هزاع البراري - لقد زاوجت الحواضر الأردنية منذ بواكير الحكم العثماني، بين حياة حضرية أنتجت قضاة وفقهاء وعلماء، وبين عشائر بدوية متحركة، شكلت واقعاً مغايراً توضح بشكل مؤثر بُعيد النصف الثاني لحكم العثمانيين، الذي دام قرابة أربعمائة عام، حيث أصبح الطابع البدوي سائداً، وقد لعبت عادات وتقاليد هذا المجتمع دوراً بارزاً في ملئ الفراغ الإداري، الذي نتج عن إهمال العثمانيين للمنطقة، وغياب مؤسسات المجتمع المدني الرسمية والأهلية. دفع هذا الواقع القبائل البدوية إلى تفعيل قوانينها مؤسساتها الخاصة، والتي تشكلت عبر عقود طويلة من الاعتماد على الذات، ونمط العيش المستقر، وكان القضاء العشائري أحد أبرز هذه الموروثات، وأكثرها حضوراً وتأثيراً، وقد تحول مع غياب الدولة العثمانية، إلى ضمانة اجتماعية لسلامة المجتمع، وحفظ حقوق الناس وحقن الدماء وصون الأعراض، وهو إرث حي مازال حاضراً وفاعلاً حتى يومنا هذا.الشيخ والقاضي العشائري علي بن يحيى الصرايرة، علامة فارقة في سلك القضاء العشائري، حيث شكل مع عدد من كبار القضاة على امتداد رقعة الوطن في تلك الفترة، حالة فريدة تمثلت في العمل الجاد من أجل تكريس العادات الجيدة، وحفظ الأمن والآمان من خلال القضاء العشائري، وإصلاح ذات البين، والمساهمة في بناء الدولة الأردنية منذ إعلان تأسيسها على يد الأمير عبد الله بن الحسين عام 1921، والشيخ والقاضي « ابن صرار « هو علي بن يحيى بن دخل الله الصرايرة، فهو ينتمي إلى عشيرة الصرايرة، التي تنتشر بين عدد من البلدات والقرى في محافظة الكرك، أبرزها مؤتة وسول والمزار الجنوبي.يعود أصل عشيرة الصرايرة بحسب ما ذكره الباحثان سليمان مد الله ومحمود محمد الصرايرة، إلى بلاد اليمن التي خرجت منها كثير من الهجرات العربية على مدى عقود متلاحقة، حيث هاجرت هذه العشيرة بحثاً عن الكلاء والماء، وقد انتسبوا من حيث التسمية إلى « جبل صرار « في منطقة « ماوية « الواقعة في محافظة تعز اليمنية، ولا يزال عدد كبير من أبناء هذه العشيرة يقيمون في اليمن باسم « السرايرة «، وقد هاجر جزء كبير من هذه العشيرة إلى مدينة « أملج « على البحر الأحمر في النصف الأول من القرن الثامن عشر الميلادي، ثم تحركوا شمالاً قاصدين مدينة غزة في فلسطين، وقد توزعت العشيرة بين مصر وفلسطين، في حين انتقل فرع من العشيرة إلى منطقة الكرك، ويعود هذا الفرع إلى جدهم « سليم الوحيد « الذي كان وحيد والديه، والذي أنجب « جبر « الذي أعبره الباحثان جد صرايرة الكرك، ولهذه العشيرة فروع في ناعور « العفيشات « وفرع انضم إلى عشائر عباد الصبيحي، وفرع العكاليك ضمن عشائر بني حسن، كما أن الروابدة يعود نسبهم الثاب إلى الصرايرة من قرية « سول «.وقد لعبت عشيرة الصرايرة دوراً بارزاً في الكرك، وبالتالي في الأردن، من خلال مشاركة رجالاتها في الأحداث السياسية والاجتماعية، خاصة منذ نهايات القرن التاسع عشر، فقد كان لهم دور في مواجهة بطش العثمانيين، خلال فترة حكم « الإمامة « التي كانت الدولة التركية تحكم من خلالهم، كما كان لهم حضور فاعل في « هية الكرك « وهي الثورة التي أطلقها أبناء الكرك ضد ممارسات عسكر الأتراك خلال إحصاء النفوس، وتنكيلهم بالناس، وقدمت العشيرة عدداً من الشهداء في هذه الثورة التي سجلها التاريخ، وكانت بمثابة المسمار الأول في نعش هذه الدولة المتهالكة هذه المنطقة.