عندما تنجح الامم في اختيار الطريق الذي يرقى بقدرات شعوبها وانسانيتها تتحول الطاقة الكامنة فيها وجلها نابع من ارتقاء الفكر والقدرات الانسانية الخلاقة القادرة بابداعات البشر على تطويع الظروف المحيطة بها للارتقاء بهذه الامم في شتى مناحي الحياة.وعندما تفشل الامم والشعوب تتحول طاقتها باتجاه معاكس لتصبح طاقة تدميرية داخلية تتغذى على سلبيات الواقع وانحطاط الفكر وغلبة شهوة التسلط والمغالبة والانتقام.ويبدو ان القوى السلبية المغامرة بالاديان والاوطان قد جرت امتنا الى حلبة الصراعات الداخلية وبدل ان ترقى الامة بالطاقات الكامنة في شعوبها اذ هي تواجه طاقة سلبية مدمرة لا تبني شيئاً وانما تدمر ما بناه الاولون ولا تبقي في ساحاتها الا الدمار والكراهية والفتنة.قيل في الماضي ان الشرق بقي عبر العصور مَعْبَداً، بينما تحول الغرب الى مصنع، ومعابد الشرق هي التي هدت الانسانية الى الحق والعدل وكرامة الانسان حتى ارتقت به ليكون قبساً من روح الله.نربأ بالدين، ان يحوله المبشرون بالتكفير، والغلو الى وسيلة لتخريج الجهلة في الدين الذين استبدلوا تعاليم الكتب المقدسة والرسل بالبارود واستبدلوا عقيدة السَلم والتمسك بحبل الله بالفرقة بين المذاهب والطوائف والاديان، فغدت امة الاسلام باسرها ضحيتهم، فقد حول غلوهم العالم من حولنا الى اعداء وخصوم يروننا من خلال ارهابهم وغلوهم ومن خلال اغراق بلادنا بالعنف الداخلي.لم ينتشر الاسلام الحق في بلدان العالم بالسيف وحده، فالاسلام استمر قروناً في بلدان لم يخض المسلمون فيها معركة واحدة، فقد استمر بالفكر السمح والقدوة الحسنة وخُلق الرحمة والصدق والعدالة واحترام انسانية الآخرين.ناهض الاسلام من ناصبوه العداء واعتدوا عليه، لكنه سالم من سالموه، وحض على احترم الاديان السماوية وعاش الى جانب المسيحية في مهدها في المشرق بسلام، وحمى اليهود في الاندلس من غلو الاسبان، وواجه حروب الفرنجة ولم يتوقف عند معناها الديني وتجاوزها. فما بال التيارات التكفيرية واهل الغلو يحولون الدين الى طاقة تدميرية، تدمر طاقات شعوبنا وأمنهم ووحدتهم.منذ ان احتل الجهمي الحرم، واستباح الكعبة بالدم والعنف في السبعينات، والتكفيريون ينسلون من تحت عباءة حركة واحدة، يدّعي اصحابها الاعتدال ويتمسكنون حتى يتمكنوا، ثم ينقلبوا على اوطانهم، يربكوها بالتطرف والعنف والغلبة.منه تخرج اساتذة ابن لادن، ومنظرّو القاعدة، التي أوغلت في الدم والقتل العشوائي وكأنهُ عقيدتها ومنها خرجت جماعة التكفير والهجرة، وامثالهم ممن يصفون مساجد المسلمين اليوم، بأنها معابد الجاهلية، لان من يرتادونها ليسوا من محازبيهم، ومريديهم.هكذا، دفعوا بالاسلام وشعوبه، الى العنف والغلو واستسهلوا قتل المسلمين وغيرهم باسم الجهاد ونقلوا الجهاد من مقارعة اعداء الأمة ومحتلي اراضيها، الى جهاد ضد جيوش المسلمين ودولهم، وضد من لا يتفق معهم في المذهب او من يعارض تسلطهم السياسي في الدين، ونرى الفتنة تنتقل الى ديار المسلمين وشعوبهم على ايديهم.ونحن في الاردن، نؤيد ما ذهب اليه مليكنا من رؤية صائبة ودعوة مخلصة للأمة، من ان العنف المذهبي والطائفي مؤامرة على وحدة ولحمة الامة وشعوبها، ومدخل للفتنة في ديار الاسلام، يتذرع به الطائفيون، والتكفيريون لنقل المعركة الى صفوف المسلمين وليس لمواجهة اعدائها.لم يرتو التكفيريون بعد من بحر الدماء الذي اسالوه من شعوب الأمة بحثاً عن امارات وهمية، وحتى تكون حروب المذاهب مراكب الفتنة والفرقة والمدد والعون لأعداء الأمة، بدل ان يكون اختلاف المذاهب ساحات اجتهاد في كيفية تجسير اختلافات المسلمين في تفسير دينهم.انها متاجرة وغلو في كل ما يقوض معاني الدين عدله واعتداله وانسانيته.اجماع الامة في هذا العصر يقوم على التعددية التي يحضر فيها الجميع وليس على الغلبة التي تلغي ادوار كل ما سواها، والديمقراطية كما بيّن جلالة الملك لعلماء الأمة، في منتدى آل البيت ليست غلبة الاكثرية على الأقلية بالارقام، لغرض ازاحتها والغاء دورها او تهميشها، وانما لغرض توفير وضمان دور ومشاركة للأقليات، الى جانب الاكثرية، يطمئنها على حضورها في المشهد الوطني، ودورها في الدفاع عن مصالحها النوعية في اطار مصالح الأمة.
الإسلام تعايش وسماحة وليس غلبة وغلواً
12:00 22-8-2013
آخر تعديل :
الخميس