مندوباً عن الملك ..الأمير غازي يفتتح المؤتمر مندوباً عن الملك ..الأمير غازي يفتتح المؤتمر

الأمير غازي يؤكد على ضرورة حل عقدة موضوع الأكثرية والإجماع

الأمير غازي يؤكد على ضرورة حل عقدة موضوع الأكثرية والإجماع

عمان – محمد الزيود، سرى الضمور وفرح عبنده مندوبا عن جلالة الملك عبدالله الثاني افتتح كبير مستشاري جلالة الملك للشؤون الدينية والثقافية والمبعوث الشخصي لجلالته سمو الأمير غازي بن محمد أعمال المؤتمر السادس عشر لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الاسلامي تحت عنوان «مشروع دولة اسلامية معاصرة قابلة للاستمرار ومستدامة» امس الاثنين ولمدة ثلاثة أيام. ويشارك في المؤتمر نحو مائة عالم من أعضاء المؤسسة يمثلون مؤسسات إسلامية من جميع المذاهب والمدارس والاتجاهات الفكرية الإسلامية من 33 دولة عربية وإسلامية وأجنبية.ويناقش المشاركون 34 بحثاً علمياً تتوزَّع على عدّة محاور تتناول مفاهيم الدولة والحكم والعقد الاجتماعي والمجتمع المدني وحقوق الناس في الفكر الإسلامي وفي الفكر الغربي، والمقارنة والمقاربة فيما بينهما، ومشروع دولة إسلامية حديثة قابلة للاستمرار ومستدامة.وأكد سمو الأمير غازي أن موضوع الأكثرية والإجماع والفرق بينهما لو تم حل عقدته كان يمكن لنا كأمة أن نتجنب نصف مشاكل آخر ثلاثة أعوام، مضيفا أن الإجماع هو قاعدة الركنين الأساسيين لأي نظام شرعي في الإسلام وهما البيعة والشورى»، مشيراً إلى أنه «في الغرب وفي الأنظمة الديمقراطية فإن الدولة تقوم وتنشأ بالإجماع ثم تتبدل الحكومات والحكم بالأغلبية.وأضاف سمو الامير «نحن المُسْلِمُونَ مُنْقَسِمُونَ بَينَ أنْفُسِنَا حَتَّى لَجَأْنَا في بَعْضِ الدّوَلِ إلى القَمْعِ؛ وأحْيَاناً إلى العُنْفِ؛ وأَحْيَاناً إلى سَفْكِ الدِّمَاءِ، وأحْيَاناً إلى الخَلْعِ؛ وَأحْيَانَاً إلى الخُرُوجِ المُسَلَّحِ مِنْ دُونِ الكُفْرِ البَوَاحِ؛ وَأحْيَانَاً إلى الصِّرَاعِ المَذْهَبِيِّ في الدِّينِ الوَاحِدِ؛ وكُلُّ هَذَا مِنْ غَيرِ أنْ يَعْرِفَ أكثَرُنَا الفَرْقَ بَيْنَهُم، إلى أنْ وَصَلْنا إلى الفِتْنَةِ العَمْيَاءِ الصَّمَّاء».وتساءل سموه «في الحُكْمِ الإسْلامِيِّ هَلِ الشَّرِيعَةُ مَصْدَرُ السُّلُطَاتِ، أوْ الشَّعْبُ، أوْ دُسْتُورٍ مَا، أوِ الإجْمَاعُ؟ وهَلْ حُقُوقُ الإنْسَانِ في المَفْهُومِ الدِّيمقراطِيِّ تَتَنَاسَبُ مَعَ حُقُوقِ النَّاسِ وَمَقَاصِدِ الشَّريعَةِ في الإسْلامِ؟»، مشددا على ضرورة أن يتعرض المؤتمرون إلى أربع مسائل فكرية كبرى، كلها متضمنة في محاور المؤتمر، وهي: الدولية الحديثة، تطابق الإسلام والديمقراطية، والحكم الملكي في الإسلام، الرأسمالية والاستهلاكية.وفيما يلي نص كلمة سمو الأمير غازي: بسم الله الرحمن الرحيم والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلَى خَاتَمِ الأنْبِيَاءِ والمُرْسَلِينَ أيُّهَا العُلَمَاءُ الأفَاضِلُ، أيُّهَا الأصْدِقَاءُ الأعِزَّاءُ، السَّلامُ عَلَيكُمْ وَرَحْمَةُ اللهُ وبَرَكَاتُهُ، أهْلاً ومَرْحَبَاً بِكُمْ في مُؤَسَّسَتِكُمْ (مُؤَسَّسَةُ آلِ البَيْتِ المَلَكِيةِ لِلفِكْرِ الإسْلامِيِّ) في المُؤْتَمَرِ السَّادِسِ عَشَرَ بِعُنْوانِ «مَشْرُوعُ دَوْلَةٍ إسْلامِيَّةٍ حَدِيثَةٍ قَابِلَةٍ للاسْتِمْرَارِ ومُسْتَدَامَةٍ». لَكِنْ قَبْلَ أنْ أَتَطَرَّقَ لِمَوضُوعِ اليَومِ يَنْبَغِي لِي أيضَاً أنْ أَذْكُرَ زُمَلاءَنَا الذِينَ انْتَقَلُوا إلى رَحْمَةِ رَبِّهِمْ مُنْذُ مُؤْتَمَرِنَا الأسْبَقِ في عَامِ 2010م. يَقُولُ اللهُ تَعَالى: « «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتطر وما بدلوا تبديلا» (الأحزاب،33 :23)، وهُمُ السَّادَةُ: 1. الأُسْتَاذُ الدُّكْتورُ عَبْدُ العَزِيزِ الدُّوْرِيُّ – المُؤَرِّخُ والبَاحِثُ العِرَاقيُّ الكَبِيرُ في التَّارِيخِ الإسْلامِيِّ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.2. سَمَاحَةُ الشَّيخِ الأسْتَاذُ الدُّكْتورُ نُوح عَلِي سَلْمَانَ القُضَاةِ – مُفْتِي عَامِ المَمْلَكَةِ الأُرْدُنِيَّةِ الهَاشِمِيَّةِ الأسْبَقُ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.3. مَعَالِي الشَّيْخِ الأسْتَاذِ الدُّكْتورِ عَبْدُ العَزِيزِ الخَيَّاطِ – وَزِيرُ الأوْقَافِ والشُّؤُونِ والمُقَدَّسَاتِ الإسْلامِيَّةِ الأرْدُنِيَّةِ الأسْبَقُ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.4. مَعَالي الدُّكْتورِ عَبْدُ الحَمِيدِ عُثْمَانَ – الوَزِيرُ بِرِئَاسَةِ الوُزَرَاءِ في مَالِيزْيَا – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.5. سَمَاحَةُ الشَّيخِ الدَّكْتور مُحَمَّدُ الحَبِيبِ الخُوجَهْ – الأمِينُ العَامُّ لِمَجْمَعِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ الدُّوَلِيِّ الأسْبَقُ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.6. مَعَالِي الأسْتَاذِ الدُّكْتورِ ثَرْوَتْ عُكَاشَةَ – وَزِيرُ الثَّقَافَةِ المِصْرِيُّ الأسْبَقُ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.7. الأسْتَاذُ رُوجِيه جَارُودِيّ – البَاحِثُ والمُفَكِّرُ والفَيْلَسُوفُ الفَرَنْسِيُّ والمُدَافِعُ عَنِ الإسْلامِ في المَحَافِلِ الغَرْبِيَّةِ – رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى.8. وَأَخِيراً، لا بُدَّ لِي أنْ أذْكُرَ اسْتِشْهَادَ عُضْوِ المُؤَسَّسَةِ القَدِيمِ العَلاَّمَةُ الشَّيخُ الأسْتَاذُ الدَّكْتورُ مُحَمَّد سَعِيد رَمَضَان البُوطِيُّ بِتَارِيخِ 21 /3 /2013 م في مَسْجِدِ الإيْمَانِ بِدِمَشْقَ مَعَ حَفِيدِهِ أَحمدَ وأكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ مِنْ طُلابِهِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالى في اغْتِيَالٍ غَادِرٍ. و»إنا لله وإنا إليه راجعون» (البقرة،2 :156). الفَاتِحَةَ لأرْوَاحِهِمْ جَمِيعَاً .أمَّا بِالنِّسْبَةِ لِمَوْضُوعِنَا اليَوْمِ الذِي هُوَ «مَشْرُوعُ دَوْلَةٍ إسْلامِيَّةٍ حَدِيْثَةٍ قَابِلَةٍ لِلاسْتِمْرَارِ ومُسْتَدَامَةٍ»، فَهُوَ مَوْضُوعُ السَّاعَةِ، وَهُوَ المَوْضُوعُ الأهَمُّ الذِي يَحْتَاجُهُ العَالَمُ الإسْلامِيُّ فِكْرِيَّاً في الوَقْتِ الحَاضِرِ بَعْدَ أحْدَاثِ آخِرِ ثَلاثِ سَنَوَاتٍ، فَإنَّنَا نَنْتَظِرُ بِشَوقٍ رَأْيَ وحُكْمَ العُلَمَاءِ أعْضَاءِ الأكَادِيْمِيَّةِ المَلَكِيةِ حَولَ هَذَا المَوْضُوعِ بِالذَّاتِ، لأنَّهُ – في رَأينَا المُتَوَاضِعِ – قَدِ اسْتَبقَتْ الحَوَادِثُ التَّفْكيرَ والحِوَارَ.نَحْنُ المُسْلِمُونَ – «ومآ أبرئ نفسي» (يوسف،12 :53) – مُنْقَسِمُونَ بَينَ أنْفُسِنَا حَتَّى لَجَأْنَا في بَعْضِ الدّوَلِ إلى القَمْعِ؛ وأحْيَاناً إلى العُنْفِ؛ وأَحْيَاناً – وأقُولُهَا مَعَ الحُزْنِ الشَّدِيدِ - إلى سَفْكِ الدِّمَاءِ، كَمَا نَرَى هذِهِ الأيَّامِ؛ وأحْيَاناً إلى الخَلْعِ؛ وَأحْيَانَاً إلى الخُرُوجِ المُسَلَّحِ مِنْ دُونِ الكُفْرِ البَوَاحِ؛ وَأحْيَانَاً إلى الصِّرَاعِ المَذْهَبِيِّ في الدِّينِ الوَاحِدِ؛ وكُلُّ هَذَا مِنْ غَيرِ أنْ يَعْرِفَ أكثَرُنَا الفَرْقَ بَيْنَهُم، إلى أنْ وَصَلْنا إلى الفِتْنَةِ العَمْيَاءِ الصَّمَّاء،ويَبْدُو لِي أنَّ هُنَاكَ تَقْصِيرَاً في شَرْحِ الفَرْقِ بَينَ إبْدَاءِ الرَّأيِ والأمْرِ بالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وكَلِمَةِ الحَقِّ أمَامَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ - وَهُوَ جَائزٌ بَلْ وَاجِبٌ في كُلِّ حَالٍ - وكَلِمَةِ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ والاسْتِدْرَاجِ تَحْتَ شَعَائِرِ الحُرِّيَةِ والديمقراطِيَّةِ التي تُؤَدِّي إلى الغَوْغَائِيَّةِ والفَوْضَى والفِتَنِ العَمْيَاءِ الصَّمَّاء. فأصْبَحْنا نَسْتَعْمِلُ ما يُنَاسِبُنَا مِنَ الدِّيْنِ لِكَي نُبَرِّرَ أفْكَارَنَا ومَآرِبَنَا ومَا نَنْحَازُ إليهِ دُونَ أنْ نَتَطَلَّعَ إلى نُصُوصِ وحُكْمِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ والحِكْمَةِ المُنْبثقةِ مِنْهُمَا بِتَجَرُّدٍ ومَوْضُوعِيَّة، مُسْتَذْكِرِينَ قَولَ اللهِ تعالى: «بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو ألقى معاذيرة». (القيامة، 75 :14-15).وعَلَى أيَّةِ حَالٍ يَبْدُو لِي أنَّ المَوضُوعَ مَلِيءٌ بِاللُّبْسِ والالْتِبَاسِ ومُخَادَعَةِ النَّفْسِ والوَهْمِ والاحْتِيَال. فَعَلَى هذا يَجِبُ أنْ نَتَعَرَّضَ إلى أرْبَعِ مَسَائِلَ فِكْرِيَّةٍ كُبْرَى (على الأقَلِّ)، كُلُّهَا مُتَضَمَّنَةٌ في مَحَاوِرِ المؤتمرِ، وهيَ: 1. الدَّوْلَةُ الحَدِيْثَةُ: هَلْ لها نَفْسُ مَفْهُومِ الدَّوْلَةِ في التَّاريخِ الإسْلامِيِّ أوْ في الشَّرِيعِةِ؟ هَلْ لها نَفْسُ السُلُطَاتِ نَحْوِ الفَرْدِ في الفِكْرِ الإسْلامِيِّ أو حَتَّى في الفِكْرِ الليبراليِّ الحَدِيثِ؟ وعَلَى سَبِيلِ المِثَالِ، هُنَاكَ عَشَراتٌ مِنَ المجْمُوعَاتِ في الوِلايَاتِ المُتَّحِدَةِ تَعْتَرِضُ وتُقَاوِمُ سُلُطَاتِ الحكُومَةِ والدَّولَةِ وذلكَ بِنَاءاً على الدُّسْتُورِ الأميْركيِّ، وعلى أيَّةِ حَالٍ فَإنَّ سُلُطَاتِ الدُّولِ الحَدِيثَةِ تَتَغيَّرُ كُلَّ سَنَةٍ إنْ لم يَكُنْ كُلَّ يَوْمٍ، فَكَيفَ يَفْقَهُ ويُرَاقِبُ وَيَحْكُمُ العُلَماءُ على هَذِهِ السُلُطَاتِ ومُعْظَمُهَا سِرِّيَةٌ ومُعَقَّدةٌ تِكْنولوجِياً وقَانُونِيَّاً؟ 2. تَطَابُقُ الإسْلامِ والدِّيمقراطيَّة: قدْ سَمِعنَا البَعْضَ يَقُولُ إنَّ الدِّيمقراطيَّةَ والإسْلامَ هُمَا نَفْسُ الشَّيءِ، أوْ إنَّهُمَا مُنْسَجِمَانِ، أوْ إنَّهُمَا يُؤَكِّدَانِ عَلَى نَفْسِ المَبَادِئِ والغَايَاتِ، وقَدْ سَمِعْنا البَعْضَ الأخَرَ يُنكِرُ ذَلكَ تَمَامَاً، ويُحَرِّمُ الدِّيمقراطيةَ ويَعْتَبرُهَا بِدْعَةً غَرْبيةً. وهُنَاكَ أيضَاً مَنْ لا يُؤْمِنُ بِالدِّيمقراطيَّةِ وَلَكنَّهُ مُسْتَعِدٌ أنْ يُسَايِرَ الفِكْرَةَ مُؤقَّتاً لِكَي يَصِلَ إلى السُّلْطَةِ، ثُمَّ يُمَارِسُ في سُلطَتِهِ أُسْلُوبَاً غَيرَ دِيمقراطِيٍّ يَتَخَلَّصُ مِنْ الدِّيمقراطيَّةِ تَمَاماً مِنْ خِلالِهَا، فَتُصْبِحُ الدِّيمقراطِيَّةُ وَسِيلَةً وَلَيسَتْ غَايَةً، وَسِلاحَاً ولَيْسَتْ سِلْمَاً، وقَمْعَاً ولَيْسَتْ حُرِّيَةً.وهذا مَوضُوعٌ طَوِيلٌ ومُعَقَّدٌ، وَلَكِنْ لا شَكَّ أنَّ عَامَّةَ المُسْلِمينَ وحَتَّى كَثِيرَاً مِنَ العُلَمَاءِ يَحْتَاجُونَ لِمَزيدٍ مِنَ التَّوضِيحِ والتَّفْصِيلِ لِلقَضَايا المُتَعَلِّقَةِ بِهَذا المَوضُوعِ المُهِمِّ، لأنَّهُ - شِئْنَا أمْ أبَيْنَا - مُعْظَمُ المُسْلِمِينَ وحَتَّى المُلْتَزِمينَ بِالدِّينِ أصْبَحُوا يُؤْمِنُونَ بِالدِّيمقراطيَّةِ كَنِظَامٍ سِيَاسِيٍّ.فَدَعُونِي أسْألُ هُنا: في الحُكْمِ الإسْلامِيِّ هَلِ الشَّرِيعَةُ مَصْدَرُ السُّلُطَاتِ، أوْ الشَّعْبُ، أوْ دُسْتُورٍ مَا، أوِ الإجْمَاعُ؟ وهَلْ حُقُوقُ الإنْسَانِ في المَفْهُومِ الدِّيمقراطِيِّ تَتَنَاسَبُ مَعَ حُقُوقِ النَّاسِ وَمَقَاصِدِ الشَّريعَةِ في الإسْلام، ومَاذَا عَنْ حُقُوقِ التَّعْبيرِ (ومِنْها في الدِّيمقراطِيَّةِ «حَقُّ» إهَانَةِ شَعَائِرِ اللهِ تَعَالى) وحُقُوقِ الحُرِّيَّةِ الجِنْسِيَّةِ، إنْ كانَتَا نَفْسَ الشَّيءِ، على سَبِيلِ المِثَالِ ... ؟.وقَدْ سَمِعْتُ أحَدَ العُلَمَاءِ يَقُولُ: «إنَّه لا مُشْكِلَةَ إذا بَقِيَ سَقْفُ الدِّيمقراطيَّةِ الإسْلامُ»، ولَكنْ مَاذَا عَنْ الحُقُوقِ التي يَمْنَحُهَا الإسْلامُ والمَرْفُوضَةُ في الدِّيمقراطيَّةِ – على سَبِيلِ المِثَالِ – تَعَدُّدُ الزَّوجَاتِ أوِ سَفَرُ المُسْلِمينَ الحُرُّ في أرْضِ اللهِ الوَاسِعَةِ ؟ وعلى أيَّةِ حَالٍ فَإنَّ حُقُوقَ النَّاسِ في الإسْلامِ هِبَةٌ مِنَ اللهِ سُبحانَهُ وتَعَالى لا يَحِقُّ لأيِّ انْتِخَابَاتٍ أوْ أيِّ قَاضٍ أو أيِّ مَحْكَمَةٍ أوْ أيِّ تَشْريعٍ أوْ أيِّ دَولةٍ أوْ أيِّ دُسْتورٍ أنْ يُنْقِصَ مِنْهُ، يقولُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى: « يأيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك». (التحريم،66 :1).وهُنَا نَأتي إلى المَوْضُوعِ الكَبِيرِ الذي أعْتَقِدُ أنَّهُ لَوْ تَمَّ حَلُّ عُقْدَتِهِ كانَ يُمْكِنُ لنا كَأُمَّةٍ أنْ نَتَجَنَّبَ نِصْفَ مَشاكِلَ آخِرِ ثَلاثِ سَنَواتٍ، وهُوَ مَوْضُوعُ الأكْثَريَّةِ والإجْمَاعِ، والفَرْقُ بَيْنَهُما. فَإنَّ اللهَ سُبْحانهُ وتَعَالى في القُرْآنِ الكَرِيمِ - وكَذَلِكَ في السُّنَّةِ النَّبويَّةِ الشَّرِيفَةِ - نَصَّ على أنَّ أكْثَرِيَّةِ النَّاسِ (والدِّيمقراطيَّةُ مَبْنِيَّةٌ على أَكْثَريَّةِ النَّاسِ وَلَيْسَ المُسْلِمِينَ) لَيْسَتْ مَبْدَأً يُؤَدِّي إلى التَّشْرِيعِ أو يَدُلُّ على الحَقِّ،وإذَا تَأمَّلْنَا في القُرْآنِ الكَرِيمِ فَإنَّنا نَجِدُ أنَّه كُلَّمَا وَرَدتْ كَلِمةُ «أَكْثَرَ» أوْ «أكْثَرَ النَّاس» يَلِيهِمَا أَمْرٌ سَيِّئٌ. يقولُ اللهُ تعالى: « ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين» (يوسف،12 :103) «ولكن أكثر الناس لا يشكرون» (البقرة،2 :243) «ولكن أكثرهم لا يعلمون» (الأنعام،6 :37) «ولكن أكثرهم يجهلون» (الأنعام،6 :111) «ولكن أكثر الناس لا يؤمنون» (هود،11 ،17) «ولكن أكثركم للحق كارهون» (الزخرف،43 :78) «كان أكثرهم مشركين» (الروم،30 :42) وكَذَلِكَ آياتٌ أُخْرَى عِدَّةٌ.وإضَافَةً إلى ذَلِكَ كُلِّهِ فَإنَّ اللهَ تَعَالى أَوْضَحَ هَذَا الأمْرَ بِقَولِهِ سُبْحانَهُ:»وإن تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون» (الأنعام،6 :116).وأيْضَاً بِقَولِهِ تعالى:»ولو اتبع الحق أهوآءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن ...» (المؤمنون،23 :71).وكَذَلِكَ لا نَجِدُ في السُّنةِ الشَّرِيفَةِ أنَّ الرَّسُولَ اسْتَشَارَ أغْلَبِيَّةَ المُسْلِمِينَ بِشَكْلٍ عَامٍّ وأَخَذَ بِرَأيِهِم، لَكِنْ مَرَّةً واحِدَةً اسْتَشَارَ رَسُولُ اللهِ المُقَاتِلِينَ وأبْدَى أغْلَبيَّتُهُمْ رَأيَاً مُخْطِئاً في الخُرُوجِ إلى أُحُد، ثُمَّ غَيَّروا رَأيَهُمْ بَعْدَمَا لَبِسَ الرَّسُولُ لِبَاسَ الحَرْبِ، ومَا أخَذَ بِرَأيِهِمْ مَرَّةً ثَانِيَة، ورَأيُهُمْ هَذَا أدَّى إلى خَسَارَةِ المَعْرَكَةِ، «وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور»(آل عمران،3 :154).وَلِهَذا، فَخِلالُ أوَّلِ 1300 سَنَةٍ مِنَ التَّارِيخِ الإسْلامِيِّ لم يُوجَدْ أحَدٌ مِنَ العُلَمَاءِ فِيمَا نَعْلَمُ اقْتَرحَ مَوْضُوعَ الأكْثَريَّةِ السِّياسِيَّةِ كَمِعْيَارٍ لِلحُكْمِ بِمَحَلِّ الإجْمَاعِ.وأمَّا في أُمُورِ الحُكْمِ، فَالرَّسُولُ كانَ يَسْمَعُ رَأْيَ كِبَارِ الصَّحَابة، ولم يَكُنْ بِطَبِيعَةِ الحَالِ مُلزَمٌ بِرَأيهِمْ، فَكَانَتِ الشُّورَى مُعْلِمَةً غَيْرَ مُلْزِمَةٍ، يقولُ اللهُ تعالى: «وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله « (آل عمران،3 :159) ، أيْ: فَإذَا عَزَمْتَ أنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ وَلمْ يَقُلْ سُبْحَانَهُ وتَعَالى «فإذَا عَزَمْتُمْ».فَهَذَا تطبيقٌ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالى:»وأمرهم شورى بينهم»(الشورى،42 :38)، مِثْلَ أَمْرِ قَادَةِ جَيْشِ بَلْقيسَ حِيْنَمَا قَالُوا (كَمَا جَاءَ في القُرْآنِ الكَريمِ):»نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين» (النمل،27 :33). فَكَانَ أمْرُ المُسْلِمينَ بِالشُّورَى دَائِمَاً، لكنْ بِالإجْمَاعِ وَلَيسَ بِأغْلَبِيَّةِ (51%). وقَدْ فَصَّلَ رَسُولُ اللهِ هَذَا المَوضُوعَ في قَولِهِ: ((لا يَجْمَعُ اللهُ أمَّتي على الضَّلالةِ أبَدَاً، واتَّبِعوا السَّوادَ الأعْظَم، فإنَّه مَنْ شَذَّ شَذَّ في النَّارِ )) .