قد تكون الصدفة وحدها هي التي حكمت تزامن زيارة رئيس الاستخبارات الحربية الروسية الجنرال فيسكلاف كوندراسكو الى القاهرة قبل يومين, مع بدء جلسات استماع لجنة الشؤون الخارجية في الكونغرس الاميركي لمسؤولين في وزارات الخارجية والدفاع والاستخبارات الاميركية, حول «الخطوات القادمة بشأن مصر» التي تنوي ادارة اوباما اتخاذها..
لكن ذلك لا ينفي وجود توتر في العلاقات المصرية الاميركية, والتي لا يمكن للتصريحات المخففة أو تلك المنافقة ان تُلغي مروحة الخيارات المفتوحة أمام القاهرة للرد على هذه الغطرسة الاميركية, التي ذهبت بعيداً في «معاقبة» السلطة الانتقالية الجديدة - التي جاءت بعد ثورة 30 حزيران الماضي وخصوصاً بعد عزل الرئيس الاخواني محمد مرسي وتعليق العمل بالدستور, الذي فصّله «الاخوان» على قياسهم - وتحديدا في ما خص قطع المعونات العسكرية عن مصر, والتي هي في الاساس لم تكن مِنّة من الادارة الاميركية، بقدر ما هي «رشوة» تم دفعها لانور السادات، بعد ان وقّع معاهدة كامب ديفيد وأخرج مصر «رسمياً» من المشهد العربي وانخرط في «تحالف» استراتيجي مع الامبريالية الاميركية, ولكن مع موقع التابع وليس الشريك, كما هي حال اسرائيل في عهد مناحيم بيغن، شريك السادات في السلام المزعوم, وكماهي حال اسرائيل على الدوام كشريكة و»نِدّ» للولايات المتحدة في ملفات وقضايا عديدة, والتي نالت بموجبها اسرائيل معونة سنوية ما تزال قائمة حتى اللحظة تتجاوز ثلاثة مليارات دولار, فضلاً عن المساعدات الفورية والتعويضات التي تلقتها جراء انسحابها من سيناء وفقدانها (...) للقواعد العسكرية والمطارات (المصرية) التي تستخدمها في صحراء سيناء وقيام واشنطن بتمويل اضخم قاعدة جوية اسرائيلية في النقب وصلت كلفتها (وقتذاك، أي نهاية سبعينات القرن الماضي» الى ثلاثة مليارات دولار).
ما علينا..
مصر الجديدة ...لا تُبدي ذعراً من الاجراءات «العقابية» التي اقرتها ادارة اوباما او لوحت باتخاذها لاحقاً، الامر الذي بدا وكأن الضربة التي ارادت واشنطن تسديدها للقاهرة قد ارتدّت عليها ولم تستغرق الاخيرة وقتاً طويلاً للرد بكرامة وكبرياء وطني واضحين لم يكن نظام حسني مبارك يتمتع بأدنى حدودها عندما كانت تصفعه الادارات الاميركية المتعاقبة حتى من باب تجميد بعض الاموال لصالح منظمات حقوقية مصرية واخرى لها علاقة بمؤسسات المجتمع المدني، حيث يوعز لابواقه بانتقاد القرار الاميركي على نحو خجول ومرتبك ثم لا يلبث ان يصمت فتعود صورة السيد والعبد الى سابق عهدها.
مصر الجديدة .. قللّت من اهمية القرار الاميركي بقطع المعونة العسكرية واعادة النظر برزمة المساعدات، وألمَحث الى «الخطر» الذي باتت عليه معاهدة «السلام» بين القاهرة وتل ابيب، بما ان المساعدات مرتبطة اصلا بمواصلة «التزام» المعاهدة، ثم قالت إن الخيارات مفتوحة امامها لاعادة «تنويع» مصادر سلاحها وخصوصا من روسيا حيث ما تزال فرق عسكرية مصرية تتسلح بمعدات واسلحة سوفياتية.
ولأن القاهرة تواجه الكثير من التحديات والمخاطر والعنف التي ما تزال جماعة الاخوان المسلمين تعمل على وضع السلطة الانتقالية امامها بكل ما يحمله ذلك من احتمالات الانزلاق الى ما يشبه الحرب الاهلية، فإن العلاقات المصرية الاميركية تبدو وكأنها عادت الى صدارة جدول الاعمال الاميركي بعد ان ادركت واشنطن عقم (اقرأ تفاهة) تهديداتها لمصر، حيث لم يعد الاستقطاب الدولي يتم على اسس ايديولوجية كما كانت الحال ايام عصر القطبين السوفياتي والاميركي وكان العمل يجري بينهما على ضم المزيد من الدول والمنظمات والتنظيمات الى معسكرهما، في لعبة محمومة ومحفوفة بالمخاطر لكنها محسوبة وغير مسموح لاحدهما بايصالها الى حافة الهاوية، نظراً للأكلاف الباهظة المترتبة على وضع كارثي كهذا..
اختلفت الصورة الآن ولم تعد واشنطن قادرة على الاستمرار في قيادة العالم منفردة بعد ان بدا عليها الارهاق جراء الاستنزاف الخطير والشديد في مواردها وقدراتها العسكرية واقتصادها وخصوصاً في نفوذها ومكانتها بعد فشل مغامرة المحافظين الجدد في العراق وافغانستان وبعد الأزمة الاقتصادية والمالية التي عصفت بها ولمّا تبرأ بعد من استحقاقاتها..
واذا ما اخذنا في الاعتبار – بل من الضروري اخذه – تداعيات الأزمة السورية وبروز العجز الاميركي على مواصلة نهج الغطرسة والاملاء والتلويح بالترسانة العسكرية الاميركية المهولة، فاننا لنا نذهب الى مربع المغامرة اذا ما قلنا انه من «حظ» القاهرة صدور قرار اميركي ارعن كهذا، (قطع المساعدات العسكرية او تعليقها) ما يحررها من قيود كامب ديفيد «نسبياً» ويمنحها هامش مناورة اوسع لتنويع مصادر اسلحتها وكسر «الاحتكار» الاميركي لتوريدات الجيش المصري العسكري، لأن الخاسر الاول سيكون واشنطن.
التقارب المصري الروسي وارد ومتسارع، حتى لو صدّقنا قول وزير الخارجية المصري نبيل فهمي بأنه «ليس موجهاً» ضد الولايات المتحدة الاميركية.
[email protected]