ما كتبته نوال عباسي

ما كتبته نوال عباسي

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 3-5-2013
No Image
ما كتبته نوال عباسي

محمد المشايخ - تعدّ الأديبة نوال عباسي، من أبرز رائدات الأدب المعاصر في الأردن، وهي كاتبة تنويرية، كان لها شرف الريادة في العمل الوطني، وفي تسييس الأدب، ليتسع لتطلعاتها القومية، ولإشراقاتها الإنسانية. ومن يُطالع مجلدها الجديد «ما كتبته نوال عباسي» الصادر عن دجلة في عمّان في 632 صفحة (225 صفحة لقصصها القصيرة، و407 صفحات لخواطرها وقصائدها) سيكتشف أنه أمام مبدعة وطنية وقومية وإنسانية بامتياز، مبدعة كرّست عمرها لمشروعها الثقافي والسياسي، واستطاعت أن تعبّر بصدق وجمال عن وقع الوجود على وجدانها، كما سيكتشف أنه أمام كاتبة سياسية ناضجة جريئة صريحة تغرد خارج السرب.
ورغم سني عمرها المديدة، إلا أن مُجلدها الجديد يُقدمها لقرائها بوصفها عروس الأدب والفكر والسياسة وهي في أبهج تجلياتها، صبية الروح والقلب، تكره الحرب والموت والفناء، وتعشق الحياة، وتبشّر بتجددها، لدرجة تجعل القارئ يستمد منها العزم، وينظر لكتاباتها بعين العز والفخر، كيف لا وهي سنديانة الأردن العابقة بالشموخ والكبرياء، وداليته التي تبشّر بالخصب، وياسمينته التي تعطّر ثراه وتضيء سماءه، وأنثاه التي تسطر للبشرية أجمل كلمات الحب والعشق، وتهيئ لرجال العالم ونسائه جنان اللقاء الأبدي، والتواصل معلنة غضبها على أي لحظة فراق أو انفصال أو ابتعاد، فالحبّ عندها هالة مقدسة، وهي خصمٌ لكل من يحاول أن يمسّ قداستها.
لعلّ أجمل ما في صفحات هذا الكتاب، شهادة الشاعر حميد سعيد التي تصدّرته، إلى جانب الشهادة التي قدّمها الشاعر سليمان المشيني لأحد كتبها، إلى جانب شهادتي د.إبراهيم خليل وعبد الرحيم غنام في مجموعتين قصصيتين لها.
تنوعت موضوعات قصص عباسي المنشورة في مجموعاتها: (صدى المحطات، ليلة الحناء وقصص أخرى، لحظات هي عمر، وامرأة الليلك) بين الوطني والاجتماعي والسياسي والعاطفي، واستقت المبدعة قصصها من تجاربها الشخصية في الحياة، ومما جادت به ذاكرتها.

جماليات القص
تعدّ عباسي، أوّل من كتبت القصة القصيرة ثلاثية الأبعاد، ففي قصة «البطلة»، حكاية امرأة مع الحب كما هي في الواقع، توازيها قصة المرأة نفسها كما تريد أن تكتبها عباسي، ثم قصة تلك المرأة كما قرأت عنها: «تنظر إلى الهاتف، الوقت يمر، لكنه لم يتصل كما وعدها، عله انشغل، أو سيختفي فجأة مثل بطل القصة التي قرأتها، وكيف ماتت البطلة من شدة الشوق إليه، لكن أنا لست مثلها، أنا واقعية ولن أعيش في الوهم، ولا في الخيال».
كما تعدّ عباسي من أبرز كاتبات القصة السيكولوجية، يتضح ذلك من خلال تركيزها على «تيار الوعي» أو المونولوجات الداخلية في قصصها، لأنها تتيح لها رسم قطاع داخلي للحياة النفسية لشخصياتها وما يدور في داخلها من أفكار ومشاعر: من قصة «انتظريني بثوب الزفاف»: «التي ودّعت حبيبها الذاهب للحرب من لحظات.. بعد لحظات أفاقت، كيف تركته يذهب دون أو يودعها، حتى إنها لم تكد تراه حين خرج من الباب، تتحسس أصابعها والخاتم الذي وضعه فيه».
