محمد رفيع: تلكَ هي طبيعةُ الزمان: أممٌ تعقبُ امماً، وثقافاتٌ تغمرُ بعضها. اما المكان، فيبقى الوعاءَ الحاضنَ لكلّ تلك التعاقبات العنيفة.كريتُ الجزيرة، وبحرُها، وعلى الرغم من كلّ تحوّلات في الزمان فيها، فإنّ الجزيرة وبحرُها يظلّان شاهدين، فاصلين، بين ثقافتين، بخليطهما العجيب والمعقّد في آنٍ معاً. وفي متاحفها، ترى تناقضات العالم ومفارقاته، بمعارفه وتاريخه ويقينه. هناكَ، حيثُ الشواهد الملموسة على تواصل لُعبة الأمم العنيفة؛ برٌّ يُسْلِمُكَ الى برٍّ آخر، وَبحرٌ يقذفُكَ الى بطن بحرٍ يليه ..!؟ حقائق- كريت وباليونانية كريتي هي أكبر الجزر اليونانية وخامس أكبر جزيرة في البحر الأبيض المتوسط. وهي تطل على بحر إيجة، ويُعتقد أنّ (الفلستيّون) الذين سكنوا في فلسطين في القرن الثالث عشر قبل الميلاد جاؤوا منها. - أطلق عليها العرب، منذ القرن السابع الميلادي، اسم (إقريطِش)، وعرفت عند الأتراك العثمانيين باسم (كريد)، أما أتراك اليوم فيسمونها (جِريت). - عاصمة جزيرة كريت كانت مدينة كانديا (الخندق)، وهو اسم أطلقه العرب الأندلسيون عندما حكموا كريت، أما عاصمتها اليوم فهي مدينة (هرقليون). - وبسبب قُرب جزيرة كريت من السواحل العربية في مصر وشمال إفريقيا فقد كانت مطمعاً للعرب في احتلالها لكسر الحصار الجزئي الذي فرضته الدولة البيزنطية (الروم) على التجارة البحرية والملاحة في البحر الأبيض المتوسط. - وفي تلك الحرب الطاحنة، لعب العرب المهاجرون من أهل الأندلس دوراً مهماً في الاستيلاء على جزيرة كريت (إقريطش)، وبذلك فكّوا الحصار الجزئي على التجارة عبر البحر الأبيض المتوسط. - بهجرة كثير من الأندلسيين، بعد اختلافهم مع الحكم الأموي، ووصولهم إلى مدينة الإسكندرية بمصر، حيث كانت لديهم مراكب وسفن كثيرة، انتقل هؤلاء الأندلسيون بمساعدة الحكم العباسي إلى جزيرة كريت (إقرِيطش)، حيث نجحوا عام827م في احتلال قلعة بيزنطية كبيرة، وبعد سنة نجحوا في طرد البيزنطيين من الجزيرة كلّها، وذلك بعد انضمام مهاجرين أندلسيين جدد إليهم.- في أواخر النصف الاول للقرن التاسع الميلادي، تزعزعت سيطرة الدولة البيزنطية على البحر الأبيض المتوسط بشكل خطير، في أعقاب الهزائم المتكررة، التي منيت بها على يد المهاجرين العرب الأندلسيين في كريت والأغالبة في جزيرة صقلية.- في الفترة اللاحقة، نجح الخليفة العباسي المتوكل على الله في صدّ هجمات الروم على مصر وعلى الثغور الشامية، بينما ثَبَّتَ المهاجرون الأندلسيون أقدامهم في جزيرة كريت فكان من الصعب على الدولة البيزنطية اقتلاعهم.- في العام 1204م، وخلال الحملة الفرنجيّة الرابعة، اشترت جمهورية البندقية جزيرة كريت، وحكم البنادقة الجزيرة حكماً استبدادياً حاولوا خلاله نشر المذهب الكاثوليكي بين سكانها الذين كانوا يعتنقون المذهب الأرثوذكسي، فهاجر الكثير من أهل الجزيرة إلى البلاد الإسلامية، واعتنق الكثير منهم الإسلام. - في القرن السابع عشر الميلادي، استنجد أهل الجزيرة بالأتراك العثمانيين لتخليصهم من حكم البنادقة، فأرسل العثمانيون حملة لفتح كريت، وتمكّنوا عام 1669م من احتلال الجزيرة، فعاد الحكم الإسلامي لجزيرة كريت مرة ثانية، وعاد المذهب الأرثوذكسي. - ساد التسامح الديني في الجزيرة، بعد احتلالها من قبل العثمانيين، وأمام تسامح المسلمين اعتنق نصف سكان الجزيرة الإسلام، ولم يحاول العثمانيون تغيير لغة الجزيرة أو التدخل في دين أهلها، ولكن اليونانيون ثاروا في شبه جزيرة المورة، وأعلنوا في العام 1866م العصيان في كريت بتحريض من بعض الدول الكبرى خاصة روسيا. - وخلال ذلك العصيان تعرض المسلمون لحملة إبادة كبيرة. وفي تلك السنة أصدر السلطان فرماناً يقضي بإعفاء السكان من دفع الضرائب ومن الخدمة العسكرية. غير انّ الأمور تفاقمت في كريت، وازدادت سوءاً، ما أدّى إلى تدويل الجزيرة سنة 1896م، وانسحاب الأتراك العثمانيين منها عام 1898م. - بعد انسحاب العثمانيين، هاجر عشرات الآلاف من المسلمين إلى تركيا وسوريا ومصر ولبنان وليبيا. وأسكن السلطان عبد الحميد الثاني قسم من الكريتية في قرية تقع إلى الجنوب من مدينة طرطوس في سوريا، وقد سميت القرية باسم الحميدية نسبة إلى السلطان عبد الحميد. كا انّ بعض هؤلاء رحل إلى فلسطين حيث يسكنون اليوم في الجليل في قرى الرينة وكابول والمكر. - عرفت كريت حضارات متعدّدة ومتعاقبة، حيث بلغت فيها الحضارة المينيوية ذروتها في حوالي عام 1600 ق.م، وبعد قرن واحد تقريباً دمرت قصورها، بفعل الزلازل والبراكين. لذلك قيل إن سبب الكارثة قد يكون موجات مدّية عاتية وزلازل أصابت جزيرة كريت التي تبعد عنها حوالي سبعين ميلاً (100 كم)، تلاها هبوط غيوم من الرماد خربت حقولها. - فى عام 1941 استولى ألمانيا على اليونان وجزيرة كريت، حيثدام احتلال الألمان لها حتى عام 1945، حين هزم هتلر، فعادت إلى الحكم اليونانى هناك، وكذلك بحر كريت، وهو الجزء الجنوبى من بحر إيجه، الذي يقع بين جزيره كريت جنوبا وجزر سيكلانس شمالا.- ومن الطريف أن الكريتلية (وهو الأثر المصرى المشهور الذى يعرف حاليا باسم متحف جاير أندرسون ويقع بجوار مسجد أحمد بن طولون) سمّى بهذا الأسم لأن أصحاب البيت الأصلين كانوا من جزيرة كريت..!
كْرِيتْ وبَحْرُها: برٌّ يُسْلِمُكَ الى برٍّ.. وَبحرٌ يقذفُكَ الى بطن بحرٍ ..!؟
12:00 6-6-2013
آخر تعديل :
الخميس