ولا تزر وازرة وزر أخرى

ولا تزر وازرة وزر أخرى

في غياب أو ضعف القوانين ومؤسسات الدولة المناط بها تطبيقها، لا بد وأن تنبري جهات أخرى للقيام بالمهام المطلوبة، من هنا وجدنا النقابات المهنية في فترة ما قبل الأحزاب وقد غلب على عملها النشاط السياسي نيابة عن الأحزاب الغائبة، وكذلك وجدنا العشيرة قامت مقام المحاكم ومارست القضاء بداية نشوء الدولة، وكان لشيخ العشيرة دور رئيسي في فض النزاعات ما بين أبناء العشيرة وما قد ينشأ من مشاكل أو خلافات مع العشائر الأخرى وربما اجتمعت العشيرة وقررت تنفيذ العقوبة في بعض الأحيان، وللحقيقة والتاريخ فإنه كان لعشائرنا الأردنية الكثير من الفضل في حفظ السلم الأهلي وحل الكثير من المشاكل ومنع الجريمة، واستمر ذلك إلى أن ترسخت سلطة القانون وقويت مؤسسات الدولة حيث استجابت العشائر طواعية وتخلت عن أدوارها القضائية لصالح المحاكم وكثيرا ما وجدنا العشيرة قد أصرت على عدم شمول الجاني بالعطوة العشائرية أو الصلحة وأكدت على تطبيق القانون بحقه، أي أنه أصبح هنالك اعتراف من عشيرة المجني عليه بأن على الجاني تحمل مسؤولية فعلته منفردا ولا ذنب لأقاربه وعشيرته ليعاقبوا عليه، حيث أنه لم يطلع أحدا من أقاربه على نيته ارتكاب الجرم بما فيهم من يبيت معه في نفس المنزل.في ظل ما تشهده المملكة من تحول ديموقراطي وترسيخ لمفهوم دولة القانون والمؤسسات وما يرافق ذلك من إصلاح للقوانين، وحيث أن العشائر مكون رئيسي وأساسي في مجتمعنا الأردني فلا بد لها من إعادة النظر وتعديل أعرافها وتقاليدها وقوانينها بما يتلائم مع التحول المنشود وأهم تلك التحولات ما يتعلق بمواضيع العطوة والصلحة والجلوة، إذ لا يعقل أن يتم تشريد أسرة كاملة من مكان سكناها لمجرد ارتكاب أحد أفرادها لجريمة لم يشاركه في تنفيذها أو التخطيط لها أي فرد من الأسرة أو العشيرة، وقد بلغ التطرف في تنفيذ الجلوة أحيانا حد الطلب بتنفيذها خارج الإقليم بعدما كانت تقبل من حي إلى حي أو من قرية إلى قرية حين كان بيت الشعر هو المأوى ومن السهولة نقله من مكان لآخر، أما ما يتعلق بالعطوة والصلحة وقد أصبح العرف في غالبية الأحيان عدم شمول الجاني بها، وتركه في مواجهة القانون وتحمل عواقب جريمته، فلا مبرر لسوق الجاهات وتعطيل مصالح الناس وتحمل ما يرافق ذلك من تكاليف لتؤخذ العطوة أو تعقد الصلحة على من لا ذنب له ويبقى الجاني مكشوفا إلى أن تستكمل مدة عقوبته حسب القانون، ولتبدأ بعدها رحلة جديدة على طريق مصالحة تشمل الجاني في أحسن الأحوال، أو الإصرار على الثأر والإنتقام منه. المطلوب الآن من عقلاء العشائر وكبارها الدعوة إلى اجتماع عشائري يتم فيه إعادة وضع النقاط على حروفها، فإما أن تكون العطوة والصلحة للمذنب، أو لا تكون ويكتفى بزيارة مجاملة لذوي المجني عليه ولا تزر وازرة وزر أخرى.mustafawaked@hotmail.com