كما استخدمت عباسي أسلوب قصة داخل قصة، أو حتى أكثر من قصة داخل قصة، ففي «انتظريني بثوب الزفاف» تقول البطلة: «ثمة حكاية عن البحار الذي عشق صبية وضيّع الموج، وحكاية عن الأمير الذي اختطف حبيبته وطار بها على ظهر جواد أبيض إلى قصره».
ورغم جرأة القاصة وتعبيرها عن نفسها بوضوح وانكشاف، إلا أنها تلجأ للرمزية أحياناً، ليس من أجل الاختباء الأيديولوجي وراءها، خشية الرقيب، بل لأنها تتيح لها فرصة تقديم جماليات لا تساعدها القصة الواقعية على الوصول إليها. ومن ذلك قصة «الشجرة والفنان» التي تحكي عن شجرة ترمز للوطن العربي وعما حصل فيه من تجزئة، وما تعرض له من أطماع أجنبية: «مرّ من تحتها كثيرون، بعضهم تفيأ ظلالها، بعضهم رماها بحجر، كانت سبعة أفرع في ما مضى، لكنها قد تشعبت إلى اثنين وعشرين.. الشجرة مثمرة، ولو لم تكن كذلك لما تكالب عليها اللصوص.. لصوص الثمر والظلال، رأس الشجرة يكاد يطاول السماء.. والتراب الخصب يعانق الأقدام، والنسيم العليل يداعب الوجه والجسم مئات المرات في اليوم، إنها شجرة متمردة في الشموخ والكبرياء، فروعها متفرقة ومتباعدة، ولكن جذورها ثابتة وغائرة بين الصخور».
تتجاوز عباسي النمط التقليدي من القصص، وتكتب وفق نمط قصص ما بعد الحداثة، فتلجأ إلى الفانتازيا، منتقدةً من خلال رموزها الفساد وأبرز أعلامه ومؤسساته، وخلال ذلك تصف لنا عوالم غير واقعية، ومن ذلك ما ورد في قصة «القبلة الأخيرة»: «من البعيد لا ترى سوى تلك الرؤوس ذات الأحجام والألوان المختلفة.. نساء نبتت لهن لحى وشوارب، ورجال وجوههم كأنها صحراء حتى إنهم بدوا دون حواجب أو رموش، ومنها ينطلقون إلى أمكنة لها رائحة غريبة ممزوجة بروائح تفرزها أجسامهم المتعبة، كأنهم بشر منسيون من عهد مرّ عليه زمان طويل».
وفي بعض قصص عباسي لوحات تشكيلية مرسومة بالكلمات، تظهر حبها للطبيعة وهيامها بها ومشاركتها لها في التغيّرات والمؤثرات المناخية. تقول في قصة «المسرب الشرقي»: «الضباب يلف الأفق، السماء تهمي بحبات المطر، قناديل الشوارع تبدو شاحبة ترسل أضواء صفراء باهتة، وترسم أمامه لوحة رائعة.. كان يرنو على اللوحة من خلال زجاج السيارة.. المطر ينقر الزجاج وكأنه طائر ينقر الحب.. بدت اللوحة رائعة وكأنّ يد فنان مبدع هي التي رسمتها».