وَالإجْمَاعُ هُوَ قَاعِدَةُ الرُّكْنَيْنِ الأسَاسِيَّيْنِ لأيِّ نِظَامٍ شَرْعيِّ في الإسْلامِ، وَهُمَا: البَيْعَةُ والشّورَى،وحَتَّى في الغَرْبِ في الأنْظِمَةِ الدِّيمقراطيَّةِ فَإنَّ الدَّوْلَةَ تُقَامُ وتَنْشَأُ بالإجْمَاعِ ثُمَّ تَتَبَدَّلُ الحُكُومَاتُ والحُكْمُ بالأغْلَبِيَّة، وهَذِهِ النُّقْطَةُ مُهِمَّةٌ يَجِبُ اسْتِيعابُهَا، فإنْ كَانَ مَعْنى «الدِّيمقراطِيَّةِ» لُغَوِيَّاً (في اليوناني القديم) «حُكْمُ الكَثْرَةِ»(demo-cratia) فَالبَحْثُ عَنِ الإجْمَاعِ الأسَاسِيِّ يُسَمَّى في الغَربِ «ثَقَافَةُ الدِّيمقراطِيَّةِ»(democratic culture). فَلا يُوجَدُ دَوْلَةٌ غَرْبِيَّةٌ دِيمقراطِيَّةٌ فيها أكْثَرُ مِنْ 10% مِنَ النَّاسِ غَيرُ رَاضِينَ عَنْ نِظَامِهِمُ الدِّيمقراطيِّ، فَبِمَعْنَى آخَرَ هُنَاكَ إجْمَاعٌ على الدِّيمقراطِيَّةِ بِأكْثَرَ مِنْ 90% ، فَالرَّأيُ الشَّاذُّ بَسِيطٌ. لَكِنْ في الدُّوَلِ العَرَبِيةِ – وهَذَا أمْرٌ عَجِيبٌ، اسْتَغْرَبْتُ مِنْهُ مُنْذُ وَضْعِ الدُّسْتُورِ العِرَاقيِّ الجَدِيدِ - فَإنَّ الدَّسَاتيرَ تُوضَعُ بِأغْلَبِيَّةٍ وأحْيَانَاً لَيْسَتْ بِأغْلَبِيَّةِ الشَّعْبِ، بَلْ بِأغْلَبيةِ المُصَوِّتِينَ في يَوْمٍ مَا، فَهَذَا الوَضْعُ أدَّى إلى أنْ تَشْعُرَ أجْزَاءٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الشُّعوبِ بأنَّهُ لا دَوْرَ لها، ولا رَأيَ لها، ولا حُصَّةَ لها في دَوْلَتِهِم، وبِالتَّالِي فَهُمْ غَيْرُ مُلزَمِينَ في حُقُوقِ وَوَاجِبَاتِ الدَّوْلَةِ، وَمِنْ ثَمَّ إلى الخُرُوجِ وإلى الفِتْنَةِ. فَأسْألُ نَفْسِي لمَاذَا لم يَكْتُبْ صَحَفِيٌّ وَاحِدٌ مِنَ الدُّولِ الغَرْبِيَّةِ أنَّ كُلَّ دُسْتُورٍ جَدِيدٍ يَجِبُ أنْ يَكُونَ عَلِيهِ إجْمَاعٌ كَامِلٌ ولَيْسَتْ أغْلَبيةً بأكْثَريَّةِ المُصَوِّتِيْنَ، لِكَي لا تَتَشَقَّقَ الدّولَةُ وتَتَمَزَّقَ ويُصْبِحَ فيها صِرَاعٌ دَاخِلِيٌّ وانْقِسَامٌ؟ ومِنَ المَنْطِقِ أنَّهُ مِنْ غَيرِ المُمْكِنِ أنْ تَقُومَ دَوْلةٌ وتَزدَهِرَ وثُلُثُ شَعْبِها غَيرُ رَاضٍ عَلَى نَهْجِ تَكْوينِهَا، على سَبِيلِ المِثَالِ. ولَو كَانَ إجْمَاعٌ في مِصْرَ وإجْمَاعٌ في العِرَاقِ وإجْمَاعٌ في سُورْيَا أصْلاً مِنَ الأسَاسِ بَينَ جَمِيعِ الأطْرَافِ الشَّعْبيَّةِ مَا وَصَلْنَا إلى مَا وَصَلْنَا إلَيْهِ. فَاعْتَقِدُ أنَّ عَلَى العُلَمَاءِ دَوْرَاً في حَلِّ هَذِهِ المُشْكِلَةِ الفِكْرِيَّةِ، وَهِيَ: «مَا هُوَ السَّوَادُ الأعْظَمُ»؟ هَلْ هُوَ 51% مِنَ العُلَماءِ – أيْ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ أوْ أهْلُ الذِّكْرِ - يقولُ اللهُ تَعَالى: «فأسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون» (النحل،16 :43) و(الأنبياء،21 :7)؟ فَالصَّوابُ في الإسْلامِ مَبْنِيٌّ عَلَى الحَقِيقَةِ – كَمَا عَبَّرَ عَنهُ أفلاطونُ في حِوَارِهِ (لاتشس) - ولَيسَ عَلَى عَدَدِ حَامِلِي الرَّأيِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالى: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولوا الألباب» (الزمر،39 :9) ولَكِنْ هَلْ لَنَا أنْ نَعْتَبِرَ عَامَّةَ النَّاسِ عُلَمَاءَ في السِّياسَةِ في أيَّامِنَا هَذِهِ؟ أوْ هَلْ «السَّوادُ الأعْظَمُ» هُوَ 51% مِنَ النَّاسِ أوْ مِنَ المُنْتَخِبِينَ؟ أوِ الثُّلُثينِ مِنَ النَّاسِ؟ أو 75% مِنَ النَّاسِ؟ أوْ كَمَا اجْتَهَدَ سَيِّدُنَا عُمَرُ ، حَيْثُ جَعَلَ التَّرْجِيحَ لِلخِلافَةِ لِخَمْسَةٍ مِنْ سِتّةٍ مِنْ أصْحَابِ الأمْرِ؟، أيْ بِـنِسْبةِ 90% تَقْرِيبَاً . ويَنْبَغِي هُنَا أنْ نَتَذَكَّرَ أنَّهً قَدْ يَحْصُلُ في جَوٍّ غَوغَائيٍّ مَا، انْتِخَابُ دِيكْتَاتُوريينَ وَمُجْرِمِينَ مِنْ قِبَلِ الفِئَةِ الأكْبَرِ مِنَ المُنْتَخِبِينَ أوْ مِنَ الأغْلَبيَّةِ لأسْبَابٍ طَائِفِيَّةٍ: فَهِتْلَرُ انْتُخِبَ في عَامِ 1932م في ألمانيا، وانتُخِبَ مُوسيليني في إيطاليَا، وفرانكو في إسبانيا، وميلوسفتش في صِرْبيا، وكارديتش في البوسْنَه، وجَمِيعُهُمْ انْتُخِبُوا غَوْغَائِيَّاً مِنْ قِبَلِ فِئَةٍ مِنَ النَّاسِ لِنِيّةِ قَمْعِ فِئَاتٍ أُخْرَى، وهَذَا أمْرٌ قَدِيمٌ ومَعْرُوفٌ وهُوَ مَا يُحَذِّرُ مِنْهُ أفْلاطُونُ في الفَصْلِ الثَّامِنِ مِنْ كِتَابِهِ «الجمهورية»، وهيرودتس (أوَّلُ مُؤَرِّخٍ في العَالَمِ) في الفَصْلِ الثَّانِي مِنْ كِتَابِهِ «التَّوَارِيخُ» قَبْلَ أكثرِ من أَلْفَينِ وخَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، فَهَلْ يَسْمَحُ الإسْلامُ بِذَلِكَ؟ فَمَا هُوَ المَانِعُ مِنَ «الاجْتِمَاعِ حَتَّى الإجْمَاعٍ»، أوْ اجْتِمَاعَاتٍ طَوِيْلَةٍ تَسْتَغْرِقُ سَنَوَاتٍ تُؤَدِّي إلى التَّوَافِقِ؟ في جَنُوبِ أفْرِيقْيَا الحَدِيثِ ـ مَثَلاً ـ بَعْدَ انْهِيَارِ نِظَامِ (ابارتايت) جَلَسَ النَّاسُ ثَلاثَ سَنَوَاتٍ إلى أنْ اتَّفَقُوا عَلَى الدُّسْتُورِ الجَدِيدِ، أعْطَى فِيهِ الكُّلُّ شَيْئَاً وَأَخَذَ شَيْئَاً، حَتَّى صَارَتِ الثِّقَةُ مُتَبادَلَةً بَينَ جَمِيعِ الأطْرَافِ بِالرَّغْمِ مِنْ مَشَاكِلِهِمُ الأُخْرَى. لَكِنَّنَا في العَالَمِ العَرَبيِّ هَرْوَلْنَا إلى مَكَاسِبَ لِفِئَاتٍ وَجَهِلْنَا نَتَائِجَ إقْصَاءِ فِئَاتٍ مِنْ شُعُوبِنَا إلى أنْ وَصَلْنَا إلى البَغْضَاءِ وثُمَّ إلى الفِتْنَةِ، فَأتمنَّى أنْ تَكُونَ إحْدَى نَتَائِجِ هَذَا المُؤْتَمَرِ أنْ يَخْرُجَ العُلَمَاءُ بِتَحْدِيدِ نِسْبَةِ «السّوَادِ الأعْظَمِ» التي يَقَعُ عَلَيْهَا الإجْمَاعُ - وأَقْصِدُ هُنَا بالطَّبعِ الإجْمَاعَ السِّيَاسِيَّ ولَيْسَ الإجْمَاعَ العِلْمِيَّ. فَالإمَامُ الشَّافِعِيُّ قَرَأَ القُرْآنَ الكَرِيمَ سِتَّةً وثَلاثِينَ مَرِّةً - وفي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثَلاثَمِائَةِ مَرَّةً - بَاحِثَاً عَنْ دَلِيلِ الإجْمَاعِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ الَّذِي قَالَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ: «وكل شيء فصلناه تفصيلا» (الإسراء،17 :12) - حَتَّى وَجَدَهُ في الآيةِ الكريمَةِ: «ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وسآءت مصيرا»(النساء،4 :115). فَعَلَى العُلَمَاءِ أنْ يَقْتَدُوا بِهِ ويَبْحَثُوا عَنْ نِسْبَةِ «السَّوَادِ الأعْظَمِ»، وَيَجْعَلوا لِلأُمَّةِ مَخْرَجَاً مِنَ الفُرقَةِ بَينَ أبْنَاءِ الدِّينِ الوَاحِدِ أوِ البَلَدِ الوَاحِدِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالى: «واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم أياته لعلكم تهتدون» (آل عمران،3 :103).3. الحُكْمُ المَلَكِيُّ في الإسْلامِ: أمَّا بِالنِّسْبةِ لِلمَسْألَةِ الثَّالِثَةِ وَهِيَ مَوضُوعُ الحُكْمِ المَلَكيِّ في الإسْلامِ، ومَوْقِفُ الإسْلامِ مِنْهُ، فَهَذَا مَوضُوعٌ يَحْتَاجُ أيْضَاً إلى بَحْثٍ عَمِيقٍ، لأنَّهُ بالرَّغْمِ ممَّا يَظُنُّهُ بَعْضُ المُعَاصِرينَ فَانَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى هُوَ المَلِكُ الحَقُّ، ومَالِكُ المُلْكِ، وبِيَدِهِ المُلْكُ، ويُؤْتِي المُلْكَ لِمَنْ يَشَاءُ. يَقُولُ اللهُ تعالى: «قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير» (آل عمران،3 :26).وَقَدْ جَعَلَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى بَعْضَ رُسُلِهِ مُلُوكَاً مِثْلَ: سَيِّدِنَا دَوادَ وسَيِّدِنَا سُلَيمَانَ عَلَيهِمَا السَّلامُ؛ وجَعَلَ المَلَكِيَّةَ كَجَوَابٍ لِدُعاءِ نَبيِّهِ (سَاموالُ) حَيْثُ قَالَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى: «ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ...» (البقرة،2 :246) .وأنَّهُ جَعَلَ النَّبيَّ يُوسُفَ يَعْمَلُ بأمْرٍ مِنْ مَلِكٍ. وقَدْ ذُكِرَ لَفْظُ «المَلِكِ» في القُرْانِ الكَرِيمِ في غَيرِ مَعْرِضِ الذَّمِّ، بَيْنَمَا ذُكِرَ اسْمُ المُلُوكِ الفَجَرةِ في مِصْرَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ بِلَفْظِ «فِرْعَونُ»؛ وَقَدْ ثَبَّتَ الرَّسُولُ مُلْكَ جَمِيعَ المُلُوكِ الذِينَ أسْلَمُوا؛ وبَعَثَ المُسْلِمِينَ إلى مَا سَمَّاهُ «مَلِكَاً صَالِحَاً» في الحَبَشَةِ ؛ وأنَّهُ بَشَّرَ قُرَيْشَاً بالمُلْكِ إلى يَومِ الدِّيْنِ ؛ وأنَّ الخُلَفاءَ الرَّاشِدِينَ جَمِيْعَهُمْ كَانُوا أقْرِبَاؤُهُ وأنْسِباؤُهُ مِنْ قُرَيشٍ لِكَونِهِ لم يِكُنْ لَدَيْهِ أبْنَاءٌ أوْ إخْوَةٌ أوْ أوْلادُ إخْوَةٍ؛ وَكَانَتْ الدُّوَلُ الإسْلامِيَّةُ عَبْرَ التَّارِيخِ الإسْلاميِّ كُلِّهِ - إلى سُقُوطِ الخِلافَةِ الإسْلاميَّةِ العُثْمانيَّةِ في عَامِ 1922م - أنْظِمَةً مَلَكِيَّة، وكَثِيرٌ مِنْ أبْطَالِ الإسْلامِ كَانُوا مُلُوكَاً وأُمَرَاءَ مِثْلَ: عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ الدَّاخِلِ، ونُورُ الدِّينِ زِنْكِي، وصَلاحُ الدِّينِ الأيُّوبِيُّ، والظَّاهِرُ بيْبَرْس، وحَتَّى الأمِيرِ عَبْدِ القَادِرِ الجَزَائِريِّ، وَهَلُمَّ جَرّا.لكِنَّ السُّؤالَ الذِي يَطْرَحُ نَفْسَهُ: مَا هِيَ وَاجِبَاتُ وَصَلاحِيَّاتُ المَلِكِ في القُرْآنِ الكَرِيمِ؟ نَجِدُ أنَّ الوَاجِبَاتِ والصَّلاحِيَّاتِ الأسَاسِيَّةِ لِلمَلِكِ في القُرانِ الكَرِيمِ هيَ: قِيَادَةُ الجُيُوشِ وَوَحْدَةُ النَّاس، يقولُ اللهُ تعالى:»»ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ...» (البقرة،2 :246) . وَكَذَلِكَ وَاجِبُ المَلِكِ حِمَايَةُ شَعَائِرِ اللهِ سُبْحانَهُ وتَعَالى. قالَ اللهُ تعالى: «وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين» (البقرة،2 :148). فَهَلْ نَعْتَبِرُ صَلاحِيَّاتِ سَيِّدِنَا سُلَيمَانَ - فِيمَا يُسَمَّى السِّيَاسَةُ الخَارِجِيَّةُ في سُورَةِ النَّمْلِ- مِنْ نُبُوَّتِهِ أمْ مِنْ مُلْكِهِ؟ وهَلْ نَعتبرُ قِيَامَ سَيِّدِنَا دَاودَ عَلَى العَدْلِ في سُورَةِ «ص» مِنَ النُّبُوَّةِ أمْ مِنَ المُلْكِ؟ وسُؤَالٌ مُهِمٌ في يَوْمِنَا هَذَا: هَلْ نَعْتَبِرُ نِيَابَةَ سَيِّدِنَا يُوسَفَ لِمَلِكِ مِصْرَ بِصَلاحِيَّاتِهِ نَمُوذَجَاً لِمَا يُسَمَّى اليَومَ «الحُكْمُ المَلَكِيُّ الدُّسْتوري»؟ فَسُبْحانَ الذي قالَ: «وكل شيء فصلناه تفصيلا»(الإسراء،17 :12).أمَّا بِالنِّسْبَةِ لِقَولِ اللهِ تَعَالى: « قالت إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة وكذلك يفعلون» (النمل،27 :34)، فَهَذِهِ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ ولَيْسَتْ ذَمَّاً، بِدَلِيلِ أنَّ القَائِلَةَ (وهِيَ بَلْقِيسُ) مَلِكَةٌ، وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالى عَنْ سيَّدِنَا سُلَيْمَانَ (وهوَ المَلِكُ المَقْصُودُ في هَذِهِ الآيةِ): «نعم العبد» (ص،38 :30)، واللهُ أعْلَم.4. الرَّأسْمَالِيَّةُ والاسْتِهْلاكِيَّةُ: المَسْالَةُ الرَّابِعَةُ وهِيَ المَسْألَةُ التي يَقَعُ فِيهَا الاحْتِيَالُ الأكْبَرُ هُوَ أنَّ الدِّيمقراطيَّةَ الحَدِيثَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الفِكْرِ والاقْتِصَادِ الرَّأسْمَالِي، وبِالَّتالِي الاسْتِهْلاكِيِّ. لَكِنْ، وكَمَا ذَكَرْنَا في مُؤْتمَرِنَا السَّابِقِ عَنِ البِيْئَةِ، أنَّنَا أصْبَحْنَا في أَزْمَةِ شُحِّ مَوَارِدِ الأرْضِ، فَلَمْ تَعُدْ تَتَحَمَّلْ أو تَكْفِي أرْضُنَا ولا ماؤُنَا ولا هَوَاؤُنَا ولا نَبَاتُنَا ولا شَجَرُنَا ولا سَمَكُنا وَلا بَهَائِمُنا ولا مَنَاخُنَا لِمَزِيدٍ مِنَ الاسْتِهْلاكِ. فَهُنَا نُقْطَةٌ جَوْهَرِيَّةٌ، وهِيَ أنَّ مُعَدَّلَ الاسْتِهْلاكِ الكَرْبُونيِّ لِكُلِّ شَخْصٍ في الدُّوَلِ المتقدِّمَةِ الدِّيمقراطيَّةِ ثَمَانيةٌ وثَلاثُونَ ضِعْفَ المُسْتَهْلِكِ المُسْلِمِ المُتَوَسِّطِ الدَّخْلِ والفَقِيرِ في الدُّوَلِ الإسْلامِيَّةِ. فإذَا أصْبَحَ المِلْيَارُ مِنَ المُسْلِمِينَ مُسْتَهْلِكِينَ عَلَى الطَّرِيقَةِ الدِّيمقراطِيَّةِ الغَرْبيَّةِ فَهَذَا يَزِيدُ اسْتِهْلاكَ الأرْضِ الكَرْبونيِّ العَالَمِيِّ خَمْسَةَ أضْعَافٍ على مَا هوَ عَلَيهِ اليَوْمَ. وفي هَذِهِ الحَالَةِ سَتَتَكَالَبُ عَلينَا الأمَمُ جَمِيعَاً فَقَطْ مِنْ أجْلِ البَقَاءِ عَلَى الأرْضِ، لأنَّهُ في هَذِهِ الحَالَةِ لا تَكْفِي مَوَارِدُ الأرْضِ لِلْبَشَرِيَّة،فَكَيفَ يُشَجِّعونَنَا عَلَى الدِّيمقراطِيَّةِ الاسْتِهلاكِيَّةِ؟ وأيْنَ الفِكْرُ الإسْلامِيُّ الذي سَيَقُودُنَا إلى الازْدِهَارِ بِدُونِ اسْتِهْلاكٍ مُدَمِّرٍ؟ يقولُ اللهُ تَعَالى: «ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون» (الروم،30 :41).وأخِيرَاً أقُولُ إنَّ هَذِهِ الأمُورَ جَمِيعَهَا أسْئِلَةٌ، ولا أدَّعِي أنَّ عِنْدِي حُلُولاً فِيْهَا، لَكِنْ لَدَيَّ يَقِينَاً أنَّ كُلَّ حَلٍّ لأيِّ قَضِيةٍ فِكْريةٍ أو فَلْسَفيَّةٍ مَوجُودٌ في القُرْانٍ الكَرِيمِ، لأنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وتَعَالى يَقُولُ عَنْ كِتَابِهِ العَزِيزِ: «ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء» (النحل،89 :16)؛ ويَقُولُ سُبْحَانَهُ:» وتفصيل كل شيء « (يوسف،111:12)؛ ويَقُولُ سُبْحَانَهُ: «ما فرطنا في الكتاب من شيء»(الأنعام،6 :38). فَأَدْعُو نَفْسِي والعُلَمَاءَ إلى أنْ يَنْهَلُوا فِكْرِيَّاً مِنْ مَائِدَةِ اللهِ تَعَالى وَهُوَ القُرْآنُ الكَرِيمُ. يَقُولُ اللهُ تَعَالى: « لكن الله يشهد بمآ أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا» (النساء،4 :166) وَوَفَّقَكُمُ اللهُ تَعَالى جَمِيعَاً.والسَّلامُ عَلَيكُمْ ورَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ وقام سمو الأمير غازي، الذي يرأس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، بتسليم شهادات العضوية للأعضاء الجُدد العاملين وعددهم ثلاثة ولعضو واحد مراسل.من جهته، قال المدير العام لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي الدكتور منور المهيد في كلمة القاها في افتتاح المؤتمر :»إن هذا المؤتمر يَجْمَعُ عُلَماءِ الأُمّةِ الإسْلاميَّةِ ثانيةً في الأُرْدنّ، يَجْمَعَهُمْ على الخَيْرِ، ولأجْلِ الخَيْرِ، الخَيْرِ المَنْشُودِ لأُمَّةِ الإسْلامِ والمُسْلِمِين وصَلاحِ حَالِهِمْ».وأضاف بأن أعْضَاءُ المؤسّسةِ آثروا أنْ يكونَ عُنوانَ مُؤْتمرِهِم مَقْروناً بالحالِ التي تَمرُّ بها الدُّولُ العربيّةُ والإسلاميّةُ، فَخَصَّصُوْهُ للبحثِ في إمكانيةِ تَقْديمِ مَشْروعٍ لدولةٍ إسلاميّةِ حَدِيْثةٍ قابلةٍ للاسْتمرارِ ومُسْتَدَامةْ.وأوضح المهيد أن المؤتمر يتضمن ثلاثة محاور، الأوَّلُ: مَفَاهيمُ الدَّوْلةِ، والحُكْمِ، والعَقْدِ الاجْتماعِيِّ، والمُجْتَمَعِ المَدَنيّ، وحُقوقِ النَّاسِ في الفِكْر الإسلاميّ، والثاني: مفاهيمُ الدَّوْلةِ، والحُكْم، والعَقْدِ الاجتماعيِّ، والمُجْتمعِ المدنيّ، وحُقُوقِ النَّاسِ في الفِّكْر الغَرْبيّ والفِكْر الإسلاميّ معًا. والثَّالثُ: مَشرْوعُ دَوْلةٍ إسلاميَّةٍ حديثةٍ قابلةٍ للاسْتِمْرارِ ومُسْتَدامة.وبين أن في إعادة التَّباحُثِ حَوْلَ هذهِ المحاورِ الثَّلاثةِ مَسْعىً يَنْشدُالخيرَ ويأمَلْهُ لأمّة المُسْلمين في كافّةِ بُلْدَانِهِمْ وأقْطارِهِمْ، معرباً عن أمله في أي يخرج المؤتمرون بمُقاربةٍ يُمْكنُ أنْ تكونَ نَمُوذجاً مُعاصِراً لدَوْلةٍ إسْلامية، مشيرا إلى أن المؤسسة توَالِي مَسِيْرَتها وَنَجَاحَاتِها في كافَّة الإِدَارَاتِ التَّابِعَةِ لها والمَشَارِيْعِ الّتي تَعْكِفُ على إنْجَاِزها.ورحب المهيد بالأَعْضَاءِ العَامِلِيْنَ والمُراسِلِيْنَ الجُدُدِ، وهُمْ: مُفتي القُدْسِ والدِّيارِ الفِلِسْطِيْنيّة الشَّيخِ مُحمّد أحمد حُسين، عَميدُ دار المُصْطفَى للدِّراساتِ الإسْلاميّة باليَمَن الشَّيخِ الحبيبِ عُمْر بن مُحمّد بن حَفِيْظ، عميدُ كليةِ أُصْولِ الدِّينِ في جَامِعْة الأزْهَر الشّريف الدكتورِ بكر زكي عوض، وبمديرِ مؤسَّسةِ الخوئي الخيريّة في بريطانيا السيِّد جَواد الخُوئيّ، والذي انْضَمَّ كعضوٍ مُراسلٍ في المؤسَّسة.بدوره، أكد المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو» الدكتور عبدالعزيز التويجري بأن أمتنا بأشد الحاجة اليوم إلى خطاب الحكمة والعقل وروح التسامح والفضل، والى سياسات البناء والعدل واحترام الكرامة الانسانية التي هي من تعاليم الإسلام وهدي خير الانام. وقال إن موضوع هذا المؤتمر على قدر كبير من الاهمية في هذه الظروف الخطيرة التي تحيط بالعالم الاسلامي، والتي اختلط فيها الحابل بالنابل وتردت الاوضاع وتدهورت في اكثر من بلد، الامر الذي اصبح يشكل خطراً كبيراً على سلامة الاوطان وامنها واستقرارها. وبين التويجري أن الحكم الرشيد الذي يقوم على الشورى والعدل والمشاركة البناءة ويحفظ حقوق الانسان ويصون كرامته هو المطلب الذي تتطلع إليه كل شعوب العالم الاسلامي، وان ما يجري اليوم في العديد من دول العالم الاسلامي من فتن وصراعات وحروب وسفك للدماء يثير الأسى والحزن في نفوس كل الغيورين على هذه الامة والمخلصين لها، متسائلا مالنا تركنا ساحات البناء والنماء والتقدم والتطور والتساكن والتسامح الى ساحات الهدم والتدمير والعداوة والبغضاء.وقال إن مسؤولية المخلصين من الحكام والعلماء والمثقفين، اليوم وفي كل حين، ان يبادروا الى تدارك احوال هذه الامة والعمل بكل جد واخلاص لصرفها عن طريق العداوات والتدمير وجمع كلمتها المتفرقة وتوفير طاقاتها المهدرة وانقاذها من التردي في مهاوي الفوضى الهدامة والفتن العمياء التي يريدها لها اعداؤها ويعملون على تحقيقها ويفرحون بها.وقام سمو الأمير غازي، الذي يرأس مجلس أمناء مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي، بتسليم شهادات العضوية للأعضاء الجُدد العاملين وعددهم ثلاثة ولعضو واحد مراسل .وفي تصريح خاص إلى «الرأي» مدير عام المؤسسة الدكتور منور المهيد، ان الهدف من عقد هذا المؤتمر هو الوصول الى نموذج دولة اسلامية حديثة ومستدامة قادرة على الاستمرار.واضاف أن دور العلماء والمفكرين المسلمين هو محاولة الوصول الى دولة اسلامية معاصرة، خصوصا في ظل الظروف المؤسفة التي يشهدها العالم العربي في الوقت الراهن بعيدا عن المفاهيم المتحيزة لاطراف معينة او حتى اشخاص معينين والذين يؤثرون بشكل كبير وعلى اعداد كبيرة من الناس.واشار المهيد الى ان نموذج الدولة الاسلامية المعاصرة التي نطمح بالوصول اليها قائمة على المنظور الاسلامي وبالنظر الى التجربة الغربية للوصول للمعنى الفعلي للدولة مستندين إلى الامتداد التاريخي ثم الامتداد المعاصر.وبين المهيد أن عقد هذا المؤتمر جاء للخروج بتوصيات للوصول للنموذج الامثل للدولة الاسلامية الحديثة الامنة والقادرة على الاستمرار ومن جميع الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.وأضاف إن المؤتمرين «سيقدمون تصورا معينا لمفهوم الدولة الإسلامية المعاصرة التي تستمد اسباب استمراريتها من خدمة شعبها ومواطنيها»، اضافة الى طرح وجهة النظر الفكرية الإسلامية حول هذا الموضوع، ومقارنة بين المفاهيم الغربية الإسلامية، مشيراً إلى أن دول العالم العربي والإسلامي جميعها لها خلفيات واحدة وتجارب متشابهة، مبينا أن المؤتمر يهدف أيضاً إلى توضيح الفكر الإسلامي وما يتضمّنه من مبادئ للحفاظ على حقوق الناس وحرياتهم في ظل دولة إسلامية قابلة للاستمرار.وحول توقيت انعقاد المؤتمر، أوضح المهيد أن سبب ذلك هو الظروف التي تمر بها دول العالم العربي والإسلامي، بالإضافة إلى سعي المؤسسة الدائم لإبراز الموقف الإسلامي المعاصر من القضايا التي تواجه العالم العربي والإسلامي ومحاولة تقديم رؤية عصرية لمفهوم مشروع الدولة الحديثة في الإسلام.ولفت الى أن المؤسسة تعكس خطاب الأردن الذي يدعو إلى الاعتدال والوسطية والسماحة والانفتاح على العصر والإجابة على أسئلته والبحث عن حلول تنسجم مع القيم الإسلامية السمحة. وقال المهيد إن المؤتمر بحد ذاته يعتبر انجازا من إنجازات المؤسسة، وستصدر في نهاية أعماله كتيبا خاصا يتضمن الأفكار والأهداف التي خلص إليها المفكرون.وحول أعمال المؤتمر قال مُفتي القُدْسِ والدِّيارِ الفِلِسْطِيْنيّة الشَّيخِ مُحمّد أحمد حُسين في حديث خاص إلى «الرأي» :»إن الوصول إلى تصور وجود دولة اسلامية هو العودة إلى الأصول».ودعا المسلمين في الدول العربية، التي تمر في ظروف مضطربة مثل مصر وسوريا إلى تحكيم العقل واللجوء إلى لغة الحوار تجنبا للحروب الأهلية المدمرة، التي من شأنها تفتيت الدولة وكيانها.وأشار إلى ان الحوار السبيل إلى التوصل إلى حلول لجميع الإختلافات، للوصول إلى توافقات ترضي الجميع.ورفض حسين الدعوات التي تطلق من قبل بعض الجماعات إلى قتل المسلم لأخخيه المسلم، مبينا ان الإسلام حرم قتل المسلم لأخيه، مؤكدا أن لالدين الإسلامي لا يدعو إلى القتال من اجل الوصول للسلطة.وأشاد بالمؤتمر، الذي من شأنه للوصول إلى تصور للدولة الإسلامية المعاصرة، قابلة للاستمرار.مديرِ مؤسَّسةِ الخوئي الخيريّة في بريطانيا السيِّد جَواد الخُوئي اشاد بدور أكاديمية آل البيت التي تعمل على لم شمل علماء الأمة من جميع المشارب والمدارس.واعتبر الخوئي ان الجماعات التي تتخذ من العنف للوصل إلى السلطة وسيلة لها قرائتها ناقصة ، لأن الدين الاسلامي لم يأمر بتنفيذ تعاليمه واوامره بالقوة، بل يدعو إلى الإعتدال دائما في رسالته.وبين أن أيدولوجية القتل غريبة دخلت الاسلام، مؤكدا أن الجهاد لا يجوز تسميته عند قتل المسلمين لبعضهم وقتل أطفالهم.الدكتور مهدي الصميدعي من العراق :»ان مشروع تطبيق دولة حديثة في ظل هذه الظروف امر في غاية الاهمية وان الامة بحاجة الى العودة الى روح الاسلام و الى اهمية ارساء مبادئ الدين الحنيف في الحكم وايجاد لغة مشتركة تجمع المسلمين على ذلك.واكد الصميدعي ان الاسلام معتدل بحد ذاته وان اساس الدين الاسلامي هو اقامة العدل والانصاف والاعتدال ، وان الاسلام يتجرد من مفاهيم تداخلت لدى البعض بان الدين هو دين متطرف، بل على العكس من ذلك تماماً، مشيرا إلى ان مشروع اقامة دولة اسلامية مستدامة وحديثة هي من سمات الدين الاسلامي الحنيف واحد ركائزه كونه وجد لكل مكان وزمان.