الإسلام في قصة الحضارةدارت معارك طاحنة في فتح العراق والشام، وكان خالد بن الوليد رضي الله عنه، هو الشخصية العسكرية الأبرز، ولعل انتقاله لجبهة الشام، وتحركاته ومناوراته المدهشة في ذلك، تجعله أهم قائد عسكري في التاريخ، أكثر أهمية من الإسكندر المقدوني، وهنيبعل، ونابليون، فجميعهم هزموا في معاركهم الفاصلة، ولكن ابن الوليد، هو الوحيد، من قادة العمليات العسكرية الواسعة والفتوحات، الذي أنجز مهمته التاريخية كاملة، فوصفُ النبي، صلى الله عليه وسلم، لخالد، بأنه سيف الله المسلول، كان يعبر الأزمنة. ذلك كله كان يسبب القلق للخليفة عمر بن الخطاب، وهو في مكانه بالمدينة المنورة، فالإسلام يقوم على أساس مبادئه، وليس يستند إلى الرجال والأشخاص، وكانت خشية الفاروق أن يفتتن الناس بخالد، وأن يعزوا النصر له، خاصة أن الشخصية العربية تميل إلى التعلق بالبطولة وتجعل الأبطال في مرتبة متقدمة كانت تصل إلى التقديس، ولذلك فأسماء القبائل العربية، في كثير من الحالات كانت تنسب إلى رجال استثنائيين في تاريخ القبيلة، وعند ظهور رجل جديد كانت قبيلة جديدة على موعدها مع الظهور والاستقلال، هذه الاعتبارات كانت تقلق الفاروق، فالإسلام هو دين وعقيدة، ويجب أن يدرك المسلمون جميعا، أن ما يصلون إليه هو بتوفيق من الله عزوجل، ونصر منه، ما داموا ينصرونه بتطبيق تعاليمه والالتزام بالمبادئ الإسلامية، فما كان خالد لولا الإسلام إلا أحد أثرياء قريش الذين يمكن أن يتزعموا القبيلة في غزوة صغيرة هنا أو هناك.أخذ المتملقون والشعراء يتزلفون إلى خالد بن الوليد، وكان أن أعطى خالد للأشعث بن قيس عشرة آلاف درهم بعد أن مدحه في قصيدة، وهذا التصرف لم يكن مخالفة كبيرة في وقته، فهذه عادة عربية، وإن تكن ليست إسلامية، ولكنها ليست مخالفة شرعية على أية حال، ولكن الأمر أقلق الفاروق كثيرا، فمن أين المال، هل من بيت المال، أم من مال خالد الخاص، في الحالة الأولى فإن ذلك جريمة، وفي الثانية فهو إسراف، وفي الحالتين، كان قرار عمر العزل، وكان ابن الوليد ليس مهتما بأن يعزل.وهنا تأتي عظمة شخصيته ويتضح مدى تهذيب الإسلام لهذه الشخصية، فهو كان مهتما ببراءته من تبديد مال المسلمين، وليس خسارته لمنصب القيادة، ولو كان ابن الوليد قائدا رومانيا، لفعل كما حدث في مرات كثيرة في تاريخ روما، واستدار بجيشه لمحاربة عمر بن الخطاب في المدينة، ولكنه انصاع كجندي مخلص وعبد لا يرتضي سوى أن يعز الله به الإسلام، صحيح أن خالد عاتب الفاروق على قراره، وأبدى احتجاجه، ولكن ذلك في إطار رغبته في أن يواصل الفتوحات في مصر وشمال افريقيا، وليس لأية مغانم أو مكاسب، كما أن الحوار بين الصحابيين الجليلين كان يستند على مكانة كل منهما، وعلى صلة من القرابة بين خالد وعمر، رضي الله عنهما.كان عمر يريد أن يوصل رسالته لجموع المسلمين وأن يوضح موقفه، فقال: ((إني لم أعزل خالدا عن سخطة ولا خيانة، ولكن الناس فتنوا به، فخفت أن يوكلوا إليه ويبتلوا به، فأحببت أن يعلموا أن الله هو الصانع، وألا يكونوا بعرض فتنة.))، وكان عمر بن الخطاب على حق وكل الحق، فالفتوحات تواصلت، وتتضح بعد سنوات، مكانة خالد لدى عمر، بما لا يقبل تشكيك من أحد، فلدى وفاة خالد انتحبت قريباته بصورة هستيرية، فطلب البعض من عمر أن ينهاهن، فكان في حزنه يرد على الصحابة والمسلمين «وما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة، على مثله تبكي البواكي»، بمعنى أن ذلك الحزن هو ما يليق بخالد بن الوليد. اضاءات شرحبيل بن حسنة من موالي قريش الذين أدركوا الإسلام وكان من المهاجرين إلى الحبشة، نسب إلى أمه، وهي حسنة العدوية من قريش، ولا يعني ذلك أنه كان مجهول النسب، ولكن أباه لم يكن يمتلك نسبا ممتدا ومعروفا، فكانت قريش تنسبه إلى أمه، والمرجح أنه ينتمي إلى قبيلة كندة اليمنية، وتميز شرحبيل بشجاعته ورباطة جأشه، وكان من قادة المسلمين في فتح الشام، وفي طاعون عمواس واجه «عَمراً بن العاص» الذي طلب من المسلمين أن يتفرقوا في الشعاب والأودية هربا من المرض، بينما كان شرحبيل يقدّر أن الانسحاب سيجعل من الجيش مفتتا ومفككا، فطلب أن يلوذ المسلمون بمكانهم، وأن يرتضي من يتخيره الموت بالشهادة في سبيل الله عزوجل. كان شرحبيل من المقربين للنبي، صلى الله عليه وسلم، حتى أن حماته الشفاء بنت عبد الله، لامته يوما على عدم خروجه للصلاة وبقائه في المنزل، فقالت زوجته أن لشرحبيل ثوبين استعار أحدهما النبي، وكان شرحبيل من أحد القلة التي تجيد القراءة والكتابة في قريش، وأحد كتبة الوحي، يروى أن شرحبيل استشهد نتيجة إصابة بليغة لحقت به في موقعة اليرموك، أو من آثار طاعون عمواس، إلا أن الاختلاف على وفاته يأتي بسبب أنه كان يتحرك كثيرا بين جيوش الفتح وجبهاته، وكأنه يسعى إلى الشهادة ويريدها دون أي شيء آخر، وقبره اليوم موجود في مدينة صيدا في جنوب لبنان في منطقة تعرف باسمه.
ملامح في شخصية القائد خالد بن الوليد
12:00 1-8-2013
آخر تعديل :
الخميس