- -

رحلة كفاح وإنجازات إنسانية... زيد حمزة .. الوزير والطبيب المثقف

رحلة كفاح وإنجازات إنسانية... زيد حمزة .. الوزير والطبيب المثقف

وليد سليمان - وزير صحة سابق .. ما زال بعمره الجميل الثمانين أنيق الملبس والكلام ،مثقف في أمور الحياة من طبابة وسياسة وفنون شتى ... رائع في مقالاته الصحفية الاسبوعية لايمكنك تجاهلها ..إنه صحفي محترف .. ويحدثك في مواضيع الادب والفنون مثله مثل نقاد الفن .. ولاننسى أنه وهو صغير في السن غنى امام الحضور على مسرح دار سينما البتراء القديمة ربما في اربعينات او خمسينات القرن الماضي ..ومارس الرسم أيضاً .تعرفت عليه قليلاً كطبيب عند رجوعي نهائياً من احدى دول الخليج لمعالجة إحدى أذني المصابة ؟! عالجني على عدة فترات مستهجناً هذا الاهمال غير المقصود مني !! وذلك في بداية ثمانينات القرن الماضي بعيادته المقابلة لمطعم جبري والقدس .. وزاملته بعض الوقت كعضو في النادي السينمائي الاردني بعد ذلك ، لقد كان مثقفاً عضوياً له باع طويل في الحياة والمجتمع الاردني الذي ما بخل في خدمته ابداً .وفي كتاب مذكراته والذي حصلت عليه مؤخراً قرأته بشغف لأن المؤلف كان متواضعاُ جداً وصادقاً بسرد ظروف حياته وأسرته كذلك التي كانت تتراوح بين الشدة والرخاء في مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والحياة السياسية ،والطبية التي كافح بجد حتى ينشر المراكز الصحية المتخصصة لكل أبناء الشعب في الاردن .وما أردت التركيز عليه في عرض بعض أجزاء من سيرة هذه الشخصية الاردنية المؤثرة من خلال كتابه هو ما ورد على لسانه من ذكريات خلال عيشه في مدينة عمان بالذات ، فنقرأ له مثلاً ما يلي :السكن في اللويبدة« وبعد شهور ثلاثة انتقلنا إلى عمان حيث كان المستقر بعد الجولة الطويلة السابقة , ونزلنا في بيت جدي لأمي الذي كان قد تقاعد في إربد , وجاء للسكن في عمان , واستأجر بيتاً يمتلكه شركسي في طريق وادي السير قرب جامع الشركس بجانب بيوت عائلة شقم حيث حاجي طارو الشيخ المسن القوي البنية الذي لم يكن يتخلى عن لباسه الشركسي القديم , وكنا نخشى عصاه وهو يهش بها على غنمه صاعداً من أجل الكلأ في أعالي جبل اللويبدة .هنا بدأت مرحلة جديدة في حياتنا , إذ عرفنا الجريدة اليومية ( الدفاع وفلسطين ) وما زلت أذكر خبر وفاة الملك غازي في العراق العام 1939 وصورة سيارته المصطدمة بعمود الهاتف ( التلفون ) , وأخبار الحرب العالمية الثانية , وبخاصة اجتياح الجيش الألماني لفرنسا في 14 يوماً ...وعرفنا ( الغرامافون ) والأسطوانات وأغاني أم كلثوم وأسمهان وفريد الاطرش وعبد الوهاب , أما جهاز الراديو فلم يدخل بيتنا إلا في العام 1942 أما قبل ذلك فنادراً ما كان يسمح لنا بالاستماع لبرنامج الأطفال ( بابا شارو ) في إذاعة مصر , وذلك من راديو الجيران ( بيت نعناعه ) راديو بيت نعناعة أما السينما الناطقة فصرنا نشاهد في سينما البتراء أفلاماً مصرية مثل : دنانير لأم كلثوم ؛ وأولاد الفقراء ليوسف وهبي ؛ إلى جانب أفلام رعاة البقر الأميركية ؛ والخيال العلمي ( فلاش غوردون ) وطرزان ؛ ولوريل وهاردي .والتحقت في عمان بالصف الثالث الابتدائي في المدرسة العسبلية مقابل المدرج الروماني التي استمدت اسمها من اسم صاحبها محمد العسبلي ( حجازي الأصل ممن قدموا مع الأميرعبد الله ) , وكان الديوان الأميري ( المقر ) في مبنى متواضع صغير بجانب المدرسة , وحينما كان يصل سمو الأمير في الصباح بسيارته (الأوبل ) الخضراء يقودها سيف الدين مراد ( وكان لاعب كرة قدم ) كنا نحييه بنشيد ( عاش الأمير ) وهو من تأليف عبد المنعم الرفاعي الذي كان يعمل موظفاً في الديوان ومن تلحين مفتش المعارف عبد القادر التنير ( لبناني ) الذي درب فرقة النشيد بالمدرسة , وكنت أحد أفرادها لتسجيله لإذاعة لندن BBC بواسطة أجهزة كبيرة محملة في سيارة شحن مغلقة كانت تقف في حديقة سجن المحطة .. كان مدير المدرسة بكر صدقي ( مغربي الأصل ) مدارس ومعلمون  ولأن المدرسة كانت بعيدة عن بيتنا الذي استأجره الوالد من كمال نعناعه في جبل اللويبدة ( شارع الخيام الآن ) فقد انتقلنا الى المدرسة العبدلية ( بجانب القيادة القديمة ) في أول طلوع جبل عمان ( ملك صدقي القاسم ) . كان مديرها يوسف الجيوسي وهو كذلك معلم الكشافة والرياضة , ومن المعلمين شركسي اسمه سامي أيوب ( أصبح لاحقاً وزيراً للزراعة في حكومة بهجت التلهوني العام 1967 ) وكان يمازحني بدعوتي « بالبطل « بعد عودتي للمدرسة معافى من جروحي البليغة التي أصبت بها في تظاهرات تأييد ثورة رشيد عالي الكيلاني في بغداد 1941 التي لم أكن أفقه عنها شيئاً , وبقيت حبيس السرير أربعين يوماً ,وقصة التظاهرة أن الطلاب الكبار (!) جاءوا في تظاهرة من المدرسة الثانوية ( الوحيدة في عمان ) ودخلوا صفوفنا عنوة وطلبوا منا الالتحاق بهم , وهم يهتفون يعيش رشيد عالي الكيلاني ويعيش أبو علي ( وكانوا يقصدون هتلر ) ويسقط الاستعمار البريطاني , ويسقط وعد بلفور , وتعيش فلسطين عربية ! .. استمرت التظاهرة بأعدادها الغفيرة التي كانت تتزايد مع انضمام مواطنين آخرين لها متجهة الى قصر رغدان , وما أن وصلنا هناك إذا بالأمير عبدالله يتوجه الينا غاضباً كيف لا والمظاهرة تؤيد ثورة ضد أقاربه , وكان الحرس من حوله يصيحون بنا ويطردوننا , وقد شاهدت الأمير عبدالإله واقفاً في إحدى شرفات القصر , وفي دقائق كانت الجموع تتدافع متراجعة الى سفح الجبل في فوضى عارمة , وأفلتت يدي ( كان عمري 9 سنين ) من يد أخي الأكبر زهير , وسقطت على الأرض , وأحسست للحظات أنني سأموت تحت أقدام الهاربين , لكن أخي عاد والتقطني , ورحنا نعدو ونقفز هابطين إلى الوادي , وأخذني الى بيت عائلة صديقة ضمدت لي جراحي ثم نقلت الى البيت محمولاً ؛ لأني لم أعد أسطع الحركة بسبب الإصابة في ركبتي .في الصف الرابع بدأ ميلي للكتابة , وكان المعلم الشركسي اسمه مولود يثني على ما أكتب من مواضيع في درس ( الإنشاء ) .. كان معنا في الصف طالب شركسي اسمه حلمي حميد , خطه جميل وكان يبهرنا بقدراته على الرسم بقلم الرصاص أو الفحم , وقد تأثرت به في محاولة إجادة الخط بأنواعه الرقعة والنسخ والفارسي , وبعد ذلك ترك المدرسة وتفرغ للعمل كخطاط آرمات وإعلانات , وهي مهنة كان يمارسها في عمان ثلاثة هم : أنطون باسيل وكرد علي وأردكاني والأخير إيراني الأصل جاء من حيفا , وكان ابنه توفيق أحد أصدقائي في المدرسة , وقد أطلعني على تاريخ الديانة البهائية ونشأتها .