ورغم ما في قصص نوال عباسي من تكثيف، إلا أنها مغرمة بالتفاصيل الدقيقة، التي تتيح لها فرصة جذب قارئها، وتشويقه لمتابعة القراءة، وكأننا بها تريد أن تقدم لقارئها متعة الكلام بوصفه المقدمة والوسيلة التي ستجعله يتقبل أفكارها ووجهات نظرها السياسية في الصفحات التالية، ومن هذه التفاصيل قولها في قصة «لماذا هربت دنيا»: «امتدت يدها إلى صندوق يغفو تحت وسادتها، فتحته برفق وتأملت هداياه.. هداياه وحده: هذا قلب مصنوع من الخشب الوردي منقوش عليه أول حرف من اسمها، وذاك قلب مصنوع من الفضة مكتوب عليه تاريخ أول لقاء بينهما، وذاك مصنوع من الذهب الخالص ومكتوب عليه: أحبك إلى الأبد، وآخر يغفو بين أوراق وردة حمراء رائعة الجمال».
تشارك القاصة عباسي أدباء العالم في بحثهم عن الأجمل والأكمل في الفن، رافضة ما حققه لها الواقع من جماليات زائلة، إذ تذكرنا قصتها «الشرفة الخلفية» بمسرحية بيجماليون التي كتبها جورج برناردشو وكذلك توفيق الحكيم، فكلاهما أحال التمثال الحجري مسرحياً إلى امرأة من لحم ودم.. وبينما هي في أحلى مواصفاتها الجسدية، أعاداها إلى حجر وقاما بتحطيمه، بحثاً عن الأجمل.. أما عباسي، ودونما أي تأثر بسابقيها، فقد قطعت في قصتها رأس التمثال الذي يمثل أجمل عاشق للحبيبة في تلك القصة، وأكثر شخص تحتفظ بذكريات جميلة معه، وأجرت تعديلا في اتجاهه: «جاءت بمنشار حجر.. وهبطت في اليوم التالي الحديقة.. أمسكت برأس التمثال وراحت تنشر رقبته.. كانت رقبة نحيلة كرقبة طائر.. سرعان ما استجابت لها فانفصل الرأس عن الجسد.. فضمت الرأس على صدرها بحنان، وبثوبها مسحت الغبار عن وجهه.. ثم أعادت الرأس إلى مكانه عاكسة وضعه السابق بحيث يبدو الوجه من الشرفة، لن تعاتبه، لن تغفر له، لن تعود إليه حتى لو أصبح التمثال من لحم ودم، وتخيلت للحظات أنه سوف ينطق».
يغيب البطل في معظم قصص عباسي، وغالباً ما تبقى المرأة وحيدة تصارع القدر وحدها منتظرة حبيبها الذي لا يأتي، وقد عبّرت عن هذه الحالة في قصتها «أكواب»، فالزوجة عندما تعد الشاي تضع على الصينية كوبين أحدهما لها والآخر لزوجها، وعندما أنجبا بنتا وولدا، صار عدد الأكواب أربعة، ثم بدأ العد العكسي، حيث تزوج الابن، فظلّ عدد الأكواب ثلاثة، ثم تزوجت البنت فصار عدد الأكواب اثنين، ثم مات الزوج فلم يبق إلا كوب واحد.
وفي الوقت الذي كانت ترسم فيه القاصة الأبعاد الخارجية لأبطال قصصها (والتي تشمل المظهر العام والسلوك الظاهري)، والبعد الداخلي الذي يشمل الأحوال الفكرية والنفسية والسلوك الناتج عنها، إلا أنها كانت تلجأ أحيانا للكتابة المليئة بالألغاز، مع تفسيرها فورا عبر الحوار الذي يكاد يكون صنو المونولوجات التي تمتلئ بها القصص، تقول في قصتها «دوران»: «سمعت منه ذات يوم يقول: أنت وأنا نشبه كوكبين دائرين.. نحب الدوران مثلهما.. وردت عليه يومها: كالشمس والقمر مثلا؟ قال يومها وهو يحدق في عينيها: أنت الشمس.. فمن يكون القمر؟ لم تقل له إنه القمر وإن كانت تنوي أن تقول فاستدرك: على كل حال أنا لا أرغب في أن أكون القمر لأنه والشمس لا يلتقيان. ردت مؤكدة قدرتها في علم الطاقة: إنهما حقا لا يلتقيان، لكنه يستمد نوره منها بكل تأكيد».

مضامين وتطلعات
يتبدى في قصص نوال عباسي إكثارها من المفردات التي تدلّ على إيمانها بالله وبالغيبيات المرتبطة بالديانة المسيحية وشعائرها وروحانياتها.
ولا تخلو قصص عباسي من بعض الجمل الطريفة، التي تنقل كتاباتها الجادة إلى الأدب الساخر، فبطل قصة «ورحلت» يقول لحبيبته ليؤكد مكانتها العظيمة في نفسه: «ألم أقل لك إنك الخرزة الأخيرة في مسبحتي»، فترد عليه حبيبته قائلة له إنها مثله كانت تبحث عن محطة تستريح فيها بقية عمرها، حتى وجدته «فاستراحت من عناء السفر والانتظار».
وهنالك أدلجة للنصوص، وبث للفلسفة الخاصة بالقاصة فيها، فهي تجعل بطلة قصة «سراب في الفندق» تغادر الفندق قبل أن تسلّم جسدها لحبيبها الذي أعطته موعدا لمقابلتها في الفندق، بعد أن تركت له رسالة جاء فيها: «أكتب إليك مباشرة من جرحي.. فأنا خائفة أن تنضب منه هذه البقية من النزف.. وأخسر شوقي إليك.. ولأن الحب كالحياة.. حياة الإنسان؛ ولادة، وموت.. وبما أن كل إنسان ولد سيموت، فلكل حب ولادة وموت.. فأنا لا أريد للقائي بك أن يموت.. أتمنى أن نبقى أصدقاء.. اعذرني».
وعدا الرسائل التي يكتبها العشاق في قصص عباسي، فإنها تلجأ في بعض قصصها لتقديم معلومات علمية على لسان بعض الشخصيات، كما ورد في قصة «ربطة العنق»، حيث قال بطل القصة إنه قرأ مرة بحثا لطبيب مختص بالدماغ جاء فيه: «إن الدماغ هو سبب شقاء الإنسان وسعادته أيضا، فهو الذي يأمرنا بالحبّ، وهو مقسّم إلى أجزاء عدة، جزء للذكاء، وجزء للنفاق، وجزء للذاكرة، وجزء لاتخاذ القرارات، ويوجد أناس كثيرون لا يستعملون كل أجزاء أدمغتهم».. بل إنها تجعل الألوان تنتصر على سرطان الثدي في قصة «معطف الثلج» يقول بطلها: «هذه الوردة الحمراء القانية ترمز للألم، إلا أن أوراقها الخضراء ترمز للأمل.. وغصنها الذي بلون الأرض يرمز للخلود».
وعبر تسييسها لفن القصة، نجد في قصصها جلدا للذات العربية التي أتاحت للغرباء فرصة احتلال بعض الأراضي العربية، وجلد للغرباء الذين احتلوا هذه الأراضي مهما كانت جنسياتهم، كل ذلك بتقنية فنية جميلة ظهرت في قصتها «امرأة الليلك»، إذ تبدأ بالليلك والبنفسج ودورهما في تعميق أواصر المحبة بين العشاق، وتنتهي بتعرض العاشق للموت، والعاشقة للأسر، وحين تغادر السجن تبحث عن حبيبها، بل وعن مدينته العربية: «إن لم تعرفوا عدنان فهل تعرفون هذه المدينة؟ أين ذهبت؟ أين متحفها؟ أين ذهبت مكتبتها؟ أين ذهبت فنادقها وعماراتها؟».
تورد القاصة في بعض قصصها خلاصة تجربتها في الحياة، وبعض الآراء والمواقف وحتى المبادئ الفلسفية، فتقول في قصة «ليلة الحناء»: «ثمة أحداث تمرّ في حياة كل إنسان يشعر خلالها أنه غير قادر على التفكير، وإذا فكر فإنه يشعر كأنه غير قادر على الاستيعاب أو على التصرّف أو حتى على فعل أيّ شيء حيالها، وثمة أحداث تحدث في حياتنا تكون أكبر منا، وأكبر من أن نتخيل حدوثها، لكنها مع ذلك تحدث وقد تغيّر مسار حياتنا.. لكننا نتقبلها ونكون مجبرين على تحملها والتعايش معها حتى ولو سببت لنا المرارة والغصة في حلوقنا».
نوال عباسي، التي انتقلت بعد رحيل زوجها من حال إلى حال، تورد في بعض القصص جانبا من سيرتها الذاتية، خاصة في لحظات الحزن والأسى واليأس، أو ربما يكون ما تورده في تلك السيرة لكاتبة غيرها، وتبقى هي الحكم لتحديد الشخصية المقصودة. جاء في قصة «أسوار»: «فقدت أهم مقومات حياتي، وأصبحت أشعر أني لم أعد قادرة على الكتابة، كتابة أي شيء.. فكلما أمسكت القلم، وحاولت.. أجدني أكتب كلاما بلا معنى.. فأمزق الورق، وأخلد إلى النوم ساعات وساعات.. الأيام تمر كئيبة.. مملة.. جلست أسلسل حياتي.. خطرت على بالي فكرة.. أحضرت حقيبتي.. ورحت أكدّس فيها ثيابي والحزن يملأ قلبي.. والدموع تتفجّر في عيني.. بينما الواقع ماثل أمامي يحفر في مخيلتي مثلما يحفر مخرز فولاذي في جدار صلب».
وعلى غير عادتها في قصصها، تلجأ عباسي إلى تكرار كلمة «أرقام» في قصتها التي تتخذ من هذه الكلمة عنوانا لها، ورغم أن لها فلسفة خاصة من هذا التكرار، إلا أن الأمر يبقى جديدا وغريبا على القارئ لا سيّما أنه يطالع قصة قصيرة، تختلف عن الرواية في قدرتها على استيعاب كل ما يريد المبدع أن يوصله لقرائه في أوجه الحياة وآدابها وفنونها المختلفة: «اليوم والتاريخ الذي يولد فيه الناس أرقام، شهادات ميلادهم أرقام، حين يذهبون إلى المدرسة يكتبون مقابل أسمائهم أرقاما، وحين يتخرجون فيها أو في الجامعة ينهون دراستهم بأرقام.. الفشل والنجاح، الغنى والفقر أرقام، جوازات سفرهم، تراخيص مركباتهم، مرتباتهم، رخص القيادة، هواتفهم،...».

الشعر
عند استعراض أبرز الأغراض الشعرية الواردة في قصائد عباسي، المنشورة في مجموعاتها (شاطئ الفيروز، عبق المدن، ثوب بغداد، حبيبي) نجد تنويعا قوميا ووطنيا واجتماعيا وعاطفيا يكاد يطغى على موضوعاتها الأخرى، وذلك لما فيه من الحنين والأنين والحزن والشوق والأسى واللوعة والاغتراب، ويبرز في شعرها ما في قلبها، وكأن عمرها هو ديوانها وقد نقشت عليه بدمها وعطرها موقفها الوطني والقومي والإنساني، وتتعالى بين كلماتها تلك المفارقة المنحازة للحياة وخصبها وتجددها، والمضادة للعقم والموت والحرب والفناء.

