- -

النبوة في آل هاشم

النبوة في آل هاشم

سامح المحاريق - أتى الأمر الإلهي بأن يصدع النبي الكريم بالدعوة، وكانت هذه خطوة كشفت عيوب قريش وتناقضاتها، فعلى الرغم من أن قريش ثبتت حقيقة أنها لم تعهد على النبي كذبا، وأنها تصدقه في أي شيء مهما يكن، إلا أنها وقفت وبعنف أمام دعوته إلى دين يقوم على التوحيد، ويلغي نظامها القائم.ولم تكن المشكلة لدى قريش، وسادتها، هي واحدة بالمطلق، فالآراء تباينت، ففريق تمسك بالمصالح الخاصة التي تضمنها التجارة حول مكة، وروابطها مع عبادة الأصنام وما يستتبع ذلك، كموقف عم النبي، عبد العزى بن عبد المطلب، الذي لقبه النبي بأبي لهب، وكان أول من كذب النبي في شأن الدعوة، وعمل على مضايقة النبي ومحاصرته بمختلف أنواع الأذى.فريق آخر، رأى أن المشكلة تكمن في النبوة التي خرجت من آل هاشم، وما سيتسبب ذلك فيه من سيادة لهم على بقية بطون قريش، وعلى رأس هذا الفريق كان عمرو بن هشام المخزومي، الذي وصفه المسلمون بأبي جهل، والجهل لا يعني في هذه الحالة انعدام المعرفة، فالرجل كان من سادة قريش، وأكثرهم رجحانا في الرأي، ومن داخله، كان يعلم أنه على خطأ وأن النبي على صواب، وهو الأمر الذي كان يعرفه النبي، لذلك توجه بدعوته، أن يعز الله الإسلام بأحد العمرين، عمر بن الخطاب، أو عمرو بن هشام، والجهل الذي يقصد في نسبته للأخير، هو المكابرة واختصار أمر الدعوة الإسلامية في مناكفة قبلية محدودة. عدا عن الفريقين، كان فريق في قريش يسعى إلى احتواء النبي، فهو من وجهة نظرهم يستحق مكانة كبيرة في القبيلة، ويمكن أن يكون زعيمها، وليس لديهم غضاضة في ذلك، وكان منهم طائفة كبيرة من قريش، وهم العدويون وبنو زهرة، فمن ناحية لم يكونوا يناصبون الهاشميين عداءات سابقة قبل الإسلام، ورأوا أن منطق أبي جهل مغلوط ويعبر عن ضغائن قبلية أعلنها صريحة في مقولته: ((كنَّا وبني هاشم كفرسي رهان ، نحمل إذا حملوا ، ونظعن إذا ظعنوا ، ونوقد إذا أوقدوا ، فلما استوى بنا وبهم الركب قال قائل منهم: منا نبي ! لا نرضى بذلك أن يكون في بني هاشم ولا يكون في بني مخزوم))، ولكنهم أخذوا منطقا لا يقل انتهازية في ذلك، فقال بعض منهم: (( هذا ابن بنتكم، إن غلب الناس كلا فعزه وشرفه لكم، وإن غلبته العرب كفتكم إياه))، ولكن ما لم تكن تقبله قريش على اختلاف بطونها، وبعضهم من أقارب النبي من بني هاشم، التغيير الذي كان يؤسسه النبي ليقوض النظام الطبقي القائم على العبودية واستغلال المستضعفين، فذلك يعني إنهاء سيطرة المكيين التجارية في حالة تحرير العبيد، والاستقرار بالمساواة في المجتمع المكي، وكان نصيب الفئات التي دخلت في الإسلام من العبيد من العذاب والتنكيل تعبر عن عدوانية قريش في هذه المسألة تحديدا، وكانت أسماء بعض الصحابة الأوائل مثل بلال بن رباح وآل ياسر تعلن عن خلاصة الوحشية في الروح القبلية العربية، ولذلك كان يتوجب على الرسالة أن تخرج من مكة، أن تجد لها مجالا آخر بين العرب، وأن تبتعد عن المعادلة القائمة في مكة.لذلك بدأت محاولات النبي للتواصل مع القبائل العربية، وبعضها لم يكن محملا أصلا بميراث من الحقد والضغينة كحالة بطون قريش، بينما أبدى بعض آخر ما يفوق أهل مكة في الجهل والجحود مثل قبائل الطائف، ويمكن أن يستخلص بصورة أو بأخرى أن القبائل التي تآلفت قبليا وتجاريا مع قريش كانت تتخذ موقفا سلبيا من الدعوة، بينما القبائل البعيدة عن الإيلاف القرشي كانت أكثر انفتاحا ناحية الدعوة الإسلامية. إضاءات بلال بن رباح كان الأحباش يرزحون في أدنى السلم الاجتماعي في مكة، وغيرها من الحواضر العربية، فالعنصرية العربية كانت تقوم على التمييز بناء على النسب، وعلى الوفرة المالية، إلا أن التمييز العرقي القائم على أساس اللون طالما بقي الأكثر قسوة وفجورا، ولم يكن لبلال بن رباح المملوك لأمية بن خلف الجمحي أن يطمح لمجرد الاعتراف بإنسانيته.لكن ، ومع دخوله في الإسلام جعله يكتسب الثقة اللازمة التي دفعته لتحدي سيده، والصمود أمامه وهو يتمسك بالإسلام، فالاعتراف الذي منحه الإسلام لبلال بأنه على نفس القدر من الإنسانية الذي لأسياده جعله يشعر أن الغاية النهائية من حياته تحققت، وأمام فجور أمية بن خلف في تعذيب بلال لم يكن إلا التدخل لشرائه من قبل أبو بكر الصديق، وعتقه، وبقي في نفس بلال شيء من العبودية، فهو يتقدم وأخوه لخطبة فتاتين فيقول: ((نا بلال وهذا أخي، عبدان من الحبشة، كنا ضالين فهدانا الله، وكنا عبدين فأعتقنا الله، ان تزوجونا فالحمد لله، وان تمنعونا فالله أكبر.)) لذلك كان النبي يصر على التأكيد على حق بلال في المساواة مع غيره، فهو يجعله أخا لأبي عبيدة بن الجراح في المدينة، من رؤوس بطن فهر من قريش، ويجعله مستأمنا على الآذان الذي يدعو المسلمين للصلاة، فكأنه في لحظات الآذان يتحول إلى الشخصية المركزية في مجتمع المسلمين بالمدينة، والشخص الذي يلبون جميعا دعوته إلى المسجد، بعد أن كان شخصا لا يحفل به، ولا يلبى له طلب أو رجاء.