محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

مثل بوصلة خانتها الجهات

مثل بوصلة خانتها الجهات

-
-
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ

عامر علي الشقيري

وسقطت.. أو انني توهمت أن هذا حدث..
فضاء أسود، وندف بيضاء تتطاير من حولي، وأصدقاء ظرفاء يسقطون معي سقوطا هادئا يخال للمرء أنه تحليق..
رأيت سوزان ترضع طفلتها وتغني لها بصوتها الغامق الذي أحب..
رأيت الحديقة تتسكع على شارع هامشي شاردة الذهن..كانت وحيدة وخاوية..
رأيت خمس سنبلات نبتن على طرف السياج وكانت أمي تفترش ظل زيتونة وتبكي.. بكت أكثر مما يجب وبطريقة أربكت تَتابع الصور التي رأيتها أو توهمتها..
مخرج يرتدي «الجينز» ويضع نظارة شمسية يظهر على المسرح فجأة ويعلن انتهاء المسرحية..
يخرج الجمهور من الباب الخلفي للمسرح على هيئة قطيع.. رأيتني معهم.. وكنا سعداء لانتهاء المسرحية.. نحن الممثلون.. وكانت أدوارنا متشابهة.. تقتصر على الجلوس على المقاعد والتزام الصمت..
فقط !
* * *
أنطلق مثل سهم في قلب هذا الصخب الذي يلف المدينة ثم أختار طريقا شبه خاوية.
اجتزت عجوزا وحيدا، فتاة وشاب، فتاة وحيدة نجمَ عن ارتباكي وأنا قادم من بعيد احتكاك بين كتفينا أسفر عن اعتذار سريع قوبل بابتسامة منها لأنها تفهمت أنني على عجلة من أمري.. مثلها تماما .
اجتزت أربع حاويات للقمامة والعديد من أكشاك القهوة المغلقة، أشعلت سيجارة مندون أن أتوقف.. لا وقت لدي.
وصلت نهاية الطريق. ليس هنالك أحد.. هل ضربت موعدا مع أحدهم وتأخر؟ لا.. ولِمَ أسأل نفسي؟! لِمَ أنا على عجلة من أمري..
عدت .. شاهدت الشاب والفتاة يمشيان باتجاهين متعاكسين.. ربما اختلفا على لون الستائر في البيت الذي سيجمعهما بعد عشر سنوات!
في تلك الأثناء كان العجوز قد قطع ربع المسافة.. وكان مشيي بطيئا.. عند أول الطريق رأيت الفتاة التي اعتذرت لها.. ابتسمت لي.. ألقيت نظرة خاطفة للوراء ..لم يكن هنالك أحد.. قالت وابتسامة وادعة تطفو على ملامحها: «لقد تأخرت!»، قلت: «وها أنا أعتذر من جديد».. ومشينا!
* * *
مثل رسالة محشوة في زجاجة مشروب فارغة وملقاة في بحر بعيد.. أخشى ألاّ أصل.
مثل نبتة برية في أوج تفتحها داسها العابرون.
مثل خنجر مطعون بفكرة الثأر.. مثل حب عفوي يبدأ بتلويحة من على الشرفة وينتهي بقبلة طارئة في الزقاق.. مثل بوصلة خانتها الجهات.. مثل حقيبة كتف مخذولة لأنك ترددت طويلا ولم تشترها هذا المساء. أنا.. مثلك أيضا..
يشتعل صوت السيدة أم كلثوم أول الأمر في غرفة سينام فيها عند الليل أربعة إخوة ونبدأ بكتابة رسائل طويلة نوقن أنها لن تصل.
.. ونغمض أعيننا على حلم نظنه خفيفا كغيمة، ثم نفتحها على موظف أنيق بشعر مصفف على جهة اليمين.. يطلب يدك فتصافحه في الحال أيادي العائلة كلها.. ثم تصبحين بعيدة !
* * *
ماذا أفعل في جبل عمان صباح كل يوم؟
تمر قطة بحقيبة كتف وماكياج خفيف يتلاءم وثقل هذا الصباح.. تقطع الدوار الثالث بثقة من دون أن تربكها شاحنات الأمانة وحاويات القمامة..
تمر فتاة تأنقت أكثر مما يجب كأنها متجهة إلى احتفال.. تتلفت يمنة ويسرة لعلها تقع في الفخ.. مهلا طفلتي.. أنا الاحتفال الوحيد الذي يقام صباحا، وأنا الفخ الوحيد المنصوب على الدوار الثالث وشباكي فارغة.. نظيفة من الأهداف.. وأنا حزين كدالية بيتنا لأن سائحا أجنبيا غافلنا والتقط لها صورة قبل خمسة أعوام.
تمر السيارات بلا توقف.. وتمر في البال «خمارة» تحجبت حديثا لشح زبائنها..
ها أنا أمامها.. أدخل وأحيي الرجل الذي تأهب حالما رآني..
 - تفضّل سيدي.. كيف أخدمك؟
- ماذا يفعل رجل وحيد في جبل عمان صباح كل يوم؟!

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress