تحقيق - ندى شحادة - «قبل ثلاث سنوات، أمسكت الهاتف بيدين مرتعشتين، اتصلت بزوج أختها الطبيب، ليفسر لها ما يحدث لجسدها من تغيرات».فاطمة سردت له ما يحصل معها من وجود اختلافات في الحجم بين ثدييها،فالأيسر بدا متورما وأكبر من الأيمن، كما أخبرته بخروج دم من الحلمة وظهور انكماشات فيها، فطلب منها عمل الفحص الشعاعي للثدي «الموموجرام».وبعد أيام أظهرت نتيجة الفحص اصابتها بسرطان الثدي «الخبيث»، فراجعت زوج اختها الطبيب في عيادته، وقد بدا عليها علامات التعب والارهاق والخوف وتردت حالتها النفسية.كان سؤالها في ذلك الوقت متى سأموت ؟ فقد علمت بعد نتيجة الفحص وسحب خزعة من الكتله بأن الورم خبيث وقد وصل الى مرحلة متقدمة واصاب الغدد الليمفاوية».أصبحت فاطمة بعد ان بدأت في العلاج طريحة الفراش، فقد تعرضت لاستئصال ثديها بالكامل ومن ثم للعلاج الكيمائي والاشعة،ما جعل منها جثة هامدة لا تقوى على الحراك حتى لقضاء حاجاتها الشخصية.هكذا تصف «كاتبة التحقيق» حال فاطمة التي تربطها بها علاقة قربى، فقد رافقتها طيلة رحلة المرض والى ان لفظت انفاسها الاخيرة بعدعام من المعاناة. اكتشاف المرض في مراحله الأولى سبب رئيس للشفاء منه، وهو بعكس ما حدث مع «فاطمة» التي اكتشفت المرض وهو في مراحل متقدمة ما أدى إلى وفاتها.وبحسب «كاتبة التحقيق» فإن: «الاطباء اعتبروا وفاة فاطمة عائد لاكتشافها المرض متأخرا، فقد وصل الى الغدد الليمفاوية ومن ثم الدماغ فدخلت في غيبوبة الى ان فارقت الحياة وأدركتها المنية».حال فاطمة لا يختلف عن حال كثير من السيدات اللواتي اصابهن الورم ولم يتنبهن له في اجسادهن الا بعد وصوله مراحل متقدمة سواء أكن متعلمات أوغير متعلمات صغيرات وكبيرات.يعرّف المدير الطبي ورئيس قسم الاورام في مركز الحسين للسرطان الدكتور حكمت عبد الرازق سرطان الثدي بأنه «مرض تنقسم فيه خلايا انسجة الثدي وتنمو دون الخضوع لانظمة التحكم الطبيعية في الجسم». ويشير الى انه «يصيب الاناث والذكور لكن اصابته للإناث تكون بنسبة أكبر».وتشير أخر إحصائيات متوفرة لدى السجل الوطني للسرطان بأنه «تسجل 978 حالة بين الاناث في عام 2009 مقابل 941 حالة في عام 2010».وبحسب مدير الأمراض غير السارية في وزارة الصحة الدكتور أحمد الطراونة فإن «التقرير السنوي الأخير لدى الوزارة يشير إلى شفاء 375 سيدة بنسبة 90% فما فوق، بينما كانت حصيلة الوفيات 207 حالات بينها 85 حالة بسبب التشخيص المتأخر للمرض، فيما لا تزال باقي الحالات قيد العلاج».وتبين رئيسة وحدة الكشف المبكر في مركز الحسين للسرطان الدكتورة يسار قتيبة بأن «سرطان الثدي يشكل ما نسبته 19,6 من أنواع السرطانات المتعددة، وهي الأعلى بين الأنواع التي تصيب النساء.وتذكر بأن 52 % من تلك الحالات اصابت الفئة العمرية ما بين 40-59 في حين وصلت النسبة الى 48 % للنساء اللواتي أقل من عمر أربعين وأكبر من تسعة وخمسين.سر النجاةيعد الفحص الدوري للثدي بهدف الكشف المبكر عن السرطان من أهم الاسباب المؤدية للشفاء التام منه اذا كان في مراحله الاولى حيث يمكن استئصاله إذا كان في مراحله الأولى وفقا للاخصائيين.وتقول مها (اسم مستعار) «انا ارملة لدي ثلاث بنات،، وقبل معرفتي بأنني مصابة بسرطان الثدي لاحظت وجود كتل صغيرة داخل احدى ثديي،لكنني لم اهتم بالموضوع، لكن الكتلة ما لبثت تكبر شيئا فشيئا حتى باتت واضحة للغاية».وتكمل بعد أن صمتت برهة من الوقت «شعرت وقتها فقط ان الموضوع قد يكون خطيرا، فتوجهت الى طبيبتي فطلبت مني عمل الفحص الشعاعي (الماموجرام) وبعد اعادته الفحص مرتين أخذوا مني خزعة من تلك الكتلة ليتم اجراء فحص مخبري لها».وتتابع «وبعد ثبوت اصابتي رادوني الخوف في كل لحظة، ولم تفارقني الدموع، حتى انني لم أذق طعم النوم حينها، ففي الوقت الذي أيقنت فيه انني مصابة الا انني تمنيت سماع عكس ذلك فنتيجة الفحص نزلت علي كالصاعقة».وبعد صمت خيم على المكان تعود مها بذاكرتها للوراء قائلة «لحظة معرفتي بالاصابة كانت أشد اللحظات قسوة في حياتي، فقد داهمتني اسئلة كثيرة....،من سيربي بناتي بعد موتي ؟وكيف سيواجهن مخاطرالحياة دون أب ولا أم؟فالموت هو مصيري الحتمي، فبالنسبة لي مرض السرطان يعني الموت ولا شيء غير ذلك».وبعد قراءتها العميقة عن المرض ومعرفتها بأنها في المرحلة الثانية منه، تقول «أكدت لي طبيبتي ان نسبة شفائي كبيرة في هذه المرحلة، وبالفعل بدأت رحلة العلاج وتمثلت باسئصال ثديي الايسر، ومن ثم قمت بأخذ جلسات العلاج الكيميائي الذي انهك جسمي وأسقط شعري بالكامل ما ولد لدي شعورا بالنقص والحزن في ذلك الوقت».وتشير مها إلى إنه: «كان بامكانها تجنب جلسات العلاج الكميائي لو أنها زارت الطبيبة في المرحلة الأولى من المرض».احذروا وتوجهواووفقا للأطباء المختصين فإن: «أهمية الكشف المبكر عن السرطان تتمثل في أن نسبة الشفاء ترتفع الى 98% وتمنع الورم السرطاني من الانتشار خارج الثدي،وتكون فترة العلاج أقصر، في حين ان الكشف المتاخر تنخفض فيه نسبة الشفاء الى ما دون 16%، وينتشر الورم الى أعضاء أخرى فتطول فترة العلاج، وتتعرض المصابة الى جلسات أكثر».ويشدد الدكتور «عبد الرازق «على أهمية اجراء الفحص الذاتي الشهري لجميع الفئات العمرية واجراء الفحص السريري مرة كل (1-3)سنوات للأعمار من 20 سنه الى 39 والبدء بالفحص سنويا لمن هم فوق الاربعين عاما».وينبه إلى أنه «يمكن للسرطان أن يعود ثانية لبعض الذين تعافوا منه بنسب قليلة بعد خمس سنوات،وهو ما يحتم على الذين اصيبوا به ضرورة المتابعة لدى الطبيب لمواجهته حال ظهوره مرة اخرى في مراحله المبكرة».وتدعو الدكتورة قتيبة المواطنات الى التوجه للكشف المبكر عن السرطان من خلال الفحص الشعاعي للثدي «الماموجرام «وهو الفحص الامثل لاكتشاف سرطان الثدي مبكرا حيث يعتبر من ادق الوسائل للكشف المبكر عن التغيرات التي قد تطرأ على الثدي وحتى وان كان حجم الورم يقل عن 1سم.وتقول يجب اجراء فحص الاشعة للثدي مرة كل سنة الى سنتين في عمر 40-52سنه وكل سنتين لما هن فوق ال 52سنة.للوراثة دورايمان في أوائل الاربعينات من عمرها تقول»اصيبت أختي بالمرض قبل أن أعرف باصابتي بسنتين،وقد طلب طبيبها من أفراد العائلة بضرورة عمل الفحص الاشعاعي للثدي،الا انني لم أكترث وتجاهلت الموضوع».وتلفت إلى أنها اكتشفت المرض «بالصدفة «فقد رافقت إبنها الى الطبيبة اثر اصابته بوعكة صحية، واخبرت الطبيبة بأنها تعاني منذ عامين من وخزة قوية بين فترة وأخرى، فطلبت منها الطبيبة إجراء فحص «الماموجرام»، وهو ما كشف عن ان الورم كان في مراحله المبكرة فتم استئصاله، قبل اربع سنوات».يبين الدكتور حكمت عبد الرازق ان «العامل الوراثي يشكل ما نسبته 10% من سرطانات الثدي في الاردن وعادة ما تكون المرأة معرضة لسرطان الثدي والمبيض».