كتابة وتصوير: مفلح العدوانشمالا.. الآن.. شجر، وبشر، وإشراقة خير، وأكثر.. شمالا.. لي حصّة في دفء القلوب التي تعمر البيوت، والعتبات، والأحواش، هناك في «ابسر أبو علي»، تلك القرية التي تعزف موسيقى الحياة على غصون السنديان، وأوراق الزيتون، وعناقيد العنب، وهي مهيبة في حضورها غرب اربد، على مسافة ثلاثة كيلومترات شمال الطيبة.شمالا كان المسير من عمان، الى أن وصلت اربد، ومنها كان الدرب باتجاه الغرب، بعد مجمع الأغوار، حتى الوصول إلى تقاطع سير ان سرت منه نحو اليمين أصل إلى ججين ودوقرة، وإن اتجهت يسارا أصل إلى كفر يوبا، وهذا ما كان، إذ أن توقي اتبع نبض الطريق الى كفر يوبا، فتجاوزت بهدوء المحب هذه القرية، حيث كان ينتظرني، بعدها، الصديق إبراهيم محمود عليان أبو علي القرعان (أبو عبد الله)، وجاسر عبد القادر صالح أبو علي (أبو أيهم) عند دير السعنة، فتابعت معهم المسير، الى قرية الطيبة التي تبعد عن اربد حوالي 13 كيلومترا، ومنها انحرفنا في طريق زراعي إلى قرية «ابسر أبو علي».درب ضيق.. وواد سحيقكان المسير إلى «ابسر أبو علي» عبر هذا الدرب الزراعي المتعرج، والضيق (يبلغ عرضه حوالي مترين)، وهو خطير (لأنه يمر في واد سحيق، شديد الانحدار، هو وادي الجوق)، وهنا لا بد وأن أشير إلى تقرير صحفي قرأته في صحيفة يومية قبل سنتين (جريدة الغد)، يعبر عن المعاناة اليومية للسائرين في هذا الدرب،وفيه نداء إلى المسؤولين، وتنبيه إلى خطورة هذا الطريق، وكثرة الحوادث فيه، كما يعرج الى الإشارة الى أن سوء الطريق وخطورته هي أحد أسباب هجرة أهالي القرية منها، حيث بلغت نسبة الهجرة 85%، من جراء سوء الطريق، وصعوبة المواصلات، ونقص الخدمات، وعدم توفر مدارس في «ابسر أبو علي».عمود النمل
ها أنا أتهجى تفاصيل القرية، أسير في دروبها، وقد انضم الينا فيها كل من الشاعر نايف موسى عليان القرعان (أبو باسل)، وعلي محمد عليان القرعان (أبو عون)، وبلال محمد صالح القرعان، حيث عاينت برفقتهم تفاصيل «ابسر أبو علي»: البيوت، ووجوه الناس، والأشجار، والآبار القديمة، والحجارة العتيقة، والزيتون الرومي، والمدرسة الوحيدة، والجامع، والمغائر والكهوف، والأودية المحيطة بها وكأن القرية بينها جزيرة تعلو تلك الوديان، ورأيت الموقع المسمى بالكنيسة، والمساحة التي كان فيها عمود النمل (شجرة ملول كان طولها حوالي 15 مترا)، والطبيعة بصخورها وخضرتها، وبقايا منشآت عسكرية، وعدة بيوت حجرية بقيت منها أطلالها.. كل هذا وأكثر تلمست تفاصيله وأنا أتنقل في تفاصيل القرية، الى أن كانت الاستراحة للحديثة تحت شجرة سنديان قديمة.حوض من أراضي الطيبةبدأ الحديث الشاعر نايف موسى القرعان (أبو باسل) بقوله: «قرية ابسر أبو علي هي منطقة تابعة للواء الطيبة، وتنظيميا هي جزء من بلدية الطيبة الجديدة، أما أهاليها فهم فخذ من عشيرة اليمنية من عشائر القرعان في الطيبة. وتتميز ابسر ابو علي بميزتين عن باقي قرى لواء الطيبة، حيث أن الميزة الأولى هي أن أراضي القرية هي حوض من أراضي الطيبة لدرجة أنه في قيود دائرة الأراضي لا يوجد شيء اسمه بلدة ابسر أبو علي. أما الميزة الثانية فهي أن أهالي ابسر أبو علي هم امتداد لعشيرة القرعان، فهم أبناء العمومة والقربى».القلعة المنيعةيرد في موسوعة ويكيبيديا حول تسمية «ابسر أبو علي» أن «كلمة ابسر هي كلمة تركية اطلقت على المنطقة أثناء الحكم العثماني قبل أن يسكنها أحد، وكلمة (أبو علي) أطلقت نسبة الى الجد الأول لسكان هذه القرية (محمد أبو علي القرعان)، حيث أنه أنجب ثلاثة أولاد (علي، قاسم، وعليان) وسمي أبو علي نسبة الى ابنه (الشيخ علي أبو علي) الذي كان من مؤسسي وشيوخ هذه القرية والقائم على أعمالها». ولكن تتبع تداعيات الاسم يجعل المدقق يلاحظ أن الاسم يرد أحيانا بحرف الصاد، أي إبصر، فتصبح التسمية (إبصر أبو علي)، وبهذا الرسم الحروفي نجد تفسير التسمية لدى الباحث محمود سالم رحال في كتابه (أسماء ومعاني المدن والقرى الأردنية)، حيث يشير إلى أن «إبصر أبو علي: وبالسامي المشترك بمعنى (القلعة الحصينة) أو (مكان محصّن) أو (حصن. قلعة. معقل). تقع في م.اربد. والكلمة بِصِر: قوة. شدّة. (بَصُور). حصين. محصّن. منيع. (بِصُّور): قلعة. حصن. (مِفُصَّار) (مِبُصَّار): محصن. معزز.مقوي. وتقابل بالعربية بَصِيرة: كل ما أتّخذ جُنَّة كالدرع والترس وغيرهما».الماء الطريكما يذكر الدكتور محمد عبده حتاملة في الجزء الأول من (موسوعة الديار الأردنية) إلى إن إبسر أبو علي «كان اسمها (بسر)، بضم الباء الموحدة، وقد وردت بهذا الاسم في دفاتر الطابو العثمانية، ومنها الدفتر رقم (430) تاريخ 930ه/1523م. والبُسر: البعض من كل شيء، والبُسر (بضم الباء)، والبَسر (بفتحها): الماء الطري الحديث العهد بالمطر ساعة ينزل المزن. والبسر: حفر الأنهار إذا عرا الماء أوطانه، وبسر النهر إذا حفر فيه بئرا وهو جاف. ويوجد في لواء الطيبة، حيث تقع قرية ابسر أبو علي، واديان هما: وادي دان ووادي البسور، وبسر مفرد بسور، وربما أخذت اسمها من الوادي، ثم طرأ على الاسم تحريف عبر الزمن فأضيفت الهمزة إلى أوله. وعندما نزل شيخ يدعى: (أبو علي القرعان)- ويبدو أنه هو الذي بدأ الإقامة في المكان سمي باسمه: ابسر أبو علي».ولكون قرية ابسر أبو علي تابعة للطيبة، فكان لا بد من تتبع تسميات أحواض قرية الطيبة، للاستدلال على أي حوض من الممكن أن يكون قريبا في التسمية من كلمة ابسر، وهنا، وعند تصفح كتاب (المعاني اللغوية لأسماء المدن والقرى وأحواضها في المملكة الأردنية الهاشمية) للباحث ركاد نصير، يلاحظ ورود حوض أيسر، وخربة أيسر، وربما يكون المقصود ابسر، وأن هناك خطأ مطبعيا، أو أنه تم نقل الاسم من مصدره بالخطأ، أو أنه الشكل الأصح للتسمية ايسر بدلا من ابسر، وكل الاحتمالات واردة، فكانت تدوينها هنا ايسر، بدلا من ابسر، والفرق هنا هو نقطة الياء، وقد تم تفسير المعنى لكلمة أيسر حيث يكتب الباحث نصير أنه «حوض أيسر: نقيض الأيمن، وأيسر الرجل: صار ذا غنى. حوض خربة أيسر: الخربة: موضع الخراب»، وأيضا يرد حوض وادي السنديان، وهو واد يحاذي قرية ابسر أبو علي، حيث يشير له نصير بقوله «حوض وادي السنديان: شجر البلوط (فارسي)».ثلاثة أشقاءنعود الى تداعيات الذاكرة الشعبية، والتاريخ الشفوي، الذي يعطي تفسرات أخرى لتسمية القرية، ولتفاصيل حكاية انتقال أهالي قرية «ابسر أبو علي» من الطيبة الى هذه المنطقة، حيث يشير في هذا السياق الشاعر نايف القرعان (أبو باسل) الى أن «منطقة ابسر تسمية قديمة أطلقت على مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية الخصبة، وقد كان أهالي ابسر يقطنون الطيبة، وللحفاظ على مزروعاتهم ورعي مواشيهم بنوا بضعة بيوت ريفية في ابسر، وكان هذا الانتقال الموسمي في الماضي يسمى (التعزيب)، ومع مرور الزمن، تكاثر الأبناء، وأنشأوا بيوتا لهم في القرية. وقد أطلقت تسمية (ابسر أبو علي) على الأراضي التي يملكها آل أبو علي. ومن الجدير بالذكر أن مسمى أبو علي هو محمد، وغلبت كلمة «أبو علي» على اسمه الحقيقي محمد، وقد عقّب محمد ثلاثة هم (علي، وقاسم، وعليان)، وهؤلاء الثلاثة أشقاء هم أقطاب منطقة ابسر. وبما أن كل عشيرة اقترن اسم أرضها بها، لذا فقد سميت ابسر العودات نسبة الى عشيرة العودات التي تنضوي تحت لواء عشيرة القرعان، وكذلك هناك أراضي تعود لعشيرة (الرواقه) الذين كان يطلق عليهم سابقا (الفقراء)، وهنا لا تفهم كلمة الفقراء بمعناها اللغوي، ولكن نسبة الى عشيرة الرواقه التي عُرف عنها التدين والتقوى، وحسب قول أحد المعمرين، جاءت تسمية الرواقه من راقَ، أي الرقية الشرعية، وفي رواية أخرى أن (الريق النفت لمعالجة المرض). كما أطلق على مساحة من الأراضي في القرية تسمية ابسر العلاونة نسبة الى مالكيها من عشيرة العلاونة في الطيبة». سيرة قرية ابسر أبو علي تقع ابسر أبو علي غرب إربد، إلى الشمال من قرية الطيبة بثلاثة كيلومترات تقريبا، على خط الطول 35 درجة و 43 دقيقة شرقا، ودائرة العرض 32 درجة و 33 دقيقة شمالا. وتتبع إلى لواء الطيبة، وهي من ضمن حدود بلدية الطيبة الجديدة.الديموغرافيا:يبلغ عدد سكان ابسر أبو علي بحسب التعداد السكاني لعام 2004م 317 نسمة (179 ذكور و 138 إناث)، يشكلون 52 أسرة، تقيم في 65 مسكنا. أما عدد سكان القرية في بداية عام 2013م، فيبلغ حوالي 425 نسمة. التربية والتعليم:يوجد في القرية مدرسة واحدة هي مدرسة ابسر أبو علي الأساسية المختلطة. ويكمل الطلاب دراستهم بعد ذلك في مدارس قرية الطيبة.* يوجد في القرية جامع واحد.* لا يوجد في القرية أية مرافق أخرى، حيث تعتمد في معظم احتياجاتها على قرية الطيبة القريبة.*هناك مشكلة مزمنة في الطريق المؤدي إلى القرية، وصعوبة فائقة المواصلات.