شارع وادي السيروكانت بيوت عمان معظمها مبنياً من الطين وبعضها الآخر من الحجر أو من قوالب الطوب الإسمنتي . وكان الشركس الذين يسكنون في طريق وادي السير ( شارع الأمير محمد الآن ) يستخدمون عربات القش التي تجرها الثيران , وكنا نراها من جبل اللويبدة تنقل أكياس القمح والشعير أو التبن صاعدة أو هابطة على طريق ترابي وعر ضيق إلى ما يعرف الآن بالدوار الثالث في الطريق الى قرية وادي السير وبيادرها .بالإضافة للقوات الجوية البريطانية في مطار ماركا كانت هناك بعض القوات البرية معسكرة في موقعين بجبل اللويبدة , كما أقامت في عمان لفترات قصيرة قوات أسترالية , وكذلك سنغالية تابعة للقوات الفرنسية في سورية . وفي الشتاءً كانت مياه الأمطار تنحدر من الجبال لتتجمع في أودية عمان سيولاً تصب في السيل الكبير القادم من ينابيع عين غزال والمتجه إلى الرصيفه فوادي الزرقاء , وكان أحدهما تتدفق مياهه في أحد جانبي طريق السلط وتمر أمام بيتنا 0 قرب وزارة المالية حالياً ) وكان علينا لكي نصل الشارع أن نعبر جسراً خشبياً بدائياً صغيراً متهالكاً طالما هددنا بسقوطه في المياه ! .لم يكن في عمان سوى ثلاث مدارس ابتدائية حكومية حتى الصف الخامس , تحدثت عن اثنتين هما : العسبلية والعبدلية , أما الثالثه فهي الهاشمية في جبل اللويبدة ( ملك محمد على العجلوني / جناح فراس الآن ) وكان على الطلاب أن ينتقلوا بعد ذلك الى المدرسة الثانوية الوحيدة قرب المسجد الحسيني الكبير ( ملك وصفي ميرزا ) وكان اسمها قبل ذلك ( التجهيز )— وعلى ما أظن كانت مكان سوق اليمنية الآن -- وفيها صفوف السادس والسابع ثم الثانوي الأول والثانوي الثاني , وعلى من يكملها أن يتوجه الى مدرسة السلط ليدرس الثالث والرابع الثانوي وعندها يتقدم لامتحان ( المترك ) لكن الذي حدث أيامنا وعند انتهائنا من الثانوي الثاني في عمان 1946 أن وزارة المعارف أضافت لنا صفاً للثانوي الثالث وفي السنة التالية الثانوي الرابع وهكذا كفتنا مؤونة الانتقال الى السلط والعيش فيها للدراسة , كما فعل كل الجيل الذي قبلنا , وأظن أن الشيء نفسه حدث لمدرستي إربد والكرك الثانويتين .أنا واقف وهو جالسمن المعلمين الذين أثروا عليّ في اللغة العربية : محمود سيف الدين الإيراني ؛ وناصر الدين الأسد ( بعد ذلك بأربعين عاماً تزاملنا في مجلس الوزراء , فكان يقول ضاحكاً : كنا في المدرسة معاً , أنا واقف وهو جالس ! وفي الأدب العربي عوض الرويلي , أما حمد الفرحان الذي كان يبعث فينا الروح الوطنية من خلال درس المدنية ونشيد « نحن الشباب لنا الغد « فكان ينتقد الحكومة بصراحة , وكانت إدارته للمدرسة حازمة وناجحة , أما أسلوبه في التربية فكان قاسياً يعتمد الصفعات الشديدة , وقد نلت منها واحدة بسبب ذنب اقترفه سواي ! أما غالب الصناع فكان يعاملنا باحترام ؛ أي بطريقة مختلفة عن بقية زملائه , ولقد ترك فينا أثراً مختلفاً أثناء حفلة وداعنا بعد تخرجنا في المدرسة , إذ كان الوحيد الذي أوصانا في كلمته بأن يكون لكل منا مبدأ في هذه الحياه .