لا ينتمي مفهوم «الصفقة» الى عالم التجارة والمال بقدر ما ينتمي الى عالم السياسة، على الرغم من كل ما فيه من ايحاء بذلك. فالمصدر اللغوي، الذي يأتي منه المفهوم «صَفَقَ: صفق الباب، أي أغلقه»، يحمل من الغموض أكثر مما يحمل من ايضاح المعنى. فالصفقة، بالمعنى التجاري والمالي، تدل على تبادل شيئين أو منفعتين، من طرفين، لينتهي الامر تماما بعدها. وهو ما لا يحمله المعنى المتداول بين الناس، اثناء استخدامهم لمفهوم الصفقة، الذي عادة ما يحمل اشياء سرية، أو غير قابلة للافصاح عنها، أو وجود أطراف اخرى لم يعلن عنها في الصفقة.
أما أسرار المفهوم، فلا تكشف عنه سوى السياسة، فالتفاهم صفقة. والتوافق صفقة. الاتفاق صفقة. التسويات صفقة والوساطات صفقة. والمصالحات، بما فيها اتفاقيات «الاطار» صفقة. وحل المشكلات، باتفاقيات خاصة، صفقة، كل ذلك وغيره هو اسماء أنيقة للصفقة، توخيا من تكشّف الخيوط الخفية والسرية لملامحها..!؟ فالصفقة من آليات السيطرة المعقدة، التي تستخدمها الدول والقوى والسلطات، وخصوصا في المراحل المفصلية التي تهدد وجودها ومصيرها. وفي مراحل الازمات، تسعى السلطات الى «تقزيم» مشكلات البلاد والمجتمع لتصبح بحجم مصالح السلطة ورجالها. فتتزايد الاخبار والتسريبات عن «صفقات» بين السلطة او من يمثلها، وبين القوى الاخرى المكونة للمجتمع، سياسية كانت او اقتصادية، وما بين الحقيقة والوهم والزور، في تمثيل السلطات او بقاياها، او في تمثيل المجتمع باسم المعارضة او الحركات الوطنية، تتكاثر «ملفات الصفقات». فمنها ما ينفجر، على هيئة استعراض قدرات وعضلات، ومنها ما ينفجر، على هيئة كسر عظم او تقليم اظافر، تمهيداً للصفقات الحقيقية بين المعنيين.
هنا، وفي ازمان كهذه، يتغير شكل الدول، وتبدو وكأنها ترتدي لباساً غريباً، فتأخذ شكل «دول الكهنة والاسرار». وهو تشبيه لنشاط الدول وفعلها، حين يكون ابرز ما في ذلك النشاط هو العمل من وراء ستار. تغيب المؤسسات تماماً، واذا وجدت فعلى هيئة مجالس شكلية، اما الحاضر الابرز، فقوى خفية تتحرك بدون اسماء، وعلى مستويات السلطات كافة، والنتيجة بروز اسماء ومواقف واجراءات الى الواجهة، من دون الحد الادنى للجدارة او الاستحقاق.
بالصفقات، التي لا حد لها، تستيقظ دول الاسرار. وبها يكون «الفشل» قد ارتدى ابهى حلله، تيمناً بمصير افضل، او على الأقل الحلم بفشل افضل، أو اقل فداحة في الجولة القادمة.
وفي معارك كهذه، عادة ما تُستنفر كتائب امامية، وفي جبهات متعددة، واهمها الاعلام، وبصفقات محدودة، غير ان الغريب في تلك المعارك، ان تلك الكتائب المتقدمة تضطر الى المقاتلة بأسلحة حديثة ليست لها، ولا تعرفها، ولم تدرب عليها، ولا تجيد استخدامها، فترتد سريعاً الى استخدام اسلحتها القديمة، التي صدئت وخبا وهج نيرانها وتأثيرها..!!.