ما جاء في الورقة الرابعة وهي الأحدث من أوراق جلالة الملك عبد الله الثاني النقاشية يتصل بـ « التمكين الديموقراطي « وهو ما وعدتُ القراء الكرام بأن اتحدث عنه في هذا المقال .
أفهم أن ”التمكين» يعني الترسيخ ويتصل بالقدرة والكفاءة وجودة المستوى ، فإذا أضيف الى « الديموقراطي» أصبح يعني أن تترسخ الديموقراطية في بلادنا ، وأن تصبح نهج حياة ثابتاً ، متجذراً ، دون أن يعني الثبات ( الجمود) أو ( التوقف ) عن التطور .
أيضاً يبدو من الورقة الملكية ، أن « تمكين الديموقراطية « يشير إلى وجودها فعلاً ، ويعني أنها قلقة ، وغير ثابتة ، ولم تشكّل نهج حياتنا بعد ! وهذا صحيح .
وأُحسّ أننا في حاجة ماسّة إلى مثل هذا الترسيخ ونحن نتابع بقلق بعض ما يحدث في بلدنا على مستويات مختلفة من تراجع للمسيرة الديموقراطية ، ليس على المستوى السياسي ولا الرسمي فحسب ، بل أيضاً على المستوى الشعبي والاجتماعي ، من قصور قوانين الاحزاب والانتخاب إلى تصاعد العنف الاجتماعي وتراجع مستوى التعليم ومردوده المجتمعي .. الخ .
لقد أشرت في المقال السابق إلى أن الديموقراطية مسألة ثقافية وتربوية ، بمعنى أنها ينبغي أن تكون ذات سمة تراكمية ، من حيث الزمن ، وذات مضمون تربوي يبدأ من التنشئة البيئية مروراً بالمدرسة ، والجامعة ، والجماعات الشبابية ، والمجتمع المدني ( النقابات ) والأحزاب السياسية وصولاً الى ممارسة الحقوق السياسية التي ينبغي أن تقوم على أساس « المواطنة الفاعلة « .
وهذا المصطلح الاخير جاء ذكره في الورقة الملكية ، وهو يتساوق مع المفهوم العام للدولة المدنية التي تتأسس على العدالة الاجتماعية والمساواة والحقوق الانسانية وتكافؤ الفرص ، دون أن يتأثر ذلك بالتمييز بسبب الدين أو العرق أو الجنس أو الجهة أو المستوى الاجتماعي أو أي سبب آخر .. وفي ذلك ايحاء صحيح بأننا لم نصل الى الدولة المدنية بالمعنى المعروف في العلوم السياسية والاجتماعية .
وإذا استطعنا أن نصل إلى مستوى « المواطنة الفاعلة « فهذا يأخذنا إلى المشاركة الشعبية في صنع القرار الوطني العام سواء أكان سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً .. وهنا مربط الفرس ، كما يقولون ، فالمشاركة الشعبية الواسعة هي الهدف ، وكلما اتسعت رقعتها كلّما أدى ذلك إلى ترسيخ الديموقراطية أي « التمكين الديموقراطي « .
بالطبع هناك مداولات كثيرة يمكن طرحها حول هذا الموضوع ، فتشجيع المشاركة الشعبية وتوسيع مظلتها ، يتطلب من القوانين الناظمة لها أن تكون قادرة على النهوض الى مستوى الطموحات والتطلعات الأمر الذي يعني مراجعة كثير من التشريعات النافذة ، واستحداث تشريعات جديدة مناسبة توصف عادة بـ « العصرية» لتواكب الزمان وتلاحق تطورات العالم المتصلة بهذا الموضوع ، عن كثب .
ولا بد من الحذر والالتزام بالموضوعية والانتباه الى ميزان العدالة والمساواة ، هنا ، في تعميم النهج الديموقراطي ، من جهة ، وفي ممارسة المشاركة الشعبية بحيث لا تبقى هناك أية فئات مهمشة أو متعرضة للإقصاء والعزل بغير وجه حق ! من جهة أخرى.
نحن أمام معادلات صعبة ، قد لا نصل إليها بِيُسْرٍ وسهولة ، وقد تحتاج إلى الوقت الكافي ، فالتمكين الديموقراطي المنشود لا يتحقق بـ « كبسة زر « ولا بـ « ريموت كنترول « ! إنه ليس طبخة جاهزة !! وهنا نتساءل إن كنا في سباق مع الزمن !!
[email protected]