جمال الموساوي *
إذا كانت هناك إشكالية بخصوص علاقة المغرب بالمشرق، فهي بالضرورة ليست بسبب كلام على عواهنه أطلقه سعدي يوسف، وهو على عواهنه لأنه غير قائم على أساس نقدي أو بحثي، وبالتالي فهو حكم عابر ولا قيمة له.
الإشكالية الحقيقية، وهي لم تعد قائمة لأسباب عدة، هو أنه في زمن مضى كانت هناك تبعية ثقافية وأدبية للمشرق العربي ممثلا في مراكز معينة هي مصر ولبنان والعراق. تبعية طبيعية نتيجة هيمنة الغالب على المغلوب، وهذا موجود في كل تاريخ البشرية على مر العصور. وعند الحديث عن الغالب والمغلوب، فالمقصود تحديدا، وبالعودة إلى «النبوغ المغربي في الأدب العربي» لعبد الله كنون، أن المغاربة سكنهم اعتقاد راسخ بأن الحياة الأدبية لم تبدأ في هذه الربوع إلا مع بدايات الفتح الإسلامي، وأن «ثورتهم» للمطالبة بمكانٍ لهم تحت الشمس، في الأدب والسلطة، كانت، بحسب كنون، نتيجة ما رأوه «من استبداد العرب بوجوه المنافع واختصاصهم بالمناصب العالية في الدولة»، وتلك سنّة الغالب في المغلوب.
إن هذا النقاش في الوقت الراهن أشبه ما يكون بالجدل البئيس بشأن مَن هو أحق بالخلافة: عليّ أم معاوية! الأمم تنظر إلى الأمام لترسم ملامح الغد، بينما نحن قاعدون ها هنا نشد الأرجل والأيدي والعقول إلى أزمنة علاها الغبار.
يرى عبد الله كنون يرى أن المغاربة لم يبدعوا إلا بعد تلقفهم لما حمله الفاتحون معهم من أسرار صناعة الأدب والعلوم والطب والفقه، وكذلك بعد رحلاتهم إلى الشرق بوصفه «المنبع» للنهل منه والعودة لنشر ما تعلموه، قبل أن ينتبهوا إلى أن هذا الشرق لا ينتبه لهم ولما يبدعون، فاشتعلوا غضباً مطالبين بإنزالهم منزلة تليق بهم. هل تم ذلك أم لا؟ هذا جوهر الإشكالية كله !
في هذا الإطار، إذا أمعنّا النظر في ما شهدته المنطقة التي ننتمي إليها من تحولات عميقة منذ عقود، سنجد أن هذه الإشكالية لم تعد مطروحة. المركز الذي كان مهيمنا لم يعد له السطوة نفسها والتأثير نفسه في النفوس، بسبب ضعف التأثير السياسي الذي كان للدولة الإسلامية الأولى، وتراجُع مد الحركات والتيارات السياسية والفكرية الحديثة المؤمنة أو القائمة أساساً على فكرة الوحدة، زيادة على تحول المشرق العربي ثقافياً إلى مشارق، بالنظر إلى الزخم الذي عرفته وتعرفه مناطق أخرى خصوصاً في الخليج الذي يحتضن حركة ثقافية مهمة إبداعياً وفكرياً، تأليفاً ونشراً. كما تحول المغرب نفسه بـ «اعتراف» المشارقة أنفسهم، إلى بلد منتج ثقافياً بصرف النظر عمّا يقوم به، على المستوى الرسمي، من أجل إشعاع هذا الإنتاج خارجياً.
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال أمر أساسي، هو مصدر غنى للأدب المغربي، من دون اعتبار لحكم الآخر عليه أياً كان هذا الآخر. فالمبدع المغربي هو نسيج متعدد تماماً مثل الإبداع المغربي نفسه، حيث تتعدد اللغات التي يُكتب بها. فسواء عمل هذا المبدع على إحداث قطيعة مع الفكرة الجاهزة المتعلقة بأثر المشرق أو لم يعمل، لا يمكن إغفال الهوية متعددة المكونات للإنسان المغربي، التي تنهل من الجذور الأمازيغية أولاً بما فيها من موروث شفوي معروف ومطموس، ومن تقاليد وأعراف مع ما طال كل ذلك من تنويعات نتيجة الاختلاط بالأقوام التي قدمت إلى المغرب في فترات ما قبل التاريخ، ثم المكون العربي والإسلامي لاحقاً في فترة الفتوحات وما بعدها وصولاً إلى المكون الأوربي الذي نال المغاربةَ نصيبٌ منه نتيجة سُنّة الغالب في المغلوب.
هذا التعدد من شأنه وحده أن يشكل علامة فارقة في العلاقة مع المشرق، ويُسقط وهم التبعية الثقافية للشرق كما للغرب. ولننتبه إلى أن هذا الأمر يتحول أحياناً إلى مزايدة، وإلى صراع بين التيارات المحافظة والحداثية في المجتمع. تلك ترى في التبعية للشرق تقويضاً لتبعية للغرب، وهذه تعكس الآية.
تأسيسا على ما سبق؛ إن العلاقة بين المشرق والمغرب، ليست إشكالية في حد ذاتها، وإن رأياً غير قائم على أسس تعضده يظل غير ذي أهمية. أكثر من ذلك، فقد ساهمت تكنولوجيا الاتصالات في تحويل هذه العلاقة إلى نوع من التواصل المستمر بين المبدعين هناك وهنا، بما يتيحه هذا التواصل من تبادل ونقاش مفيدين ومغْنِيَيْن. وإذا حدث أن كان هناك من يتحدث في الوقت الراهن عن تبعية ثقافية ما، فإنها تبعية فردية أولاً وأخيراً ابتغاء تحصيل منافع صغيرة!
* كاتب من المغرب