 المدن العربية
حظيت المدن العربية باهتمام خاص في شعر عباسي، وإن كانت قد انطلقت من مدينة الحصن بوصفها مسقط راسها، حين قالت:
«أيتها الملكة الجالسة في الشمال على
عرش الوطن! يا أجمل المدن
يا حصن، أسوارك حصنٌ، حصين..»، فإن عمان حظيت بأكثر من قصيدة، برزت فيها مواقف الشاعرة إلى جانب جماليات قصائدها، فقالت فيها:
«عمان.. تعيش في دمي
تستمطر المداد في قلمي
حروف مجد ترسم اسمها على فمي صلاة
تزرع في ذاكرتي الأمل».
وتقول في قصيدة أخرى:
«عمّان
مهما طلبت يا منيتي، فاطلبي
كل شيء أهبه فهو من عطاياك
فإذا طلبت مدرجا أكبر
بنيته من أضلعي، وجبلته بدماء قلبي
الذي لا ينساك
 وإذا ما طلبت قلعة أعلى
جعلتُ من عيوني لؤلؤا
وبنيت قلعة تليق ببهائك».
وتربط في قصيدة أخرى بين حبها لعمان بخاصة، وللأردن بعامة، فتقول:
«علمتني طفولتي أبجدية اللغة
وعلمني الأردن أبجدية الحياة
وعلمتني عمان أبجدية الثقة بالنفس».
تربط عباسي في قصيدة أخرى بين عمان والبصرة، وفي هذه المرة تفيض مشاعرها الوطنية، فتعيد الحياة للسياب إذ تراه يصغي لشعرها الذي يشيد بأرض العراق، وبأبطال العراق وفرسانه، وبماجداته، وتشعره أن عمان تقدر بطولات وتضحيات العراقيين رجالا ونساء، لذا أحضرت معها ورودا من جبال عمان، وأضافت لها حزما من زهور البصرة، وجدّلتها معا لتشكل منهما أقواس نصر تليق بأبطال العراق:
«بدر شاكر السياب
أيها الشاعر..
يا أسطورة الأرض في ثباتها ما لانت كصخرة،
ولا انحنى فارس
أو طأطأت حرة
جئتك من عمان.. أحمل من جبالها، وردا
أجمع من زهور البصرة حزما
أضمها إلى الورد.. أجدلها قوسا
يليق بالأبطال».

 الأردن.. والوطن العربي
إن اهتمام الشاعرة بالمدن، لم يحل بينها وبين مناجاة وطنها العربي الكبير بكل مدنه وقراه وبواديه، وبثه آمالها وتطلعاتها ومشاعرها تجاهه، وتبلغ قمة التسامي حين تصرح شعرا بأنها تود لو تخبئ هذا الوطن وثرواته ومقدساته، ليرحل الغزاة عنه، إذ تقول:
«وطني
أريد أن أكتب شيئا عن الحب
أريد أن أكتب عن البطولات
أريد أن أكتب شيئا عن الاستقلال
أريد أن أكتب شيئا عن التاريخ
عن الماضي، عن الحاضر، عن المستقبل
أريد أن أتسامى كامرأة...
أودّ لو أسد معابرك..
أود لو أشرب نفطك..
أخبئ مقدساتك
كي يرحل الغزاة
عن أرضك».
ومثلما خصّت بعض المدن بقصائد محددة، نجدها تخصص قصائد لدول عربية تعشقها، وفي مقدمتها الأردن، الذي خبأته في روحها، داعية من يرغب بمشاهدة مدنه، أن يراها من خلال تلك العين:
«أردن.. وسع هذا الكون، أهواك.. وأكبر
إن كنت لا تصدق.. ففي سواد العين.. حدّق..
سترى: عجلون.. والسلط.. وإربد
وكل مكان من ثراك.. في الروح يهجع».
أما العراق، فقد خصصت له ديوانا كاملا، وقرأت في مهرجان المربد على مدى سنوات عديدة، قصائدها التي وصفت الحصار الجائر الذي تعرض له، وأثر الحصار في إنسانه وأرضه، وخصته بمكانة تليق به، إذ اعتبرته وطن العرب وأنفسهم ونبضهم، ومصدر عزهم ومجدهم، ووصلته محملة بالتحايا من رفاقه في النضال:
«يا أنا يا عراق
يا نبضنا
يُحيونك من وطني الرفاق».