ولد شيخنا عام 1895 في بلدة مؤتة جنوب شرق مدينة الكرك، أي قبيل حلول فجر القرن العشرين، الذي حمل تحولات كبرى في المنطقة والعالم، وقد نشأ في بيت والده الشيخ يحيى مد الله الصرايرة، وهو شيخ له مكانته الكبيرة، وقاضٍ عشائري ذائع الصيت، وقد تعلم الشيخ علي في مدرسة والده، فأخذ عنه الصفات النبيلة والأخلاق الكريمة، وورث عنه الشيخة وأعباءها، كمان أن مهارته ومعرفته الكبيرة في أمور ودهاليز القضاء العشائري، جاءت من والده الذي قصده طلاب الحق من داخل الكرك وخارجها، حتى غدا واحداً من أبرز قضاة تلك الفترة، كما تعلم من والده أساليب الزعامة والسياسة، فقد كان والده يحيى الصرايرة كان أحد أعضاء بلدية الكرك عند تأسيسها عام 1893، حيث كان حاضراً في الحراك السياسي والاجتماعي في الكرك.ونهل من جامعة الحياة بعد مدرسة والده، حيث تميز بالذكاء والفطنة وسرعة البديهة، كما عرف بتواضعه وقربه من الناس، فكان محبوباً وصاحب حظوة داخل عشيرته وخارجها، وبعد وفاة والده استلم الشيخة، بالإضافة إلى أنه أصبح مختاراً للعشيرة منذ عشرينيات القرن الماضي وحتى وفاته، وكان من صفاته البارزة الكرم والبذل، وعرف بشجاعته في الحق، كما كان صاحب عطاء لا ينقطع، وقد أولى حل الخلافات وإصلاح ذات البين جل عنايته، فكان لا يلجأ إلى القضاء العشائري، إلا بعد استنفاد كافة سبل حل الخلاف بالتراضي.كان الشيخ والقاضي علي بن يحيى الصرايرة، من أبرز شيوخ وقضاة « الشراقا « في الكرك، فهو من أصحاب الحكمة والهدوء، وعندما أسس الأمير عبد الله إمارة شرق الأردن، معلناً انطلاق مسيرة الدولة الأردنية الحديثة، كان الشيخ علي أحد رجالات الأردن الأوفياء، الذي ساهموا من خلال دورهم الاجتماعي والعشائري، في جهود بناء الدولة الحديثة، حيث أصبح عضواً في المجلس الاستشاري لمحافظة الكرك حتى عام 1972، لذا لم يغب عن إعداد خطط تنمية المحافظة، وتوزيع مكاسب هذه التنمية المستمرة، لتشمل كافة مناطق المحافظة.بلغت شهرته في القضاء العشائري أرجاء الوطن، حتى أصبح يدعى من قبل الحكام الإداريين للحكم العشائري في قضايا في الضفة الغربية، وكان الحكام الإداريون يحيلون إليه القضايا الصعبة للحكم فيها، وقد صنف ضمن قضاة « المحامل « أو مناقع الدم « وهم القضاة الذين يحكمون بقضايا القتل ويتحملون مسؤولية أحكامهم، نظراً لتمتعهم بالخبرة الكبيرة والمعرفة الشاملة بأمور القضاء العشائري.بقي محافظاً على نهجه في عمل الخير، وخدمة الناس وقضاء حوائج أبناء منطقته، يساعد المحتاج ويرد الحق لصاحبه، ولم يتخل عن دوره في يوم من الأيام، حيث خدم وطنه وقائده بأمانة وإخلاص، وكرس سنوات عمره الطويلة، للعمل العام مشرعاً باب بيته للضيف وصاحب الحاجة، وبقي قابضاً على جمرة الولاء والعمل حتى وفاته عام 1984، حيث شيع جثمانه في بلدته مؤتة، تاركاً إرثاً طيباً لا يموت، ألا وهو الذكر الطيب والخلف الصالح، فما زال حاضراً بين الناس رغم سنين الغياب الطويلة.hbarari54@hotmail.com
علي يحيى الصرايرة.. شيخ حكيم وقاض عادل
12:00 27-5-2013
آخر تعديل :
الاثنين