ويضيف عبد الرازق»يتم الكشف عن العامل الوراثي بفحص الدم الذي يحدد احتمالية ان تكون المرأة وعائلتها حاملة للجين الوراثي المسؤول عن سرطان الثدي،ويمكن التعامل مع هذه الحالات بحرفية كبيرة بمراكز طبية متخصصة كمركز الحسين للسرطان».يصيب الذكورورغم ارتباط مفهوم سرطان الثدي بالاناث الا أن هناك رجال ثبتت اصابتهم بسرطان الثدي.ويقول معين أبو الحلاوة إنه «في عام 1995، أصبت بالمرض وتم استصال ثديي وازالة الغدد الليمفاوية ب(12)جلسة كيماي و(25)جلسة أشعة».وبحسب الاحصاءات فإنه تسجلت ست عشرة حالة بين الرجال لعام 2009 مقابل عشر حالات لعام 2010.ويعزو الدكتور عبد الرازق اصابة الذكور بسرطان الثدي الى وجود خلايا حلبية لديهم لكن بنسبة اقل من الاناث ويذكر بانه يعالج بنفس طريقة علاجه لدى النساء.أهمية الدعم النفسيرصدت «كاتبة التحقيق «من خلال حواراتها مع مصابات بمرض السرطان وناجيات منه بأن المعاملة الحسنة من البيئة المحيطه لها دور مهم في مقاومة المرض والتغلب عليه.تقول أنسام ان» المعاملة الحسنة والدعم النفسي لها من أفراد عائلتها كان لها دور كبير في زيادة اصرارها على المضي في العلاج والتغلب على المرض».وتضيف: «ها انا الان أمامكم تغلبت على مرضي واصبحت سليمة وحتى الان لم يظهر مرة أخرى منذ ست سنوات».ايناس (اسم مستعار ) تلقت معاملة سيئة من زوجها، فقد كانت ردة فعله قاسية حين علم باصابتي بالورم، فقد قال لي عبارة لا تزال تتردد في ذهني، وهي «اياك أن تقولي شيئا للاولاد وترعبيهم».وتشير إلى أن «معاملته لي إزدادت قسوة وغدت أكثر سوءا، الى ان وصل بي المطاف الى طلب الطلاق وحصلت عليه، ولم تبدأ حالتي بالتحسن الا عندما تحسنت أوضاعي النفسية».يوضح نائب رئيس الرعاية النفسية والاجتماعية الدكتور بسام رجائي كمال ان»خبر الاصابة بالسرطان شكل من اشكال الازمة الكبرى التي يمكن ان يمر بها المريض،فالسرطان بشكل عام من الامراض المزمنة التي يوجد لها تأثيرات اجتماعية ونفسية تغير مجرى حياة الانسان».ويبين ان»الانكار وعدم التصديق يخيمان على المريض في الاسبوع الأول من معرفته في الاصابة ومن ثم تصاحبه لحظات الحسرة والحداد والانفعالات الشديدة وتكون مدتها اسبوعان».ويضيف بأنه «يمكن أن يصل المصاب الى مرحلة الاكتئاب الكامل ومن ثم الغضب فيكره نفسه،ويصبح شديد الحساسية في تعامل الاخرين معه،وفي المرحلة الاخيرة يتقبل المرض ويحول مشاعره الى الواقع العملي ويصل الى ضرورة التعايش مع المرض ويرسم مستقبل حياته الجديد».ويقول الدكتور كمال ان «البيئة المحيطة بالمريض تساعده كثيرا في مجابهة المرض وتقبله،فالاستقرار النفسي وقبوله للحياة يزيد من مناعته ومقاومته للمرض وبالتالي تزداد نسبة شفائه».يقول مصدر في البرنامج الاردني لسرطان الثدي بأنه «يوجد قسم للتوعية والتثقيف الصحي الذي يهدف الى خفض نسبة الوفيات من سرطان الثدي، ورفع نسبة السيدات اللاتي يكتشفن السرطان في مراحله المبكرةوذلك تحت مظلة شعار الكشف المبكر ينقذ الحياة».ويوضح ان» ذلك يتم عن طريق التواصل المجتمعي (الزيارات المنزلية)بحيث ناخذ المناطق الاقل حظا بالخدمات كالمخيمات والقرى ونحولهم بشكل مجاني للخضوع للفحص المبكر للسرطان كما تتم التوعيه عن طريق المحاضرات والندوات التوعوية وتاهيل المثقفات وعمل ايام مفتوحة والمشاركة فيها».
الكشف المبكر يهزم «سرطان الثدي» والمتأخر يفتك بالمصابين
12:00 26-9-2013
آخر تعديل :
الخميس