السيرة الذاتية
إن تركيز الشاعرة على الإنساني والقومي والوطني العام لم يحل بينها وبين أن تتوقف عند الخاص في بعض المقاطع، التي يمكن وصفها جزءا من سيرتها الذاتية:
«أحنّ إلى ذكريات الطفولة
إلى أيام العمر الماضية
إلى منزل ضمّخته الأحلام والأمان
إلى فراشات ملونة زاهية
كنت أركض وراءها
في الجوانب الحانية».
وتضيف في قصيدة أخرى:
«وأشعر أنني كصخرة تربض في بحر الحياة
وأمواج الزمن تلطمني
وكلما لطمتني.. أصبحت أقوى..
لن أتداعى مهما
عصفت بي ريح الزمن
وغيبت عني في غفوة بعضا مني
غيبت والدتي وزوجي وأخي
سأحاول تحلية كؤوس المرارة
التي جرعتني إياها يد الأيام
بالأمل.. الأمل بالغد الذي قد يحمل لي
نعمة يخبئها القدر».
ومن شعرها الذاتي أيضا:
«يا لهذا الزمان العجيب
حظي العاثر كلما عدّلته مال
وسني العمر تهرب مني
وما عاد منها غير القليل.. القليل».
وهنا أشير إلى أن ارقى تكامل بين شكل القصيدة ومضمونها عند الشاعرة نوال عباسي، قد تحقق في قولها:
«بحثت عني بين الأحياء.. فلم أجدني..
 بحثت عني بين الأموات.. فلم أجدني
فأيقنت أن أمي لم تلدني».


الحب
يرتبط بالسيرة الذاتية للشاعرة، موقفها من الحب، الحب الذي لم تكتب عنه إلا وهي في قمة التأثر والصدق والانفعال، وهذا الموضوع فقط، هو الذي كان يجعلها تبدو سعيدة في حالات اللقاء، وكئيبة وحزينة بعد الفراق، متأثرة هنا أيّما تأثر برحيل زوجها. وبقدر جدّيتها، إلا أن كتابتها في هذا الموضوع، كانت تأخذ بعدا ساخرا أحيانا. تقول المعشوقة لحبيبها في شعر عباسي:
«بعد أن احتللتني
من قمة رأسي.. حتى قدميّ
سكبت روحك في روحي
 ولن أطالب بالاستقلال».
وتقول في قصيدة أخرى:
«لو كنت قاضية للحب
لقررت الحكم عليّ بحبك.
حكما أبديا قطعيا.. غير قابل للاستئناف.. أو للنقض».
وتصل الشاعرة إلى قمة السموّ في الإبداع، حين تطلع قراءها على مصدر إلهامها، وعلى الكامن وراء إبداعها الشعري، فتقول:
«حين أكتب القصيدة.. أكتبها أنا
وحين تكتبني القصيدة.. تكتبها أنت».
ويتخذ العشق عندها منحى كونيا، مرتبطا بعناصر الطبيعة، وموغلا في الأنسنة، تقول:
«حين يستفيق نهاري.. على شمس عينيك
أطفئ الشمس..
حتى لا أحترق بشمسين».

الموسيقى
تركز عباسي في قصائدها على الموسيقى الداخلية بوصفها النغم الذي يجمع بين الألفاظ والصور، وبين وقع الكلام وحالتها النفسية.. وبوصفها المزاوجة التامة بين المعنى والشكل، وبينها شخصياً وبين قرائها وبين المضمون الوطني الذي تتحدث عنه بلغتها الحماسية القوية:
«وطني حبيبي
كلما حاولت فيك ولم أحاول
سأظل في شفتيك سنبلة
فلا تخشَ المناجل».