ولقلة عدد المؤهلين للتعليم كان المعلم يُدرّس أي موضوع , فزاهي الشاعر كان معلم الإنجليزي والزراعة والرياضة والكشافه حتى جاء مشهور قناش فاستلم الرياضة , أما معلم التاريخ حسيب الخطيب ( لبناني ) فلم يستطيع أن يجعلنا نحب هذا الدرس , وعلي سيدو كان يستعمل الضرب بكثرة , ويعقوب هاشم كان التدريس يرهقه مع أنه عبقري في الرياضيات ( الحساب خصوصاً ) ورغم أنه شقيق رئيس الوزراء إبراهيم هاشم فقد كان فقير الحال يسكن في حي المصاروه , ومحمد علي المجايري ( مصري الأصل ) كان يدرسنا اللغة الإنجليزيه بلهجة مصرية .المجلات المصريةكان محمود سيف الدين الإيراني ( القاص المعروف الذي ذكر لنا أنه بدأ الكتابة الأدبية في صحف حيفا قبل انتقاله للعمل في عمان ) مهتماً بمكتبة المدرسة , وطلب مني أن أتولى الإشراف عليها وشراء الصحف والمجلات ( ومعظمها مصرية ) لتوسيع ثقافة الطلاب العامة , وكان يكتب في إحداها أحياناً بعض القصص , وهناك بدأ اهتمامي بالكتابة الصحفية , أعجبت بأسلوب محمد التابعي في مجلة « آخر ساعة « وإحسان عبد القدوس في مجلة « روز اليوسف « أما مجلتنا « المصور « و « الاثنين « اللتان كانتا تصدران عن دار الهلال فلم تعجباني , الأولى كان فكري أباظه رئيساً لتحريرها , وكان مصطفى أمين يحرر الثانية قبل أن يصدر مع أخيه علي أمين صحيفتهما الخاصة ( أخبار اليوم ) التي قيل في حينها إن أميركا مولتها ! . الرياضة في المدرسة , وبسبب تكاليفها , كانت محدوده إلا من كرة السلة التي مارسناها قليلاً في ملعب غير معبد خشن مليء بالحصى . ومن أبرز اللاعبين كان برهان حاغوج , أما عبدالله بهاء الدين ( من الزرقاء ) فقد أصبح حارس مرمى كرة قدم وضابطاً في الجيش , واستشهد في فلسطين , ومن ناحيتي كنت أجيد كرة الطاولة التي كان بطلها إبراهيم جنكات , أما وليد الدرة فقد انصرف للرياضة الفردية ( الجمباز ورفع الأثقال ) .المطرب الوحيدكنت أحد أعضاء فرقة النشيد , وكان معلم الكشافة زاهي الشاعر فخوراً بنا , وكان يعتبر صوتي أفضل الأصوات حتى إنه يوم تتويج الملك عبدالله بن الحسين ( 25 أيار 1946 ) وفي حفل غداء كبير أقامته الحكومة لهذه المناسبة في مقهى المنشية القريب من المدرسة الثانوية أصعدني على إحدى الطاولات لأغني منفرداً ( العندليب ينادي ) وفي الحفل الكبير الذي أقامته بلدية عمان , وكان رئيسها رأفت الدجاني في سينما البترا كنت « المطرب الأردني « الوحيد أمام الجمهور الكبير , وذلك على المسرح نفسه الذي عرض في الثلاثينيات مسرحيات ليوسف وهبي وأمينة رزق , وروي لنا أن الأمير ذات مرة حضر شخصياً مسرحية لنجيب الريحاني , ومن الفرق الاستعراضية التي شاهدتها في الأربعينيات فرقة المطرب سهام رفقي , وأشهر أغانيها « يا أم العباية « وكان معروفاً آنذاك أنها أذابت كثيراً من القلوب , وأفرغت كثيراً من الجيوب ! .. وحين كانت وزارة المالية في الأربعينيات في مبنى البشارات وسط البلد ( ساحة فيصل ) كان فيها مستشار إنجليزي أذكره وأذكر وجهه الأحمر وهو يلبس الطربوش , وكان يدقق كل شيء ؛ لأن المعونة المالية كانت بريطانية , وقد روى والدي أنه ذات يوم اعترض على فاتورة أحضرها محمد الظباطي , محاسب الديوان الأميري , تحتوي على قائمة المشتريات لطعام إفطار رمضاني في قصر رغدان ؛ لأن فيها نوعين من الفواكه ( عنب و بطيخ ) وأصر على شطب أحدهما .أجمل عمارة في عمان حين جئنا الى عمان العام 1939 دهمتنا الحرب العالمية الثانية , وبدأت الأسعار ترتفع والمواد الغذائية تشح حتى اضطرت الحكومة لإصدار بطاقات تموين لبيع حصص من الزيت والرز والسكر ومن ثم الخبز ( أو الطحين كي يعجن ويخبز في الفرن ) بأسعار مدعومة .أول عمارة جميلة من الحجر في عمان كانت عمارة البريد وسط البلد , وهي مازالت قائمة , وليتها تتحول الى متحف بريدي مع الإبقاء على طابعها الخارجي , أما الثانية فكانت عمارة دائرة الأراضي في اللويبدة , وأخيراً مبنى الصحه في طريق السلط الذي استخدم عيادة ثم حوى بعض الأسرة كمستشفى جراحي ثم ولادة وعيون وأذن وحنجرة , وأصبح آخر الأمر مركز إسعاف قبل أن يشتريه ( البنك المركزي ) العام 1983 ويهدمه ويقيم مكانه عمارة تابعة له .أما البيوت الخاصة الفاخرة فكانت نادرة إلا بعد أن بنى إسماعيل البلبيسي قصره في جبل عمان العام 1948 استجابة لطلب الملك عبدالله ليستقبل فيه كبار ضيوف الأردن . وقبل ذلك بني واصف البشارات قصره في اللويبدة العام 1937 .الحرب العالمية الثانيةازدادت الأحوال أثناء الحرب عسراً , وراتب والدي لم يعد يكفي العائلة التي كبرت وازداددت المعاناة حد التقشف , وأحياناً لم يكن يحصل الواحد منا في وجبة كالعشاء إلا على ربع رغيف , ونتقاسم قطعة الجبن الصغيرة , ونغمس الزيت ( زيت التموين الرديء ) بالزعتر , ونشرب الشاي « الخفيف « المحلى بالسكر الأحمر ( وهو بني لأنه غير مكرر ) , وصرنا نشتري ملابس مستعمله من ( البالات ) , وكان لا بد من الاقتراض , ولا أدري كيف استطاع والدي أن يقاوم إغراء « الفساد « رغم حاجته الشديدة ورغم وظيفته الهامة الحساسة , إذ شغل موقع مساعد مدير الخزينة للواردات . لذلك لم يستطع أخي الأكبر زهير إكمال تعليمه الثانوي بالذهاب الى السلط بل وجد وظيفة في دائرة التموين وبدأ يساعد والده في الإنفاق على البيت , وبعده اضطر أخي زياد أن يتقدم لفحص المرشحين , ويصبح ضابطاً في الجيش , وكان ذلك العام 1947 وحين حصلت على « المترك « أي الشهادة الثانوية الأردنية آنذاك استطعت بدعم أخوي أن أتوجه لدراسة التوجيهي ومن ثم الجامعة في القاهرة , في حين اضطر أخي الأصغر سهل دخول الجيش أيضاً , وقد بقى والدي يسكن بالأجرة ومات عن 86 عاماً لا يمتلك سوى راتب التقاعد , ويسدد أبناؤه ما تبقى من ديونه ! .. وأذكر هنا كيف أن جدي لأمي ذات يوم سأل والدي بلهجة عربية مكسرة بالتركية : لماذا أنت هكذا مديون وزملاؤك صاروا أغنياء ؟.