي الذي يمكن أن يحفزنا لإعلان ذلك، أو أننا نتعرض للقمع من البيئة أو المجتمع أو الأسرة فلا نعود معنيين بإخراج هذه المقدرة من ذواتنا. التقيت بأشخاص أو قرأتهم فتركوا أثراً خاصاً في نفسي وجعلوني متشوقاً لخلق شخصيات روائية منهم لمجرد أحداث أو مواقف بسيطة عشتها معهم وعبرتْ في حياتي على عجل.. ثم وجدتهم في وقت ما، وفي نص ما، حاضرين -باختلافهم وتنوعهم- على نمط واحد متشابه. الشخصية الواحدة في كثير من رواياتي تشكلت من مجموعة أناس مختلفين، وقد يكونون حتى من بيئات متباعدة، لكني وجدتهم أخيراً داخل النص وقد تشكلوا في ذات واحدة. الواقع هو محور كتاباتي، فأنا بطبيعتي كائن اجتماعي بشدة، والواقع الذي أعيشه يتملكني ولا قدرة لي على تجاوزه. سجن وقيود تسعد حياتي، لأنني فنان يحاول إعادة رسم هذا الواقع ونقل ما يعيشه فيه على الورق بلا حرفية أو نسخ، ولكن وفق ما تتجلى صورة هذا الواقع في خيالي، لذا قد أبدو في بعض الأحيان بعيداً عن الواقع. تمحورت روايتك «ماري روز تعبر مدينة الشمس» حول علاقة متشابكة بين شاب مسلم وفتاة مسيحية خلال السبعينات في عمّان، تبدأ بمشاعر إنسانية عادية بينهما ثم يصبحان عاشقين حينما يكتشفان أنهما يلتقيان في الفهم والإحساس والذائقة والروح الوطنية.. كيف ترى إلى هذه الثيمة الآن؟- صدرت رواية «ماري روز» في العام 1984، بصراحة تحكي قصة حب «مستحيلة»، وأعتقد أني كنت أفكر بتطرف ثوري حتى أقدمت على إنجاز عمل يجرؤ على الدعوة لكسر التابوهات التي تتحكم في حياتنا في زمان يبتعد ثلاثين سنة عن اليوم إلى الوراء. ولو أردت أن أكتب هذه الرواية اليوم للمرة الأولى لترويت أكثر، فالظلامية والتخلف وكبت الحريات صارت اليوم أكثر شراسة مما كانت عليه قبل ثلاثة عقود. اليوم تقيَّد حريتنا من جهات تدعي حرصها على الناس والمجتمع بفكر رجعي متخلف، بالإضافة للأنظمة التي تُسعد كثيراً بهذا الحليف حتى تبعد الناس عن التفكير وعن رفض الفساد والاضطهاد وكبت الحريات.«ماري روز» رواية تحكي عن حبيبين وعن طرف ثالث تشكَّلَ من تكوينهما معاً (المسلم والمسيحي) نتيجة ظروف عادية وإنسانية. الرواية تضع سؤالاً بسيطاً: ماذا يمكن أن نسمي هذا الطرف الثالث، وأيّ مذهب يجب أن يكون عليه؟ «ماري روز» عمل يلح في البحث عن نقاط التقاء لتكريس ثقافة إنسانية الإنسان وليس أيٍّ من الثقافات المذهبية. في روايتك «حكاية اسمها الحب»، تناقش تجربة الحب بين رجل في الخمسين من عمره وصبية تصغره بعشرين سنة. هل هي قصة من الواقع، هل هي ممكنة الحدوث بشكل متواصل؟- وكأني أُتهم بما أكتب عن العشق!ما أعرفه وما تعرفه البشرية في فلسفة العشق وقصص الحب أنها لا تشكل مفصلاً خلاقاً ولا متميزاً إلا في خصوصيتها، الكثير من العشاق أحبوا وكافحوا وانتهوا إما في منزل مليء بالضجيج والمسؤوليات والأولاد، أو إلى فراق ونسيان مع الوقت.نكهة الحب الأقوى والتي تستحق أن تُعاش قبل أن تُكتب تكون في حالات العشق الصعبة. السؤال هو: لماذا يكون الحب صعباً لهذا الحد ولماذا تكون الكراهية أمراً عادياً وسهلاً؟ لماذا نحكي بالسوء عن العشاق، وبالكاد نتذكر من يكرهون؟ لماذا تطغى الكراهية على مجتمعاتنا ونجد الحب مسجوناً خائفاً لا يجرؤ على إشهار نفسه؟ بطبيعتي؛ أنا إنسان مادي حاد في نمط تفكيري، إلا أنني قد أبدو مثالياً إن قلت إنه في حالات الحب لا يملك أيّ من العاشقين أمره، فالعشق حالة انجذاب نفسي لا يملك أي طرف فيه قراراً في أن يتجاوزه. لست معنياً بتفسير كينونته وتشكله إن كانت قائمة على رغبة أو مصلحة، فكل علاقات البشر تقوم على هذين المبدأين، لكني معني بأن أوضح أن فارق العمر لم يكن لَيشكل عائقاً أمام علاقة إنسانية راقية مثل العشق، مع العلم أن جل العلاقات التي تجمع المرأة بالرجل في مجتمعاتنا الشرقية قائمة على مصالح تافهة، أعظمها وأهمها الزواج. في قناعتي أن هذه المصلحة لا ترقى بأي حال من الأحوال إلى مصلحة العشق التي بين اثنين أحبا بعضهما بعضاً من دون أن يردعهما دين أو هوية أو عمر، فلماذا لا تكون هذه حكاية ممكنة الحدوث؟ تحضر عمّان ليس في عناوين أعمالك فحسب، بل إنها تبدو ملهمة ومحوراً رئيساً في متنها أيضاً. كيف تصف علاقتك بعمّان؟ وكيف حفزت هذه المدينة والناس فيها شهيتك للتأليف؟ - أنا واحد من أولاد عمّان، منذ ميلادي وأنا أسكن فيها، جاء أبي لاجئاً لها سنة النكبة 1948 واستقر وعمل فيها، نشأت فيها وكنت في طفولتي أحسب أنها آخر الدنيا، الجبال التي كانت تحيطها في ستينيات القرن الماضي كنت أحسبها قلاعاً تحمينا من العالم من دون أن تعزلنا عنه، أحببتها وصارت بيتي الكبير. لا أريد أن أخوض في تفاصيل العلاقات البشرية الرائقة والجميلة التي كنا نعيشها، ولا في وحدة بيتنا ودفئه.من علاقتي هذه بعمّان، ومن ذاكرتي الحديدية المتعبة، نسخت آلاف الصور والأحداث والأشخاص والحكايا. ولعي بالقراءة منذ طفولتي، وهذه الذاكرة، وشغفي بالكلام.. هذا ما جعلني أكتب عنها.وأنا من السباقين في الكتابة عن عمّان وإن كان «النقاد» عندنا لا يعترفون بذلك. لست معنياً بهذا الاعتراف بالطبع، لكن في الوقت الذي كتبت فيه عن عمّان بالاسم وبالمكان وبالشخصيات كانت هذه المدينة عند الكثير من الكتاب علامة استفهام يبحث عنها القارئ داخل العمل حتى يمل ويعجز. لا أسجل سبقاً في ذلك، بل أؤكد أنني قد حققت ذاتي الأدبية من خلال هذه المدينة. علاقتي بعمان الآن أكثر عمقاً، كما تكشف روايتي «البوكس». رصدت «عمّان وردٌ أخير» المخاض السياسي والاجتماعي في عمّان إبان السبعينات، وتناولت طبيعة العلاقة بين أطياف المجتمع. ماذا عن موضوعة هذه الرواية التي يبدو لمن يقرأها الآن وكأنها تناقش أمراً راهناً؟- تتحدث الرواية عن عمّان 1970، سنة الصراع التي انتهت بخروج المقاومة، هناك خط أحمر يمنع الحديث في هذا الموضوع، وأنا مع هذا المنع لأن ما حدث يعدّ ذكرى قبيحة لا تستحق أن تُتذكَّر، ولا يتوجب الحديث عنه إخبارياً أو إعلامياً مثلما تفعل الآن إحدى الفضائيات المتخصصة في إثارة النزاعات الأهلية في الدول العربية بين الفينة والأخرى.لقد كتبت عن هذه الحقبة من وجهة نظر الفنان والمنتمي لمجتمعه، لم أكتب في «عمّان وردٌ أخير» ما يمكن أن يكرس ثقافة إقليمية، أو يغلّب وجهة نظر على أخرى. لقد كنت معنياً برصد حياة الإنسان الأردني بصرف النظر عن أصوله، لأني أتحلى بمقدرة على التمييز وعلى تحديد المواقف، غير أن مبادئي التي هي قومية وإنسانية، أكثر سمواً من أن تُمَسّ بسبب هوية أو ملّة، ولا يمكن أن تكون بأيّ حال إقليمية. لهذا تجرأت وكتبت عمّا لم يُكتب به في الأدب حتى الآن.يكفي أن بطلَيّ الرواية صديقان؛ أحدهما من شرق النهر والآخر من غربه. ولقد دخلت في تحدٍّ مع الكثيرين إن كانوا قادرين على تمييز أيّ منهما عن الآخر فكراً أو اختلافاً أو نضالاً من أجل حرية الوطن والإنسان.شخصيات الرواية كائنات متشكلة في ذهن الكاتب، وفي كلماته. هل تركن إلى مشاركة القارئ في الحبكة الروائية؟- تتشكل الشخصية الروائية في ذهن الكاتب وفي كلماته، ولا بد أنها تتشكل أيضاً من كَمّ المعرفة التي يستقيها الكاتب من الآخر، ومما يقرأه أو يسمعه من رأيٍ للقارئ، سواءً في ما يخصه أو ما يخص أعمال أدبية لآخرين. كثير من الأفكار التي كتبتها كانت ناتجة عن أفكار أو آراء سمعتها أو قرأتها، بخاصة عندما تكون هذه الآراء معقولة ومقنعة. الاغتراب الجغرافي والاغتراب داخل الذات واضحان في «الشندغّة» (اسم إحدى مناطق دبي).. ماذا عن حضور المكان والاغتراب في الرواية؟!- أكثر الأمكنة اغتراباً جغرافياً على الإنسان هو السجن، فخصوصيته واختلافه وتقييد الحرية فيه تجعله بيئة جغرافية نادرة، وتزداد غربته من كونه مكانا ملتصقا بالأمكنة التي هي نقيضه (المفترض أنها الحرة!)، ومع ذلك فإن السجين لا يكون مغترباً لأنه يكون متوحداً مع الآخرين الذين معه في السجن سواء كانوا من المساجين الآخرين أو من الحراس. الاغتراب الحقيقي يكون في دخول المرء بلدا عربيا يجد نفسه فيه مضطرا لتغيير لغته العربية إلى لغات أخرى حتى يتفاهم مع الناس هناك، وما يتبع ذلك من اختلاف في الثقافة والعادات والسلوك. هذا ما يولد فيه الاغتراب الذي يفضي إلى اغترابه في ذاته، بخاصة إن كان مدفوعاً لهذا المكان نتيجة اغتراب آخر جاء من احتلال صهيوني بشع لوطنه وطرده خارجه.يمكن القول إني إنسان متعلق بالمكان، وفاهم لكنهه، وقادر على فصله عن بقية أدوات وجوده من الناس بكل صورهم والأحداث التي تدور فيه. رحم أمي الذي سكنته تسعة شهور هو واحد من الأماكن التي ما تزال تؤثّر بي، والمكان بقدر ما يمكن أن يعاش حقيقةً فإنه يمكن أن يكون متخيلاً. الأمكنة المتخيلة أكثر جمالاً لكنها أقل واقعية.لقد نلتُ فرصة أن أعيش الكثير من الأماكن على كرتنا الأرضية، أسعفني العمر للغوص في حواري مدن كثيرة وأزقتها، عرفت الأحياء الشعبية في نيويورك، وعرفت الأحياء الشعبية في غزة.. هذه الأحياء بما تتشكل منه من غير البشر والأحداث تكون ناطقة وتحكي عن نفسها، لا أعني أنها تؤرخ سيرتها بالمطلق، وإنما أنها تكشف ذاتها للزائر الذي يرى فيها ما لا يمكن أن يراه في الناس. في غزة ترين حزنها وكآبتها، وتحسين ألمها، وآمالها العظيمة. وفي نيويورك تقرئين حزناً وألماً من نوع آخر ولا ترين الأمل. هذه الانطباعات التي تتملكك تأتي ليس من البشر، بل من الشوارع والبيوت والأزقة. إن جميع الأماكن التي عشنا بها أو حلمنا بها ليست شيئاً ثابتاً يمكن أن نصفه أو نحكم عليه بسهولة. هذا العجز في الوصف هو الذي يستفزني دائماً ويجعل علاقتي بالمكان علاقة وحدة واختلاف في آن واحد. شهدت بيروت مولد عدد من مؤلفاتك.. ماذا عن علاقتك مع هذه المدينة؟- لا أعرف أيّ بيروت قد تتبادر إلى ذهن القارئ من السؤال.. أقصد بيروت الحرب الأهلية، والحصار، وخروج المقاومة الفلسطينية منها. لا أعرف الشيء الكثير عن هذه المدينة لأني لم أعشها على أرض الواقع، أعرف بيروت مما قرأت ومما سمعت، وقد قرأت الكثير عنها بخاصة بعد العام 1982، سنة خروج المقاومة الفلسطينية، وعاد ليحييها في ذاكرتي مرة أخرى مؤخراً صديقي الشاعر أمجد ناصر في كتابه «بيروت صغيرة بحجم راحة اليد».كنت قد تطوعت في تلك السنة 1982 للقتال مع المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية ضد الاعتداء الصهيوني، مع العديد من الأدباء الأردنيين، ولم يتسنَّ لعدد كبير منا أن يدخل إليها، فخسرنا هذا الشرف، وخسرنا هذه التجربة التي كان من الممكن أن تغير الكثير من الأشياء في حياتي. ثم زرت بيروت عشرات المرات في ما بعد، لكن للعمل. هذه هي المفارقة؛ بيروت امرأة جميلة، من يعرفها لا يمكن أن ينساها! دراستك في الجامعة الأردنية كيف أثْرت توجهك للالتفات إلى المكان في أعمالك الأدبية؟ - الجامعة الأردنية في سنة 1977 كانت جغرافيا أخرى وغريبة عن عمّان، بقعة مضيئة في كونٍ بدأت تتلبسه العتمة، حالة حضارية في عالم يرجع للبدائية.في هذه الجغرافيا المنفتحة على العالم رغم ضيق الإمكانات، تعلمنا وقرأنا عشرات الكتب، وناضلنا، وتوحدنا، واستطعنا أن نرسم معالم الطريق لوطن حر. هناك أصدرت مجموعتي القصصية الأولى «آن لنا أن نفرح»، وقد جمعت كلفة طباعة الكتاب البالغة آنذاك مئة دينار من أصدقائي في الجامعة، بعضهم ساهم بدينار وآخرون ساهموا بعشرة دنانير، كانت مساهمتي أنا بدينارين، وبعد أن استلمت الكتاب من المطبعة أعدت لأصدقائي مساهماتهم نُسَخاً من الكتاب شرط أن يقوموا بتوزيعها وبيعها، فكان ما خططنا له. أذكر أني استلمت نسخ المجموعة من مطبعة «الشرق» في المحطة في يوم سبت، وفي يوم الخميس الذي تلاه كانت جميع النسخ وعددها ألف نسخة قد نفدت جميعها، فكان الكتاب الأكثر مبيعاً في عمان في ذلك الأسبوع، لا أستطيع أن أؤكد أن جميع النسخ قد بيعت، من الممكن أن تكون قد تحولت أوراقها لقرطاس للف «ساندويتشات» الفلافل أو القضامة والملبَّس، لكن ما أعرفه أني ما زلت أحتفظ بنسختي الأولى منها.هل تظن أن النقد أنصفك ككاتب؟- لا أعرف كيف يمكن كتابة الضحكة على الورق! فهذا السؤال يضحكني، فهو مليء بالتناقض، من حيث، أين يمكن أن نجد النقد الأدبي في الأردن الآن؟ أين النقاد بعد جيل نبيل حداد وسليمان الأزرعي وخالد الكركي وإبراهيم السعافين وعبد الرحمن ياغي؟ أين المدارس والمذاهب النقدية عندنا؟ببساطة أكثر؛ يمكن أن أسرد الكثير من الأمثلة التي تحكي عن تخصص شخص (ناقد) بكاتب واحد دون سواه، وأن هناك العشرات من الدراسات التي تسمى «نقدية» تكون مدفوعة الثمن من المؤلف، وحتى لا أوغل في التطرف أؤكد أن هناك العشرات من الدراسات النقدية المنشورة يكتبها المؤلف نفسه ويقوم بنشرها بأسماء آخرين.أنا لا أغار ولا أحسد مَن تكثر الكتابة عن أعمالهم.. غير أن هناك العشرات من الدراسات النقدية التي تناولت كتاباتي، لكنها كلها نقية ناصعة، وصدرت عن أسماء أدبية وصحفية معروفة وجدت في ما أكتب ما يستحق أن يُكتب عنه سلباً أو إيجاباً.النقد الأدبي عندنا في الأردن مثل الأدب نفسه، ومثل المجتمع، في مأزق صعب.هناك غير دراسة جامعية، تناولت قضايا الرواية في تجربتك من خلال المنهجين التحليلي والوصفي، ما الذي تضيفه هذه الدراسات للكاتب ومسيرته الإبداعية؟ - المؤلف لا يكتب لأحد، إنما يكتب لنفسه. لقد قد استفدت كثيراً مما كُتب عن رواياتي وقصصي بالقدر نفسه الذي استفدته من الدراسات النقدية الجادة التي تناولت أي عمل أدبي لكتاب آخرين. أكثر شيء أضافته لي هذه الدراسات هو أني رأيت في بعضها اختلافاً كبيراً عما كنت أعنيه في العمل، والجميل في الأمر أني أحياناً أقرأ رؤيا الباحث أكثر جمالاً وعمقاً من رؤيتي التي تولدت معي من لحظة فكرت في أن أكتب هذه القصة أو الرواية. جرت العادة أن يصار إلى إقامة حفلات لتوقيع الكتب.. إلى أي مدى تسهم هذه الطقسية في انتشار الكاتب، وهل أنت معها؟- حفلات التوقيع طقسية استهلاكية يحبها الناشر أكثر من المؤلف، لقد أقمت ثلاث حفلات توقيع لروايتي قبل الأخيرة «حكاية اسمها الحب»، بعد صدور كل طبعة منها، والجمهور في المرات الثلاث كان هو نفسه: أصدقائي، وأصدقاء الناشر، وبعض الوجوه الجديدة.انتشار الكاتب والكتاب مسألة تحتاج إلى جهد مخلص من المثقفين ومن الإعلام ومن الناشر، وفي آخر الأمر على من يقومون بدراسة العمل الأدبي دراسة منهجية موضوعية ملتزمة. نحن في الأردن نفتقد إلى وعي تسويقي، حيث أن الكثير من الأعمال الرديئة لقيت رواجاً لأن خلفها مسوقاً ناجحاً فقط، والأكثر من الأعمال المهمة والعظيمة ظلت تزين رفوف المكتبات ولا تغادرها.حتى يخرج أدبنا من نطاقه الضيق، لا بد من وجود عمل مخلص من المعنيين والمثقفين، ومن ناشرين يسعون لخدمة ثقافة هذا الوطن وليس جيوبهم، كما أن المطلوب من المترجمين أن يؤدوا دوراً أكثر ديناميكية.
قـاســــم تـوفيــق: عـــمّــان بـيـتــي الكبيــر
12:00 29-11-2013
آخر تعديل :
الجمعة