وتقول في قصيدة أخرى:
«يا وطني
سأموت كي تحيا
وأحيا..
كي أموت جوى عليك».
أما الإيقاع في شعرها، فهو يأتي من وقفات متكررة أو من علامات الاستفهام والتعجب، أو من الفاصلة، أو من جميع ما في القصيدة من كلام وحركات. كما يرتبط الإيقاع بما يسمى «النبر» الذي يقوم على مقدار الضغط الذي يوقعه جهاز النطق على مقطع شعري في نمط من أنماط الترتيب.. ويرتبط الإيقاع أيضاً بما يسمى «الميلودية»، وهي ظاهرة تقوم على التناسب بين النغمات، وتُعرَف في السلم الموسيقي باسم الهارمونية:
«ما زلت تكذب والهوى إعصارُ
وأنا الجليدُ وأنت هذي النار
وأذوب بين يديك.. ثم ألُمّني
وأذوب ثم تلفّني الأنهار».

 الصورة الشعرية
لم تعد الصورة الشعرية في العصر الحديث ضربا من الزخارف والمحسنات، كما أن النقاد لم يعودوا يتعاملون معها على أنها مجرد علاقات جديدة تفرضها الحاجة إلى التعبير عن رؤية جديدة، فهي عمل فني يشير إلى عظمة الخيال المبدع الذي يبعثها من الذاكرة وإلى العاطفة السائدة التي تلونها.. وهي لم تعد نسخاً للواقع، بل تجاوزته لما يعرف بت «الصور المعنوية»، ومنها الصورة الذهنية التي تعني بقاء أثر الإحساس في النفس بعد زوال المؤثر الخارجي.
وقد حفلت الأعمال الشعرية لعباسي بكم كبير من الصور التي تعكس مقدرتها على إبداع الصورة الشعرية المتحركة، وهي الصنف الأرقى من بين أصناف الصور كقولها:
«قنديلٌ يحوم حول فراشته
يطويها تحت جناحيه
يحاول الطيران
يقع
ينكسر
يحرقها
ويحترق».
فعدا الحركة في هذه الصورة، ثمة قلب لما في الواقع، وتجميل للمشهد، فبدل أن تحوم الفراشة حول القنديل، وتحاول أن تطويه تحت جناحيها لتطير به، وتستمر في محاولاتها حتى تحترق.. تقول ااشاعرة إن القنديل هو الذي يحوم حول الفراشة، ويحاول أن يطويها تحت جناحيه، فيقع، ويحرق الفراشة ثم يحترق.
هذا التشخيص، وهذه الأنسنة، وهذا التجسيد، هو أرقى ما في البلاغة العربية، وقد تكرر كثيرا عند عباسي، التي تقول في صورة أخرى:
«تاهت الوردة العطشى
في صحراء التلاقي
رآها النبع
حوّل مجراه نحوها
سقاها
فسَكِر».
في هذه الصورة الشعرية حركة أيضا، إضافة إلى أنسنة للنبع، فهو يرى الوردة ضائعة عطشى، وهو الذي يحوّل مجراه باتجاهها ليرويها، وحين تشرب الوردة، يثمل النبع.
وتقول في مقطع آخر:
«أشعر كأنني نجمة بعيدة من النفط
أرتطم بنار الواقع المر
وأتفجر».
ومن الصور التي تسامت فيها البلاغة، قول الشاعرة:
«نام الرصيف
وبكى على كتفي عمود الكهرباء
بلا ضياء».
وتتكئ الصورة الشعرية عند عباسي على طائفة من أصناف البلاغة العربية غير المقصودة لذاتها، وفي مقدمتها: التشابيه، والاستعارات، والكنايات. ومن أروع الصور الشعرية الواردة في شعرها:
«كلما هاتفتني
سقطت في يدي ياسمينة
فتصور يا حبيبي
كم عقد ياسين أصبح
عندي».

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }