تُرى لو بُعِث أبقراط الملقب بإبي الطب للحياة من جديد في هذا الزمن الذي تهيمن المادة فيه على تفكير الناس وفِعَالِهم ماذا سيجد؟ سيجد أن القَسَم الذي صاغه وأراده هادياً لضمير العاملين بهذه المهمة الإنسانية ونبراساً يضيء دربهم، مُفعَّلاً بأمانةٍ وتفانٍ من أطباءَ «رأس الحكمة - عندهم - مخافة الله»، غير أنه سيصاب بامتعاض من ممارسات وسلوكيات أيِّ طبيب: يقسِّمُ الساعة الواحدة على خمسة مرضى، أو يضع السماعة على صدر مريضه بينما عقله عند عدد المنتظرين في الصالة، أو يقرر علاجاً لصِلة صداقةٍ مع المستورد أو المُصَنـِّع، أو من يعتبر المريض زبوناً دَسِماً إن كان قادماً من الخارج فيأخذ يمرره على أطباء آخرين بداعي المزيد من المشورة، ويرسله أيضاً دونما حاجة إلى المختبرات الصديقة وفحوصات الرنين والأشعة ثم يُحمـِّله علاجات بمئات الدنانير قد يضطر المريض لتغييرها واتلافها لعدم نجاعتِها. وسيمتعض أبقراط أيضاً من كل من يتثاقل ولا يرد على استغاثة مرضاه بعد ساعات الدوام وفي العطل!ولتوجيه خطى أطباء اليوم لتقديم قصارى جهودهم لأبناء الأردن ومن يقصد بلدنا ليبرأ من علة تذيقه مرارة اليأس، نتمنى الأخذ بمنهج وخبرة أطباء تكللت هاماتهم بوقار المشيب، وعليه فهم ليسوا بحاجة للتعريف أو الترويج ومن الأطباء من قبل أن يسدد قلمه ليكتب الوصفة الطبية بخطٍ كبيرٍ واضحٍ، كي لا يختلط الأمر على الصيدلاني الذي كثيراً ما تصله وصفات كُتِبَت بخطٍ غير مفهوم فيأخذ يتحزر ويخمِّن لفك حروفها وقد يصرف ما هو خلاف المقرر، يقوم بإعطاء مريضه الوقت الكافي ليبسط ما يعانيه من أوجاعٍ وعوارضَ دعته للحضور، ويفتح المجال له ليفصح عن أية تساؤلات تؤرقه، بل يوقظ ذهنه عما غفل في سرده بخصوص حالته. يصغي بانتباهٍ شديدٍ لمريضِهِ ثم يُجري الفحص السريري، فقياس ضغط الدم ونبض القلب وما يتعلق بشأنهما وغيرهما من فحوص يقدرها بخبرته لتُسهمِ في التشخيص الصحيح المتكامل. تلك الفحوص المهمة والأساسية ما عادت مع الأسف محط اهتمام كثرة من أطباء اليوم الذين يكتبون الوصفة الطبية على عَجَلٍ.. أو يدفعونَ المريض وقبل أن ينهي شرح حالته ومعاناته، لإحضار فحوصٍ كثيرة مُكْلِفَةٍ مادياً، يتبين في أغلب الحالات عدم الحاجة إليها من مختبراتٍ ومستشفيات ومراكز أشعة محددة دون غيرها.. يجيء هذا وَهُم لاصقون بكراسيهم وعقولهم طائرة في أعداد المرضى في صالة الانتظار، ومحصلة الدخل الوفير في آخر النهار. وإذا كان المريض في العادة لا يقرأ مضمون النشرة الطبية الموجودة في كلّ عبوة دوائية، هذه المسألة التي يغفل عنها كثرة من أطباء اليوم على أهميتها، فإن بعض الأطباء وبحكم خبرتهم يقومون بارشاد مراجعيهم الى التداخلات الدوائية والاحتياطات وطريقة استعمال العلاج وتوقيته والأغذية التي يمكن أن تثبط مِن مفعوله وغيرها من معلوماتٍ، في معرفتها مسبقاً ما يطمئِن المرضى ويسهم في شفائهم. والحق يقال ان هذه المسألة الخطيرة ليست على بال كثرة من أطباء المراكز الصحية الذين يوكلون المهمة للقائمين على صيدلياتها الذين مع ازدحام حامليِّ الوصفات تتعطل لغة الكلام عندهم، فترَصَّ الأدوية في أكياس بلاستيكية صغيرة دون نشرات أو شرح!إن المستوى الطبي الذي تحقق في الأردن يجدر أن يبقى على صورته البهية التي ألِفناها، فلا نجعلن مكاناً للسلبيات من بعد، ولنخفف بإنسانية وشهامة الأعباء والمصاريف على المرضى الذين يقصدون بلدنا للعلاج. وليكُنْ قـَسَم أبقراط ابن اقليدس اليوناني المولود سنة 460 ق.م. أمام البصائر «أتعهدُ وبكلّ ما أوتيتُ من علم ومعرفة وقوة بانقاذ أرواح البشر بكلّ أمانةٍ وإخلاصٍ وتفانٍ دون تمييز أو تفرقة».حنا ميخائيل سلامةHanna_salameh@yahoo.com
الطب مهنة إنسانية .. يجب المحافظة عليها
12:00 15-4-2013
آخر تعديل :
الاثنين