واشار الصميدعي ان الخروج من الازمة الحالية والتي تمر بها عواصم عدة في العالم العربي تتطلب شراكة حقيقية من مختلف شرائح المجتمعية واتخاذ موقف شامل يوحد رايهم في الدولة والعمل على بث خطاب الحرية والعدالة والتسامح بعيدا عن العنف واثارة الفتن في صفوف الشعوب.رئيس جمعية علماء العراق الدكتور احمد الكبيسي قال يتطلب قيام الدولة الاسلامية شروط واسس اسلامية بعيدا عن التدخلات الخارجية في السياسات المحلية لاي دولة .وقال المؤرخ التاريخي للمملكة المغربية الدكتور عبد الهادي التازي :»ان اقامة مشروع الدولة الاسلامية الحديثة، يتطلب من قبل السلطة الحاكمة في قبول الاخر وتقبل الراي وان كان مخالفاً لواجهاتهم السياسية، ولأن ولاة الامر مسؤولين عن المجتمع بمختلف اطيافة ولا يمكن اقصاء طرف منهم وهم احد عناصر العملية الديموقراطية التي يتميز بها.واضاف التازي ان مشروع الدولة الاسلامية المستدامة والذي يعد روح المسؤولية وامر في غاية الاهمية والذي نص عليه القران الكريم الداعي ب بعدم اقصاء والاخذ بجميع الاراء والتوجهات الفكرية.في الوقت الذي اجمع فيه وزير الاوقاف ورئيس ديوان الوقف السني في العراق الدكتور احمد السامرائي ونظيره الشيعي الدكتور صالح الحيدري ان احد مقومات الدولة الاسلامية وشرط استدامتها توفر الامن السلام والاخذ براي اهل الحكمة من كبار المشايخ والحكماء، وعدم الاعتماد على التطرف في ادارة البلاد، بالرغم من الاختلاف في الملل والعقائد وقبول الراي الاخر.مهدي حوقن وقال الدكتور مهدي حوقن من ايران ان اهمية المؤتمر كبيرة جدا وهي تكمن في وجود هذه الكوكبة من المفكرين والعلماء من مختلف المذاهب والمدارس الدينية. وزاد الدكتور حوقن ان هذا الحشد المتنوع التوجهات سيتبادل الآراء والافكار حول المشاكل والتحديات التي تواجه الامة وسبل حلها والتعامل معها.الشيخ محمد عسيرانوقال المفتي الجعفري في لبنان سماحة الشيخ محمد عسيران ان هذا المؤتمر الذي تعقده مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الاسلامي لإعادة النظر وإجراء الدراسات حول الدولة الاسلامية الحديثة وهو محاولة جادة لاعادة اللحمة بين المسلمين انفسهم اولا ومع غيرهم ثانيا لان العالم بأجمعه يحتاج الى تآلف ومحبة وقراءة عصرية عقلانية ومتأنية. واضاف سماحة الشيخ عسيران ان مثل هذا الاجراء مطلوب ولازم لكي نثبت للعالم ان الاسلام دين حياة ودين دولة في نفس الوقت كما انه يعتني بالإنسان وضرورة احترامه وتكريمه، مسلما كان أو غير مسلم، وبالتالي لكي يبعد عنه شبح الارهاب والكراهية بل انه دين رحمة وتراحم وتعاون وانسانية شاملة.الدكتور حسين الثقفي وقال نائب رئيس جامعة مركز الثقافة السنية في ولاية كيرالا بالهند الدكتور حسين محمد الثقفي ان المؤتمر يشكل فرصة مناسبة لجمع شمل الامة وتبادل الآراء والافكار حول التحديات والمشكلات الفكرية والثقافية والحضارية التي تواجه الامة وسبل مواجهتها والتعامل معها. ولفت الدكتور الثقفي إلى ان المحاور التي يتضمنها المؤتمر في غاية الاهمية خاصة ما يتعلق بالعلاقة بين الدولة المدنية والمؤسسة الدينية، وان الاسلام دين ودنيا وهو شامل لكل ما يصلح حياة الانسان في دنياه وآخرته.الدكتور عثمان بوقاجيوقال الدكتور عثمان بوقاجي من جامعة أحمد بلوزاريا بنيجيريا ان أهمية المؤتمر تكمن ان محاوره وموضوعاته ساخنة ومهمة للامة بأسرها، معربا عن الامل بان يتم الخروج بتوصيات تشكل قواسم مشتركة تخدم الامة الاسلامية ومذاهبها وتياراتها المختلفة.يذكر أن مؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي تأسست العام 1980 باسم المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت)، وتضم حوالي 130 عضواً من كبار العلماء والمفكرين من أكثر من أربعين دولة في العالم، ويرأس مجلس أمنائها المكون من سبعة أعضاء سمو الأمير غازي بن محمد كبير المستشارين لجلالة الملك للشؤون الدينية والثقافية والمبعوث الشخصي.وتهدف المؤسسة إلى التعريف بالدين والفكر الإسلامي وتصحيح المفاهيم والأفكار غير السليمة عن الإسلام، وإبراز تصور إسلامي معاصر لقيم المجتمع ومواجهة قضايا العصر ومشكلاته وتحدياته بمواقف وحلول علمية إسلامية من هدي الكتاب والسنّة، وإبراز نظرة الإسلام لآل البيت الأطهار وإنجازاتهم في التاريخ وبناء الحضارة الإسلامية، والنهوض بالدراسات والبحوث الإسلامية في مختلف فروع المعرفة الإسلامية، وتعميق الحوار وترسيخ التعاون بين علماء المذاهب الإسلامية لتحقيق أقصى مدى للتقريب بينهم.أوراق عمل تبحث في مفاهيم الدولة والعقد الاجتماعي ومدنيتهاعمان - بترا - واصل المؤتمر العام السادس عشر لأكاديمية آل البيت الملكية امس الاثنين أعماله تحت عنوان: «مشروع دولة اسلامية معاصرة قابلة للاستمرار ومستدامة». محمد حسينوقدم الداعية محمد أحمد حسين ورقة بعنوان: «حقوق وواجبات غير المسلمين في الدولة الاسلامية»، تناول فيها أحكام الذميين والمستأمنين وحقوقهم في الدولة الاسلامية وحمايتها الجزائية، مشيرا الى مفهوم من هم غير المسلمين في الدولة الاسلامية والقواعد والأسس العامة لمعاملتهم وحقوقهم العامة والخاصة والسياسية وما يترتب عليهم من واجبات.وبين ان الاسلام جاء شموليا لجميع الناس وان النبي محمد صلى الله عليه وسلم، بعث للناس كافة، دون النظر لجنسهم أو لونهم أو لغ