- -

كارل ميرسمان .. نكهة الكارتون البلجيكي

كارل ميرسمان .. نكهة الكارتون البلجيكي

تعد بروكسل عاصمة الكاريكاتير العالمية، فالفن البلجيكي في رسوم الكارتون سواء للمجلات أو الأفلام، والصحف أيضا، يحظى باحترام كبير في المجتمع، ويعتبره البعض أحد معالم التراث البلجيكي، ويمكن أن تعتبر شخصية تان تان التي قدمها جورج هيرجيه في الثلاثينات أحد معالم مدينة بروكسل، إلا أن ما يحول دون وصول الكرتون البلجيكي إلى العالم بنفس الطريقة التي حدثت مع تان تان هي الإغراق في محليته، وإذا تمددت موضوعاته فإنها تتناول قضايا أوروبية بحتة، وأمام عراقة فن الكاريكاتير في بلجيكا فإنه من الطبيعي أن يكون أحد كبار الرسامين المعاصرين في بلجيكا كارل ميرسمان منتميا لأسرة فنية بدأها جده الذي كان رساما، وأبويه كذلك، وكاد ذلك أن يوقعه في بداية متعثرة لحياته الفنية، ففي الثالثة عشر من عمره اشترك في مسابقة متخصصة للرسم، ولكن لجنة التحكيم رفضت أن تتعامل مع رسوماته بجدية للحصول على الجائزة، وبعد احتجاج والده منحته واصراره أن يثبت أن كارل هو الرسام الحقيقي وليس أحد آخر، تمكن الطفل من إعادة رسم نفس اللوحة مرة ثانية أمام اللجنة ليحصل على جائزة مالية كبيرة.  خرج ميرسمان من سلك التعليم التقليدي ليبدأ في دراسة الفنون بصورة مستقلة في الدعاية وصناعة المطبوعات ورسم الشخصيات، وبدأ في العمل الفني بصورة مكثفة في مرحلة شبابه، وانتقل من الرسم للدعاية والإعلان إلى الصحافة حيث عمل رساما للكاريكاتير السياسي، ومن ثم بدأ يهتم بالموضوعات الاقتصادية والاجتماعية، وبجانب ذلك العمل على الرسم للأطفال، وكانت انطلاقته خارج الحدود البلجيكية على المستوى الفني عندما بدأت أعماله تلقى الاهتمام والرواج في الولايات المتحدة في العقد الأخير، حيث أنها تميزت بنفس مختلف عن رسامي الكاريكاتير التقليديين، وتميل إلى الحداثة في شكلها ومضمونها، بحيث لا يصبح الموقف هو العامل الأساسي في رسم الكاريكاتير أو حتى المفارقة، ويغيب ذلك وراء تقنية تعتمد على تحديث الخطوط والألوان، فهو يرسم توني بلير في زي تشرشل ليضع المشاهد أمام المفارقة في اتساع الأخير مقارنة بمحدودية الأول، ويرسم ساركوزي منشغلا بكليته بكارلا بروني، وهو لا يضع الموقف السياسي في الصدارة، وإنما يجعله محصلة للشخصية والنموذج الذي تحاول أن تتقلده في ممارستها وحياتها، وكذلك مع العديد من الشخصيات التي تحولت رسوماته لها بوصفها علامات لصيقة ومميزة، وتبقى المشكلة التي تتعلق بميرسمان، وغيره من الرسامين البلجيكيين، وحتى رسامي القارة الأوروبية باستثناء الفرنسيين والألمان التي تلعب بلديهما دورا عالميا كبير، أنها متعلقة بالشأن المحلي، بل ومغرقة فيه، وهو ما يجعلها بعيدة عن التذوق بصورة واسعة عالميا. عـــن الشعـــر أن يكتب الشعراء عن تجربتهم فهذه مسألة ليست معتادة، ولكنها على الأقل مألوفة، أما أن يكتب الشاعر عن الشعر بشكل عام، أن يحاول ممارسة الوعي على تخوم هذه الأيقونة الإنسانية الغامضة، فهذه مسألة غير شائعة، وإن كانت توجد أسبقيات للتعامل مع الشعر فإن أيا منها لم يعمل على تعريته من مجموعة من الأوهام التي تحيطه، وتصنع هالته، مثل الشاعر العراقي الكبير حميد سعيد في كتابه الصادر حديثا عن دار أزمنة في عمان، وهو بذلك لا يقدم اعتذارا عما فعل، ولا يتوجه للشعر بتعليقه هدفا للرماية، ولا يسعى بالتأكيد إلى لفت الانتباه، أو مهاجمة الوسط الثقافي والأدبي، ولكنه يتعامل مع الشعر مثل عاشق الكنوز التراثية التي يجد أحدها مدفونا في الأرض فتمتد له يده لتزيح عنه الغبار والتراب بعناية قبل أن يرفعه في مواجهة الشمس متأملا ومتولها بجماله الاستثنائي، وهو كذلك في كتابه، في جميع فصوله التي تمثل أفكارا عامة يمكن التوسع في طرحها ومعالجتها بحيث يشكل كل منها مبحثا مستقلا قابلا لنقاش واسع وجدل مطول. في كتابه يطرح سعيد جانبا فكرة شعبية الشعر، ويرى أن الشعر نخبوي بطبيعته، وأن كثيرا من القصائد التي لقيت ذيوعا وشهرة بين الناس لا تنتمي أساسا إلى الشعر الرفيع، ومعظمها هجائيات أو قصائد حماسية ومباشرة، والشعر له جمهوره الخاص، ويمكن أن يوجد شاعر بدون جمهور، وأن هذه الحفنة من الشعراء ظهرت أيضا لتؤكد بصورة غير صحيحة تغيب الجمهور الشعري أمام ما تقدمه من تجارب لا ترقى للشعر الحقيقي على الإطلاق، فجمهور الشعر محدود تاريخيا، والحصول على مكانة وحظوة لديه مسألة تتطلب مشروعا شعريا ناضجا ومتميزا، ويرفض سعيد مقولة موت الشعر، ويرى أنها غير صحيحة، وليست في مكانها، وأن الشعر دلالة على استمرارية الحياة الإنسانية وتدفقها، وفيما ينتقده سعيد أيضا، الصورة الذهنية التي علقت بالشاعر بوصفه كائنا بوهيميا، متصعلكا ومتطفلا، ويرى أن الشعراء العرب تعلقوا بهذه الصورة متأثرين ببودلير ورامبو، بينما صورا أهملوا صورا  أخرى عن الشاعر مثل ريلكه وناظم حكمت وإليوت وباوند، وجميعها كانت نموذجا للحياة المنضبطة والمنظمة، بما ينفي التشاكل بين صورة الشاعر وإنتاجه، وفي موقع آخر، يكشف سعيد مجموعة من المفارقات التي تحيط بالترجمة الشعرية وعالمها، وكيفية التعدي عليها الذي يجري سواء من المترجمين المختصين ممن لا يمتلكون ذائقة شعرية، أو الشعراء الذين لا يتقنون اللغة التي يترجمون عنها ويحاولون إعادة النص في صورة شعرية فقط دون أن يمتلكوه كاملا، وينقل سعيد في بعض من مكاشفاته شكوى أحد المستشرقين الأسبان من ترجمة أشعار لوركا بصورة سيئة إلى العربية، وصمته عن ذلك لتحمسه إلى مواطنه الشاعر الكبير وأثره الواسع في العربية.